مسيرة سياسية

مسيرة سياسية

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الخميس 10 أبريل 2014 م على الساعة 13:12

«الكل سياسة دعوة صادقة خادعة. قائمة في كل الأحوال، لكن بنتائج متناقضة، في ظل الأمية، السياسة طاغية ومنحطة. في ظل النظام الديمقراطي، مجالها ضيق وقيمتها عالية< عبدالله العروي»من ديوان السياسة» ص 154. ».         إنها مسيرة سياسية!.   بهذه الكثافة والسهولة، فضلت أصوات من داخل الحكومة والأغلبية النيابية، أن تعلق على قرار المسيرة الوطنية الاحتجاجية التي نظمت، أمسا، بالدارالبيضاء، بدعوة مشتركة من طرف الاتحاد المغربي للشغل، والكونفدرالية الديمقراطية للشغل، والفدرالية الديمقراطية للشغل.   عبقرية الجواب القطعي لا تذهب أبعد من هذه الجملة الصغيرة السحرية، لتفسر لنا الوجه السياسي في هذا الاحتجاج النقابي، ولتوضح لنا أرضية المشترك السياسي في تقدير المرحلة بين كل الأطياف والحساسيات العاملة في النقابات الثلاث  والموزعة بين اليمين واليسار ويسار اليسار والمستقلين.   تريد الحكومة أن تقول لنا إن كل من يحتج على قراراتها وسياساتها، محكوم بخلفية سياسية، وإن النقابة والملفات الاجتماعية والكرامة والعدالة الاجتماعية، مجرد حجج واهية لتغطية قرار سياسي مركزي جاهز، مؤداه التشويش على منجزاتها.   علينا نحن فيما بعد، أن نكتشف أين وكيف تم تبني هذا القرار، وكيف حظي بإجماع قادة الاتحاد المغربي للشغل، وبتوافق رفاق الأموي والأصدقاء في الفدرالية.      إنه إضراب سياسي!.   لنتذكر- آسفين- قليلا من التاريخ: فهذا بالضبط ما كانت حكومات سنوات الرصاص، تصف به كل الإضرابات القطاعية والعامة، التي كانت تدعو إليها مكونات الحركة النقابية الديمقراطية. ولنعترف أن عبقرية حكومة الربيع العربي وصناديق الاقتراع ودستور 2011، وهي تصف مسيرة النقابات الثلاث بالسياسية، مجرد وجبة «بائتة»، مجرد استعارة غير موفقة من زمن التحكم والسلطوية.   ومع ذلك، فثمة مفارقة من الحجم الكبير؛ لم يكن غريبا أن تعتبر حكومات التكنوقراط احتجاج التلاميذ، وروايات الأدباء، وتعليقات الصحافة، وإضرابات النقابات: سياسة، فهي تنطلق من تخوفها المرضي من السياسة ومن تعريفها التكنوقراطي البسيط لها: كاستنفار للرعاع، كدعوة إلى الفوضى وكمرادف للشغب، أو كمضيعة للوقت في أحسن الحالات. وجه الغرابة إذن، أن يأتي هذا التوصيف من حكومة سياسية.   تقول النقابات إن المسيرة دفاعٌ مستحقٌ عن القدرة الشرائية والكرامة والحرية والعدالة الجتماعية. وتقول الحكومة إن المسيرة سياسية. وتقول الوقائع إن الحكومة تبنت برنامجاً من السياسات اللا شعبية وتماطلت في تنفيذ الالتزامات الاجتماعية الموقعة مع شركائها، وعطّلت الحوار مع النقابات، وأجّجت مظاهر الاحتقان. ويقول التاريخ إن الاتجاه العام للعلاقة المعقدة بين النقابي والسياسي هو تعزيز استقلالية الحقل النقابي.   لقد نشأت «النقابية» المغربية داخل معطف الوطنية، مما جعل السوسيولوجيا الكولونيالية تتحدث عن نقابة العرق عوضا عن نقابة الطبقة، في توصيفها للحركة النقابية المغربية، التي لم تبرز كاستجابة تاريخية طبيعية لصيرورة التصنيع والاقتصاد الرأسمالي الوطني، بقدر ما ولدت في قلب صدمة نمط «الإنتاج الاستعماري»، وهذا ما جعل الحركة النقابية ـ موضوعيا- مرتبطة بالحركة الوطنية وبالمقاومة فيما بعد. وجاء الاستقلال، فأسهم الشرط السياسي العام، في تأجيج الصراع بين مقاربة  لتوطيد الحركة النقابية بالمشروع السياسي لليسار وللحركة الديمقراطية، وبين مقاربة لعزل العمل النقابي عن الإكراهات الحزبية والسياسية.   اليوم، وبعيداً عن هذا الجدل الذي طبع تاريخنا السياسي الحديث، وحتى عن التقديرات الذاتية للفاعلين، أدت صيرورة الدمقرطة التدريجية للنظام السياسي المغربي، موضوعياً، إلى انطلاق صيرورة تكسير هيمنة «السياسي»، وإلى المزيد من ترسيم الحدود بين الممارسة السياسية والممارسة النقابية، هذه الأخيرة التي أصبحت شيئا فشيئا تجد نفسها في مواجهة أسئلتها الاجتماعية وزمنها الخاص دون أن تكون مضطرة إلى ملائمة هذا الزمن مع زمن المسارات السياسية للقوى الحزبية المُقربة منها، أو إلى إعادة إنتاج أسئلة «السياسي» بلبوس نقابية.   ضمن هذا التحليل، يبدو وصف الحكومة لمسيرة أمس، بكونها مسيرة سياسية، مجرد استعادة لخطاباتها حول الشياطين والعفاريت والمشوشين، لكن مع نقص فادح هذه المرة في «الخيال».

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة