أن نختار الديمقراطية هو أن نحب الحياة | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

أن نختار الديمقراطية هو أن نحب الحياة

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الإثنين 12 مايو 2014 م على الساعة 17:22

أن نختار الديمقراطية هو إقرار بأننا موجودون فعلا لا وهما. بأننا نحمل الحياة والوعي والإدراك والعزيمة. وأن حاجات يجب أن تتوفر لنا سواسية بالضرورة من أجل أن نحيا. نحتاج سد الرمق كمأكل ونحتاج ما يكفينا الحر والبرد كملبس ونحتاج ما يحمينا من الريح والأنواء كسقف ومنزل.   ثم نحتاج أن نعرف وأن نعلم ونحتاج أن نجرب قدرتنا على صنع الأدوات لنستعملها في تطويع الأشياء التي تستعصي من العناصر حولنا، مما لا تستطيع يدانا أن تطوعه.نتطلع إلى العصفور الطائر وإلى الوردة المتفتحة وإلى السيل المنهمر وإلى الشمس والقمر وننبهر من الوجود المحيط بنا…ثم نتعلم شيئا فشيئا أن العمل ينفعنا وأن المعرفة تجعلنا أكثر وعيا وتأثيرا وأن الجمال في كل صوره يستهوينا.   نفهم بالحدس ثم بالعلم والمعرفة أن حياتنا لا يمكن أن تقتصر على الضروري الساذج من الأشياء، نفهم بالسليقة أننا لا يمكن أن نعيش كبشر إلا مع بعضنا البعض، كل هذا ونحن نرفع رأسنا إلى فوق لنرى وجوه بعضنا ونتأكد أن علينا أن نعيش معا على هذه الأرض.نحتاج عندها القانون والمؤسسات لنضمن حدا أدنى من التعايش بيننا ومن العدل ما استطعنا إلى ذلك سبيلا. لكن ذلك وحده لا يكفي. إذ المؤسسات والقوانين لا تعني قيام الديمقراطية بالضرورة.   إننا نحتاج الديمقراطية لأننا نحب الحياة ولا نريد أن يكون مرورنا على وجه البسيطة مسلسلا من المعاناة تحت الظلم أو التمييز أو الاستغلال أو العوز.نحتاج الديمقراطية لأننا نحب الحياة ليس بمعناها الأولي ولو أنه معبر أول، بل نحبها بكل معاني الرغبة في تجاوز الشرط القائم والولوج إلى المستحيل الممكن.نحب الديمقراطية لأننا نتوق إلى إبداع الجمال في كل صوره.   تحتوينا الحياة – إذاك – ونحتويها.   لأن الديمقراطية هي احتفال بالفرد. هي إقرار بمساواته بأبناء جلدته من البشر. هي إقرار بحقه في اتخاذ القرار بينه وبين ضميره، احتفال بقدراته وترقب حقيقي لنتائج هذا القرار. هي اعتراف بأن مركز قرار الفرد هو الفرد نفسه لا قوة قاهرة مضطهدة، أكانت متعالية أم محايثة. هو إقرار لهذا الإنسان الفرد بالحق في السعادة هنا والآن، حق ليس مؤجلا لغياهب المجهول، حقه في الاستمتاع بما يحيط به في الماديات كما الروحيات، وبواجبه في التضامن تجاه أشباهه من البشر على اختلاف أديانهم وعقائدهم وأجناسهم وألوانهم ومستواهم الاجتماعي، وعلى تعدد لحظات وجودهم على الأرض، أعاشوا بالأمس أم كانوا الآن بيننا، أم ممن سيعمرون الأرض غدا.   الديمقراطية هي الإقرار بأن التاريخ هو من صنع الإنسان بكل المعاني. لا ينقصه إلا الوعي بهذه القدرة من أجل المساهمة في صنعه جماعات وأفرادا.الديمقراطية هي إذن ثقافة أصلا. عليها تنبني أو ينبغي أن تنبني الحضارات.لن تستقيم الحضارة في معناها الإنساني الأعمق إلا بالإقرار بهذه المبادئ على صعوبة الانصياع لها اليوم.بكل مضامين هذه الثقافة نكافح من أجل الديمقراطية. ولذلك لا تنقطع الديمقراطية عن الثقافة.   قد تنقطع عنها بالنسبة لمن لا يرون في الديمقراطية إلا أداة لفصل الحاكمين عن المحكومين. لا يرون في الديمقراطية إلا « الصندوق » الذي يضفي اليوم المشروعية على الحاكم.ونحن نرى عكس هذا الأمر: الإنسان هو الأصل في كل قرار وفي كل مشروع، ولا نرى في الحكم إلا أداة لبلوغ ذلك.لذلك نربط بين الديمقراطية والثقافة بشكل لا ينقطع.   مشكلة الديمقراطية اليوم، وربما في ذلك حلها، هو أنها لن تقبل التجزيء ولن تقبل الاقتصار على بلد دون آخر.ولن تقبل أن تقتصر نتائجها على حقوق الأغلبية دون حماية الأقلية.وإذن لكي يكون اليوم للديمقراطية معنى، لا بد من ضمان ولوج الثقافة من طرف الجميع، بمعنى أن نبني دور الثقافة بنفس خرسانة منازلنا، أن نفسح لأطفالنا ويافعينا دور الطفولة والشباب والمؤطرين من كل الفنون والمعارف في نفس اللحظة التي نقرر فيها في ثمن الكازوال أو نحدد ثمن الموز،   لكي يكون للديمقراطية معنى لا بد من أن تفتح أبواب دور السينما ويشجع الإبداع،   لكي يكون للديمقراطية معنى لا بد من وجود جناح للكتب في كل بيت، وقاعة للسينما في كل زقاق، ودار للثقافة في كل حي،   لكي يكون للثقافة أثر اليوم لا بد أن يكون تعليمنا احتفالا مستمرا بالإنسان ومركزيته في الوجود وجدارته بالسعادة وحقه في الحرية،   لكي يكون للثقافة معنى اليوم لا بد أن نصل إلى وضع نوزع فيه الجريدة مع حليب الصباح،   والمجلة مع قهوة العشي، ونجلس مساء إلى الحوار التلفزي الرصين ينشطه صحفيون متمكنون ويستضيف مثقفين جريئين على الحياة والبساطة والعمق،   لا بد من وجود المتحف الذي يدل على الذاكرة المشتركة ويضع الناس في سياقاتهم كلها، ظاهرها وباطنها،   لذلك لا بد من المضي إلى عدالة ثقافية مثلما نحلم بعدالة اجتماعية،   لا بد من ولوج آخر مواطن في آخر نقطة من جغرافيتنا إلى المادة الثقافية التي يرتضيها،   نحتاج الثقافة لتدلنا على أن أننا أبناء جنس واحد على هذه الأرض، لا فضل لأحد على الآخرين إلا بمدى اقترابه من عمق الإنسان فيه، وانسجام فعله مع ذلك ما استطاع إلى ذلك سبيلا،   لذلك لا بد للديمقراطية من الثقافة وإلا أصبحت صناديق صماء مغلقة،   ولا بد للثقافة من الديمقراطية لأن لا ثقافة بدون أذرع توصلها إلى الناس،   نحتاج الثقافة لأننا بحاجة إلى الاختلاف وإلى احترام الاختلاف كي نعيش نصيبنا من الحياة بلا غصة الشعور بالاضطهاد، لأي سبب كان،   نحتاج الثقافة لأننا قد نحتاج المصالحة في لحظة من لحظات التاريخ لأنها السبيل الوحيد للاستمرار في الوجود المشترك،   ونحتاج الديمقراطية – بكل هذه المعاني – لنضمن لكل واحد منا الولوج المنصف للمعرفة والقرار والثروة والكرامة،   نحتاج إلى الديمقراطية كي لا يكمم حاكم فم الصحافة،   نحتاج الديمقراطية كي لا يفرض علينا حاكم طريقة اللباس وتسريحة الشعر وبأي قدم نلج المرحاض وبأية كلمة نستقبل الكلام،   نحتاج الديمقراطية لنضمن لكل حقه في الاعتقاد كما أراد وليبني مع الخالق العلاقة التي يرتضيها، يكفينا منه احترامه للقانون والتزامه به، لا أكثر ولا أقل،   نحتاج الديمقراطية – بكل هذه المعاني – لكي لا يستعبدنا أحد بمبرر قربه من الله أكثر منا نحن أبناء السبيل،   نحتاج الديمقراطية لكي نقرر جميعا أن الجدارة ليست عبداً لا لدين من الأديان ولا لسلالة من السلالات ولا لموقع من المواقع ولا لثروة مهما امتد مداها،   نحتاج الديمقراطية لأننا نحب الإنسان فينا وفي الآخرين ونعتبره جديرا بالحياة والسعادة بكل بساطة…   ثقافة الديمقراطية وديمقراطية الثقافة ذاك هو السبيل ولا سبيل سواه.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة