«إحنا دافنينه سوا»

«إحنا دافنينه سوا»

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الأربعاء 26 مارس 2014 م على الساعة 17:55

تحمل السير الشعبية حكمة الشعوب وخبراتها المختزنة فى ضميرها، والسير الشعبية المصرية غنية بالحكايات والنوادر التى تدل على عمق خبرة هذا الشعب وحكمته، وقد تحار الألباب فى فهم طبيعة هذا الشعب الصامت على طواغيته معظم التاريخ، فيظن الرائى أن شعب مصر يلين فى موضع يجب أن يشتد فيه، ولكن خبراته هذه أتاحت له فرصة أن يقاوم من لا يستطيع مقاومته عن طريق ابتلاعه، فإذا لم يستطع ابتلاعه لفظه. وخذها منى حكمة «إنك لا تستطيع أن ترى الشعوب إلا من خلال سيرها الشعبية وأمثالها»، فهى تحتوى على ملخص وافٍ لعلم نفس الشعوب والجماعات، فماذا عن الشعب المصرى؟ هذا الشعب ينتظر ويرتقب، ويدوِّن فى ذاكرته، فإذا ما وثق فى أحد رفعه فى السماء، وإذا أدرك أنه كان يخدعه خسف به الأرض، ومن أمثاله العجيبة المثل القائل «إحنا دافنينه سوا»، ولهذا المثل قصة عمرها مئات السنين، تروى بشكل واحد مع اختلاف بعض التفصيلات.   أما القصة التى عرفتها نقلاً عن الآباء والأجداد فهى أنه (كان هناك محتالان من عتاة النصابين والحرامية، واحد منهما اسمه نائل اللئيم، والثانى اسمه عطية أبوالمفاهيم، ضج الناس من أفعالهما اللئيمة، وخصالهما الذميمة، ولما كان أمرهما قد ذاع واشتهر، والتحذير منهما فى كل مكان قد انتشر، فقد وجدا أنه لا مفر من الهرب، فسرقا حماراً وحفنة من الذهب، وخرجا من المدينة فى الليل البهيم، وحملهما الحمار إلى قرية بعيدة، اسمها قرية البرسيم، كان أهل هذه القرية من أطيب الناس خلقاً، وأكثرهم تديناً، وعلى أعتاب القرية نفق الحمار، فقد أهلكاه فى المسير دون طعام أو شراب، حزن اللصان حزنا شديدا، فقد كان لهما هذا الحمار سندا وقيمة، فكرا فى تركه والسير على الأقدام، ولكن برق لنائل اللئيم بارق، وخطر فى عقله خاطر، فقال لصاحبه عطية: لقد صبر معنا هذا الحمار أميالا كثيرة، وحملنا دون شكوى أو اعتراض، ومن حقه علينا أن ندفنه هنا، فقال عطية: ولم نكلف أنفسنا المشقة؟ رد نائل: هذا حقه، لقد كان هذا الحمار صابرا معنا، فهو أبوالصبر، وعندما سندفنه هنا، سندبر أمراً يجعلنا فى ثراء وغنى، وقد نحكم هذه القرية فى الحال أو فى الاستقبال، ثم همس فى أذن صاحبه بكلمات وهمهمة، فانفرجت أساريره، وأخذ الصاحبان يحفران الأرض بهمة عالية، ثم دفنا الحمار فى الحفرة العميقة، وأقاما على الحفرة سورا من طوب الطين، وبعد أن انتهيا من الدفن، سمعا من بعيد أصواتاً آتية، فجلسا يبكيان ويقولان «لا إله إلا الله، أبو الصبر حبيب الله»، اقترب الناس منهما وقالوا لهما: ما هذا، ومن أنتما؟ وماذا تفعلان؟ قال اللص نائل اللئيم وهو يبكى، نحن من أتباع الشيخ أبوالصبر، وهو من أولياء الله، وقد كانت له كرامات وكرامات، يشفى المريض، ويزوج العانس، وقد مات هذا الصباح، وكان قد أوصانا أن ندفنه فى هذا البلد، وقال لنا إنها قرية الخير والمدد، وأهلها من أهل الجنة.   صدق الناس الطيبون قصة المحتالين، وقالوا لهما: سنبنى معكما مقاماً يليق بالشيخ أبوالصبر. وبالفعل تم بناء المقام، ثم اتسع البناء وأصبح مسجدا والمقام فى أوسطه، وحوله سور جديد من حديد، وعندما كان أهل القرى المجاورة يأتون لهذه القرية فيسألونهم عن هذا المقام الذى له قبة عالية، فكان أهل القرية يقولون لهم: «تحت القبة شيخ» فذهبت مثلا، وجاء الرزق الحرام يسعى للصاحبين، فهذه نذور، وتلك صدقات، وأخرى هبات لفك السحر والأعمال، وزواج العانسات، وشفاء المرضى، وبين ليلة وضحاها أصبحت بركة القرية فى هذا القبر، وزاد مال اللصين بلا حصر، وأصبحت لهما هيمنة على شؤون القرية، وعلى العمدة والأعيان والخفراء والأغنياء والفقراء، بحيث أصبح القرار قرارهما، والقول قولهما، ومن أجل إحكام السيطرة ارتديا ثياب الدراويش، وأصبحا لا يسيران فى القرية إلا وهما يرتديان أثمالا بالية، دليلا على الزهد والتنسك، وأمام الناس كانا لا يفتر ثغرهما عن ذكر الله، والحديث عن كرامات الشيخ الولى أبوالصبر، وفى يوم من الأيام قال نائل اللئيم لصاحبه عطية أبوالمفاهيم: سأتركك بضعة أسابيع، وأسافر إلى أهالينا، لأعطيهم ما يكفيهم من المال، وسأودع عندهم صكوك الأراضى التى اشتريناها من القرى الأخرى، وغاب المسافر أكثر من شهر، ثم عاد من مهمته وقد ظهرت النعمة عليه من تورد وجهه، وزيادة وزنه، فسأل صاحبه: كم أتى لنا من المال فى غيابى؟ قال عطية أبوالمفاهيم: لم يدخل لنا دانق ولا خردلة، فبحلق فيه صاحبه غير مصدق، وهم أن يبطش به، فناح عطية وهو يقول: أقسم لك على صحة كلامى بحياة سيدى الولى أبوالصبر، فرد عليه نائل اللئيم، وقد نفد منه الصبر، سيدى أبوالصبر! «إحنا دافنينه سوا»، فذهبت هذه العبارة مثلًا، فهل لكم فى هذا القصة عبرة؟

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة