من منا لا يصادفها يوميا؟ طيف امرأة وراية كفاح تحمل عنا حزمة الحطب الضخمة... | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

من منا لا يصادفها يوميا؟ طيف امرأة وراية كفاح تحمل عنا حزمة الحطب الضخمة…

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الجمعة 07 مارس 2014 م على الساعة 21:01

طيف امرأة، أو ما تبقــَّى منها، ينوء تحت حمل ثقيل. جسد نحيل يحمل أثقال الدنيا بكاملها. ويتساءل المرء كيف يستطيع الطيف المعقوف المنحني تحت حزمة الحطب الضخمة أن يستمر في الحياة، فأحرى أن يحمل كل هذا الحطب، كل هذا العناء… من منا لم يلحظ مرور مثل هذه الأطياف على الطرق الغابوية؟ من منا لم يصادف تلك الوجوه الصارمة والصامتة و الطافحة بالطيبوبة على جنبات الطرق الرئيسية والثانوية على مقربة من المداشر والقرى؟ ومن منا لم يلاحظ أن الحزم الضخمة إياها لا تحملها إلا النساء والفتيات وحدهن لا غير؟ من منا لم يصادف يوما ما وقد اضطر للاستيقاظ باكرا – على مقربة من أذان الفجر مثلا – أن أغلب المارة بخطى ثابتة هن نساء يذهبن إلى العمل خياطات معامل أو مساعدات بيوت أو  فلاحات في الضيعات، أو عاملات نظافة، قبل أن تلتحق بهن طوابير النساء في الصباح الباكر: سكرتيرات أو مساعدات أو مدرّسات أو مديرات أو طبيبات أو موظفات أو مهندسات. ماضيات في طريقهن إلى كسب لقمة العيش الشريفة… تماما مثل أشقائهن الرجال… من منا ينتبه إلى أن عدد مخالفي قوانين السير هم من الرجال أضعاف أعدادهم من النساء، من منا ينتبه إلى أن أعداد المتلبسين في قضايا الرشوة هم من الرجال أضعافهم من النساء؟ من منا لم يلاحظ أن السباقين إلى إغاثة المريض ومواساته وزيارته ومرافقة شفائه هن نساء قبل كل شيء؟ من هو المعلم أو الاستاذ الذي لم يلاحظ أن أحسن النتائج هي من نصيب الفتيات في أغلب الحالات؟ من منا لم يلاحظ أن أغلب الواقفين على أبواب السجون من أجل مساندة ابن أو زوج أو أخ هن نساء أساسا، وحراس ومدراء السجون يعلمون ذلك… وعلى الرغم من أن مثل هذه الظواهر الاجتماعية ليست وليدة اليوم، حيث نجد المرأة في الصفوف الأمامية للكفاح من أجل الحياة بشرف، إلى جانب تحملها أعباء تنظيف وترتيب منازلنا في الغالب الأعم وطهي غذائنا وتربية أبنائنا وبناتنا والسهر على راحتنا، فقد أحسن الدستور فعلا – ولو بعد حين – حين أورد في العديد من فصوله التأكيد على مساهمة « كل المواطنات والمواطنين – على قدم المساواة – في الدفاع عن الوطن ووحدته الترابية تجاه أي عدوان أو تهديد (الفصل 38)، وعلى أن « على الجميع أن يتحمل، بصفة تضامنية، وبشكل يتناسب مع الوسائل التي يتوفرون عليها، التكاليف التي تتطلبها تنمية البلاد، وكذا تلك الناتجة عن الأعباء الناجمة عن الآفات والكوارث الطبيعية التي تصيب البلاد الفصل (الفصل 40). وقد أحسن الدستور فعلا ولو متأخرا حين نص على « تمتع الرجل والمرأة، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية (الفصل 19) وحين نص على أن « تسعى الدولة إلى تحقيق مبدإ المناصفة بين الرجال والنساء » مدققا أنه « تُحدث لهذه الغاية، هيئة للمناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز، في نفس الفصل. هذه التغيرات والتحولات لا تؤشر فقط إلى تحول في ظروف عيشنا وأدوار كل منا رجالا ونساء، بل إن بطء تفاعلنا الإيجابي معها بالاعتراف للمرأة بمكانتها كاملة في المجتمع وفي الاسرة على السواء مؤشر على تخلف تفكيرنا وعطل تعاطينا مع تحولات المجتمع.  وهذا ليس فقط ظاهرة ثقافية سلبية، بل هو أساسا كابح خطير لكل مشاريع التنمية الممكنة والمتصورة. والأدهى أن موضوع المساواة حين يطرح على بساط النقاش، مؤطَّرا بكل هذه التحولات في الحياة الواقعية للناس، فإنك تجد من يعترض عليه، هائجا باسم « صحيح » الدين والمعلوم منه « وجوباً »، محتجا بحجج تنتمي إلى غابر الأزمان، أكان بالطبيعة أو « بخصوصيات » المرأة أو بتأويلات نكوصية للمتن الديني أو بالتقاليد… وما شابه، وصاحبنا متربع على يقينه « الثابت المكين »، يردد « الحقائق » التي لا يأتيها الباطل، خاصة حين تطرح قضايا من مثل العنف أو تعدد الزوجات أو زواج القاصرة أو الإرث. وما هو دينٌ وما هو حقٌّ ولكن باطلٌ تظهره الحياة الواقعية كل يوم. يتكلس الفكر وتتنوع الذرائع وتنتصب الأفكار المهووسة وتتصدى العصبيات لكل اجتهاد يأخذ بعين الاعتبار التطور الحاصل في المجتمع ومتطلبات رفع الظلم وإقرار الإنصاف والعدل على كل أفراده نساء ورجالا. غير أن أخطر ما في الأمر هو أن يتفقـَّد المرء حكومتنا الموقرة فيجد أن آخر همومها هو تفعيل الدستور في هذه القضايا وعلى رأسها الفصل 19، دعك من تأويل الدستور تأويلا ديموقراطيا، فتلك قصة أخرى… إن الكفاح من أجل إرساء مساواة حقيقية يتطلب اليوم تجميع كل القوى وشحذ كل الإمكانات من أجل توفير القوة المجتمعية القادرة على فرض تطبيق الدستور في فصوله الخاصة بتحقيق المساواة والمناصفة. فكما كان لزاما على المجتمع أن يتعبأ من أجل تحقيق المراجعة الدستورية، لا زال عليه أن المزيد من التعبئة من أجل تحقيقها على أرض الواقع.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة