نقطة نظام

نقطة نظام

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم السبت 22 مارس 2014 م على الساعة 14:11

عندى ثلاث ملاحظات على العراك الحاصل الآن بين القياديين محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية ومحمد دحلان مسئول الأمن الوقائى السابق فى قطاع غزة. ورغم أنى لست معجبا بالاثنين، وأعلم كما يعلم كثيرون أن العراك بينهما له تاريخ، إلا أن الصدمة التى تلقيناها مما جرى بينهما أخيرا والظروف التى استجدت فى مشهد العراك، مما لا ينبغى تمريره أو تجاهله. وما كان لمثلى أن يعلق على الذى جرى إلا لأن الرجلين ينتسبان إلى قضية تشكل جزءا من وعى كل صاحب ضمير حى فى العالم العربى على الأقل، فضلا عن أن مصر أقحمت فى العراك على نحو يبعث على التساؤل والدهشة. الملاحظة الأولى تتعلق بمستوى العراك، الذى بدا هابطا وأقرب إلى الردح السياسى الذى يصدمنا ويثير دهشتنا. وأيا كان رأينا فى موضوعات الخلاف بينهما. فإن ما تبادلاه من اتهامات على الملأ كان مهينا للرجلين. إذ وجه كل طرف مطاعن إلى الآخر تجاوزت كل الحدود. إذ تبادلا الاتهام بالخيانة والعمالة والقتل والسرقة والتآمر. صحيح أنهما تقاذفا بشىء قريب من ذلك فى مناسبات أخرى وبشكل مخفف أحيانا، إلا أنها المرة الأولى فى التاريخ الفلسطينى الحديث، التى يلقى فيها أحد القياديين بذلك الكم من التهم دفعة واحدة فى وجه قيادى آخر. وفيما ظاهر فإن السيد محمود عباس انفجر غاضبا فى اجتماع للمجلس الثورى لحركة فتح عقد فى رام الله يوم 12 مارس الحالى، وفى حديثه فتح النار على صاحبنا مستعيدا وقائع وقصصا منسوبة إلى السيد دحلان وبعض رفاقه. وصل فيها إلى حد اتهام الرجل بالضلوع فى قتل بعض القيادات الفلسطينية، وقيامه بدور فى اغتيال الرئيس السابق ياسر عرفات، فما كان من الثانى إلا أن ظهر على شاشة إحدى القنوات الفضائية يوم الأحد 16 مارس، ورد عليه الاتهامات ذاتها، التى جرَّحت أبومازن وابنيه. فى القصف العنيف تبادل الرجلان أوصافا واتهامات لم تبق لأى منها على شىء من الكرامة أو الاحترام. من ثم خرجا من العراك، وقد تشوهت صورة كل منهما، ونشرا على الملأ حصيلة معتبرة من الغسيل القذر، حتى بدا كأن كلا منهما قرر أن يجهز على الآخر بحيث لا تقوم له بعد ذلك قائمة. الأمر الذى أهان حركة فتح ذاتها وكشف عن مستوى من الأداء السياسى مغرق فى الهبوط. وهو ما يسوغ لنا أن نسأل: إذا كان ذلك مستوى رجال الصف الأول، فما بالنا بمن دونهم من عناصر الصف الثانى أو الثالث أو الرابع؟ ناهيك عن أن المشهد علم الناس درسا لا ينسى فى «أدب» الحوار. الملاحظة أو الصدمة الثانية تمثلت فى أن القاهرة كانت المنصة التى استخدمها السيد محمد دحلان لرد الصاع لأبومازن. ورغم أن الرجل يقيم فى الإمارات وكان بإمكانه أن يطلق قذائفه من هناك إلا أنه اختار أن يفعلها من مصر، وكان ذلك اختيارا ماكرا استقوى به دحلان وحصد به عدة نقاط لصالحه فى منازلته لرئيس السلطة. من ناحية لأنه أعطى انطباعا بمساندة القاهرة له. بدليل أنها أفسحت له المجال لكى يستخدم أحد منابرها لكى يشن هجومه على أبومازن، ولن يصدق أحد أن القناة خاصة وأن حرية التعبير مكفولة، لأن الجميع يعرفون أن خطوة من ذلك القبيل لا يمكن لها أن تتم دون ترتيب وموافقة من جانب أجهزة السلطة فى مصر. ومن ناحية ثانية فإن الرجل حين تكلم من القاهرة فإنه خاطب جمهورا عريضا فى داخل مصر وخارجها وعمم عليه الفضيحة، فى حين أن أبومازن حين تحدث فى رام الله فإن الذين تلقوا رسالته كانوا عددا محدودا بصورة نسبية. وأزعم فى هذا الصدد أن كثيرين لم ينتبهوا إلى كلام أبومازن إلا حينما رد عليه دحلان من مصر. الملاحظة الثالثة أن إقحام القاهرة فى العراك وقيامها بدور المنصة لصالح السيد دحلان بدا سحبا من رصيدها، وهو ما كانت مصر فى غنى عنه. ذلك أن هذا الموقف أعطى انطباعا باصطفاف نظامها إلى جانبه فى صراعه مع أبومازن. ناهيك عن أن الرجل ـ دحلان ـ له سجله الحافل بالشكوك والشبهات فى الإدراك الفلسطينى وفى أوساط المهتمين بالقضية فى العالم العربى، وهؤلاء يرون فى العلاقات الخاصة والممتدة التى تربطة بالإسرائيليين نقطة فى غير صالحه. وإذ أشار فى حديثه الذى بثته القناة المصرية إلى علاقاته القديمة مع قادة النظام القائم فى مصر. وكونه قدم خدمات لهم ــ وصفها بأنها واجبات ــ فإن ذلك استدعى سيلا من الأسئلة حول حقيقة ما ادعاه وطبيعة تلك الخدمات. علما بأنه استثمر اتصالاته وعلاقاته كمسئول أمنى سابق فى تنشيط حركة الثورة المضادة من خلال منابر عدة فى داخل العالم العربى وخارجه. وإلى جانب هذا كله وذاك، فإن وجوده فى القاهرة فى ظروف اشتباكها الراهن مع حركة حماس فى غزة ــ وهو خصمها اللدود الذى أفقدته سلطاته بالقطاع ــ يفسر باعتباره تصعيدا مصريا واحتشادا لما هو آت. خصوصا أن بعض أتباعه من عناصر الأمن الوقائى لا يزالون موجودين فى العريش ورفح. وهؤلاء ليسوا سياحا بطبيعة الحال. وهؤلاء يؤدون وظائف أو يعدون لها. إن المشهد برمته يضيف فصلا جديدا إلى سجل الدهشة الذى يشيع البلبلة بين الناس ويفتح الأبواب واسعة لإساءة الظن واهتزاز الثقة فى الحاضر والمستقبل. ذلك أنه إذا كان الناس يعرفون بأصدقائهم وحلفائهم، فإننا تمنينا فى المشهد الذى نحن بصدده أن تصادق مصر من يضيف إليها ولا ينتقص من قدرها.    

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة