التظاهر غير المرخص له في المسيرة المرخص لها

التظاهر غير المرخص له في المسيرة المرخص لها

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الخميس 17 أبريل 2014 م على الساعة 23:06

عاد الزعماء الخالدون سالمين إلى إقاماتهم الفاخرة، رجع العمال الفقراء متعبين إلى الأكواخ، بثت نشرات المساء صورا ملونة عن المسيرة الحاشدة    وأطنب المحللون في ديباجة مديح يليق ببلد الحريات النقابية؛ وحدهم الحالمون من الشباب بوطن حر من ناموا تلك الليلة السادسة من شهر الكذب في زنازن باردة..   ككذبة أبريل، يبدو أن شعار حرية التعبير والحق في التظاهر، لم يكن إلا مزحة دستورية ثقيلة الدم انتهت الحاجة إليها بعد مرور الربيع ..انتهى الفاصل الإشهاري القصير لدستور الحريات، وبدأ مسلسل القمع والاعتقال، وعُدنا إلى عاداتنا القديمة وكأن شيئا لم يكن..   كل شيء كان عاديا ذاك الصباح الربيعي الحار ليوم ستة أبريل، كل شيء معد كما اتفق لتمر المسيرة العمالية بسلام ولتُعبِّر الحشود الغاضبة عن استيائها من السياسات الاقتصادية والاجتماعية للحكومة، فقط الحكومة، وباقي المسؤولين خط أحمر، هكذا كان الاتفاق..    الجميع لبى نداء التظاهر للنقابات الثلاث والأكثر تمثيلية، شباب حركة 20 فبراير كانوا هناك أيضا ككل أطياف الشعب، كانوا حضاريين ومهذبين ورددوا شعاراتهم المألوفة وساروا مع الحشود تحت الشمس الحارقة.. فجأة، وجدوا أنفسهم في الظل، داخل مخفر للشرطة معتقلين بتهم من صنع الخيال. وبقية الحكاية تعرفونها، تسعة من الشباب لازالوا معتقلين، واثنان في حالة سراح، ومن بين التهم المتابعين بها، التظاهر غير المرخص له في مسيرة مرخص لها !   كم هم مزعجون هؤلاء الشباب بصدقهم ! كم هم مخيفون ولو كانوا بضع عشرات غير مرئيين وسط آلاف المتظاهرين.. فمن بين السيول البشرية الجارفة لمسيرة 6 أبريل، لم يثر نظر رجال الأمن إلا مشهد شباب  معدودين في عمر الزهور يحملون علم حركة 20 فبراير ..     ووسط صخب الأصوات العالية المنددة بسياسات الحكومة، لم يلتقط السمعُ المرهف للساهرين على النظام سوى بضع شعارات منخفضة الصوت تطالب بالكرامة والمساواة..    وفي زحمة لافتات الغضب الصقيلة واللامعة لتمثيليات النقابات العمالية، لم يزعج نظر المراقبين الأمنيين إلا بضع لافتات صغيرة بخط اليد تطالب بعدالة للجميع، وبإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وبتوزيع عادل للثروة.   يبدو أن نشطاء حركة 20 فبراير غير مرغوب فيهم داخل أعراس المسيرات المرخص لها والمرغوب فيها، فشعاراتهم المناهضة للاستبداد تغرد دائما خارج موازين الجوقة وسياق النص المكتوب سلفا، أحلامهم مُعْدية للحشود وتبطل مفعول المُنوِّم، عَلَمهم الأسود المطرز بالبياض عدميٌّ وفوضوي، ورأس حركتهم مطلوب حيا أو ميتا..     من قال إن حركة 20 فبراير ماتت؟.. يبدو أن جمرها لازال حارقا ولو تحت الرماد، وصوتها لازال مزعجا ولو صدح منفردا وسط صخب الحشود، وأجهزة الرصد لازالت تلتقط إشاراتها ولو كانت شبحا أو طيفا متنكرا وسط مسيرات الآخرين ..   كلُّ الآخرين عادوا سالمين ذلك اليوم إلى بيوتهم بعد أن عبَّروا بحرية وجرأة عن انتقادهم الحاد لسياسات الحكومة، كل الآخرين من كل الأطياف يرجعون بلا أذى من مسيراتهم المطالبة برحيل رئيس الحكومة، وحدهم المطالبين بفصل واضح للسلط وبديمقراطية حقيقية من يشكلون خطرا على أمن الوطن..    يبدو أن صدر الوطن يضيق فقط، حين يتعلق الأمر بانتقاد الاستبداد، لا أدري لماذا يصير رحبا وحريصا على ضمان حرية التعبير حين تُرفع سيوف النقد ضد المنبوذين والخارجين عن الإجماع والدمى السياسية المتحركة.  

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة