الشذوذ الإسلاموي وشهداء الأنوار | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

الشذوذ الإسلاموي وشهداء الأنوار

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الجمعة 23 مايو 2014 م على الساعة 9:14

لا أجهل أن هناك من يعتقد بأن التاريخ لا يصنع حينما و حيثما قد يعيش الإنسان، و لا أجهل أن هناك من لا زال يعتقد أن الأحداث و الوقائع يسيطر عليها القضاء و القدر، و لا أجهل – كذالك – أن هناك ( و نحن في القرن الواحد و العشرين) من يعتقد أن الحقيقة مطلقة و من الممكن التصرف فيها من أجل المنفعة الخاصة، أو تملكها انطلاقا من شرعية ما.   لقد ركز مفكرو و فلاسفة القرن الثامن عشر، على فكرة الإنسان الطبيعي المتوحش و الطيب، في مقابل الإنسان المتمدن و الفاسد، و إعتبرت أنثروبولوجيا القرن التاسع عشر، هذه الإجتهادات مجرد إفتراضات فلسفية و أخلاقية لا قيمة علمية لها، و زاد إهتمامها في ما بعد، بالبناء الإجتماعي لأي جماعة أو مجتمع، بما يحويه هذا البناء من علاقات و تنمظيمات إجتماعية و سياسية و عقائدية و عشائرية و طائفية و سحر و دين.   كما جرى القول لدى المؤرخون، بأن التاريخ لا وجود له إلا حيث تتوافر لدينا من السجلات المكتوبة المتماسكة و المخلفات الأثرية ما يكفي لتكوين نمط زمني يمكن تفسيره.   و من نافل القول أن تباين الرؤى و المواقف حول الحقيقة الغائبة (كما يقول فرج فودة) إنطلاقا من الجهد الفكري و التحليلي، دفع علماء الأنثروبولوجيا إلى الإهتمام بنفس المشكلات القيمية التي يواجهها عالم الإجتماع، حيث أن عملية النمو الإّقتصادي و التغير الإجتماعي هذه،باتت موضوعا مشتركا.   و نظرا لوجود مؤشرات تخص حالات متناظمة سواء من جهة التاريخ الإجتماعي أو قضايا الهجرة و الحركات الإجتماعية، أو من جهة السوسيولوجية التاريخية ( التقليد الألماني و الأمريكي) الموجهة نحو الأسئلة السياسية، كتلك المتعلقة بالتاريخ الثقافي من خلال طرح أسئلة جديدة حول الدين و الرأي؛ ظهرت و جوه فكرية بارزة مثل لوسيان لوفيبر و جيرار نوارييل وآخرون، تنادي بتقريب حقول البحث و خلق شروط « التحالف » بين التاريخ و السوسيولوجيا. ومن جانب علماء الإجتماع، نظر بيير بورديو – هو الآخر – لموضوع وحدة التاريخ و الإثنولوجيا و السوسيولوجيا و كذلك الإقتصاد، بنظرة غير سلبية معتبرا السوسيولوجيا علم المجتمع بامتياز.   و إذا كانت الأبحاث الأكاديمية الأنثروبولوجية تركزت على التنظيمات الإجتماعية و مكوناتها و أنظمة السلطة و الأنشطة الدينية و الفنية و الثقافية، و نشأت عنها مقاربات مختلفة تناولت النظام الثقافي-الإجتماعي للمجتمعات، فإن الحاجة الإجتماعية إلى الدين و القيم و تحقيق حاجيات عملية، هي أمور صارت اليوم متصلة بتطور حياة كل أصناف الجنس البشري.   طبعا، ليست كل مقاربة للواقع محايدة، فكل تحليل يجيب في العمق عن نظرة معينة للكون و عن إختيار إيديولوجي، و هو بالتلي التزام واع أو غير واع للباحث. لقد إستحظر ماكس فيبر آثار البروتستانتينية و الكالفينية في تطور النظام الرأسمالي، كما سعى إلى استعاب الوقائع المجتمعية من خلال مختلف دوافعها و حوافزها، معتبرا « السلعة الرمزية » مفهوم دال على الطقوس و الأديان و الأساطير. و الفاعلون في الحقل الديني هم من يبيعون مفاتيح الجنة. كما أن « السلعة المادية » ذات العلاقة بأسواق البضائع مصدرها فاعلون في الحقل الإقتصادي يبيعونها مقابل قيمة نقدية. و كلاهما، يقول فيبر، محكومان بمنطق الربح، و أن القيمة النقدية في السوق الإّقتصادية تماثلها الجنة في السوق الدينية.   فبقدر ما صارت السوسيولوجيا علما للمكان الإجتماعي في مسارات تطوره و تغيره و تحضره، صارت الأديان من أهدافها، و صارت (السوسيولوجيا) لها الأهلية و العناصر اللازمة لتحليل المجتمعات التي تجعل الديني فوق الدنيوي. و هنا تجدر الإشارة الى ضرورة الإنفتاح الشامل و الواسع على كل حقول المعرفة لكي لا يبقى موضوع الدين غامضا، مبهما و حكرا على من يمارسونه و يحتكرونه و يحترفونه من أجل الركوب عليه و توظيفه في المرجعيات السياسية المشوهة و المشبوهة.   إنه من اللغو الباطل إتهام الحداثيين بإتهامات رخيصة تستنجد بالعنف الرمزي و المادي و بالتخلف و العصبية، بدلا من تشجيع طلاب الجامعات على المناهج العلمية و الإستفادة من التحاليل و الدراسات التي أوصلت مجتمعات حديثة و معاصرة الى قمة الهرم.   إن تهميش دور الجامعة و تغييب تحليل و دراسة ما يحدث في المجتمع، و ترك الظواهر الدينية في الظلية أو الظلامية، هو رجوع إلى الوراء و شذوذ مرضي مخالف القياس. فلتحقيق هذه « اللذة » (الرجوع إلى الوراء) يتم اللجوء إلى إستخدام المكر و الكذب و العنف و القوة، بل يتم التطلع إلى ممارسة و ظيفة الهيمنة كوظيفة إيديولوجية إسلاموية من نوع خاص، تضمن  » علاقة الرضا » بين تياراتها الإسلاموية و السلطة.   إن الوزارة الوصية على الجامعة المغربية، باتت اليوم عبارة عن إدارة إصطناعية و ليس لها نموذج فاتن، و أنشطة جديدة تحث و تشجع على منافع العلوم الإجتماعية و على الإنفتاح و الإرادة التطوعية و التشاركية، لجعل الأنوار في قلب المشروع الجامعي العصري المواطن و لتكريم المتنورين و ليس العكس. يحصل هذا، في زمن لم تعد فيه الأضرحة بديلا عن مستشفيات الأمراض العقلية، و أصبح المغاربة يبحثون عن إجابات لأسئلتهم.   و من جهة أخرى، و رغم ما حققته العلوم الإجتماعية من ثورات و من هزات في العديد من الجزر المغمورة، لا زال الاستخفاف بدور القوى و الفاعلين الداعين للتغييرعن طريق التهجم على الحداثيين ببغض و كراهية و عدوانية، و لا زال من يقف على الرصيف يحارب المؤمنين بالأنوار داخل الجامعة من خلال تغييب ما يحدث في المجتمع. بل يتم الدفاع علانية، من خلال المؤسسات و المنابر الإعلامية العمومية منها و المستقلة، على تيارات إسلاموية شاذة للإجهاز على ما حققته الجامعة المغربية من تراكمات علمية و معرفية.   إننا لا نجهل ما للدم من أهمية بالنسبة للمتوحش، و واعون كل الوعي بما تمارسه الجماعات الإسلاموية داخل الحقل الطلابي كحلقة ضعيفة تلجأ إليها هذه الجماعات للإستمرار من أجل جر الجامعة لصنف المنادين بالدولة الإسلامية إنطلاقا من الحكم الإلهي في مقابل الحكم البشري، و صلاحية أحكام الشريعة لكل زمان و مكان.   لقد علمنا التاريخ، أن عصور »اليقين » ( كما يقول د. فؤاد زكريا) في حياة البشر، كانت هي عصور الإنحطاط، و على العكس من ذلك كانت عصور الشك و التساؤل هي عصور التقدم و النهضة و الوثبات الكبرى إلى الأمام.   إن شحن طلاب العلم باليقين الكامل و بالإجابات الجاهزة و إبعادهم عن دائرة التساؤل و النقد و التسامح و العقل و العلم الإنساني و تسفيه النظريات العلمية، يعد شذوذ حقيقي و هجوم و تحريض على العقل البشري، و هذه إحدى خصائص التيارات الإسلاموية.   و لا جدال في كون التجارب السابقة للتيارات الإسلاموية، شكلت رافدا من روافد العنف و مطاردة الأنوار و المتنورين و استبعاد و إدانة الممانعين و هدم التراث النضالي التقدمي الذي راكمته الجماهير الطلابية المغربية في صيرورة تراكماتها و تفاعلها مع القضايا المجتمعية الكبرى.   إن هذا المنظور في التعامل مع الجامعة المغربية يشكل اليوم خطر حقيقي يهدد المجتمع برمته بالتطرف و بالانحطاط و الاستبداد الجديد. لقد عانت السوسيلوجيا المغربية معانات حقيقية و تمت محاصرتها في العديد من المناسبات، ما جعل المغاربة و حتى المناضلين و المتعلمين منهم، لا يملكون إلا معطيات أولية حول تاريخهم. و الدليل على ذلك، العجز الجماعي في محاولة فهم إستمرارية عيش القبائل الأمازيغية بهويتها الشخصية و بتنظيماتها الاجتماعية و بعاداتها و تقاليدها السابقة على الإسلام. و هذه فقط حالة من مختلف الحالات الإجتماعية. فالجامعة المغربية اليوم – من خلال المتنورين و من أجل المستقبل – بات عليها لزاما فتح مجالات بحث و دراسة الحالة التي كان يوجد فيها المغرب عند وصول الإسلام، حتى يعلم هواة الشذوذ الإسلاموي مثلا، أن في العديد من مناطق المغرب كان الإسلام شكليا و لم يكن متأصلا أو متجدرا، و أن قبائل شاسعة من المغرب العميق لم تتعرب بعد. و تعتبر حالة قبائل غمارة نموذجا آخرا من نماذج القبائل التي دخلها الإسلام و ظلت « اللعنة الشيطانية » تصاحبها نظرا لإنفتاح سكانها على قيم دنيوية، و تحويل العبادة لصالح شخصية محلية، إسمه مولاي عبد السلام بن مشيش بقبيلة بني عروس.   لقد إنتهز أعداء الحرية فرصة الحضر العملي على إحدى المنظمات الطلابية المغربية العتيدة، للهجوم عل ثلة من المتنورين داخل الجامعة، و السبب هو أن هؤلاء المتنورون كانوا يرسمون على أرض الواقع سياسة تعليمية بديلة تريد جعل الجامعة فضاء للإقلاع العلمي و المعرفي و الثقافي، بينما كان الشذوذ الإسلاموي ينفذ قرارات بإيعاز من الدولة لجعل الجامعة إمارة إجرامية تحرض على العنف و الايذاء البدني و المعنوي، و ما قتل المعطي بوملي و أيت الجيد بنعيسى الا لكي يصبحا نموذجا رادعا للأخرين. و من غريب الصدف، أن هذه الممارسات الإجرامية في حق المتنورين، شهدتها العديد من مناطق مصر منذ بدية التسعينات على يد الجماعات الإسلامية. (أنظر فرج فودة، حتى نكون أو لا نكون).   إن شهداء الأنوار، المعطي بوملي و أيت الجيد بنعيسى، ناضلوا من أجل تعليم ديمقراطي، و الذي هو في العمق نضال ضد اللامساواة. وهنا نستحضر أهمية هذا النضال الذي ضمنته النظرية السوسيولوجية في كتاب « الورثة » (لبيير بورديو و كلود باسرون)، و التي تم تطويرها لا حقا في كتاب « إعادة الإنتاج »؛ هذه النظرية تؤكد على علمية الطابع الطبقي للثقافة المدرسية.   أخيرا، هل هناك من منقذ للجامعة المغربية؟إذا كان صحيحا أن الجامعة المغربية مهددة بمصائب و أمراض خطيرة، أليس من واجب من يعتقدون معرفة هذه المصائب أن يخرجوا عن صمتهم؟و الآن، إن العمل على الإبتكار و خلق بنيات الإبتكار الجماعية، سيولد حركة إجتماعية حول الجامعة بأهداف ووسائل جديدة.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة