صُورَتا الملـك

صُورَتا الملـك

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الثلاثاء 17 يونيو 2014 م على الساعة 8:43

في أحد كلاسيكيات الفكر السياسي، حلل المؤرخ الألماني الأصل «Ernst Kantorowicz»، في كتاب شهير حول «جَسَدا الملك» (1957)   الفرق بين جسدين مُختلفين للملك، الجسد الملكي الطبيعي، المُعرّض للفناء، الخاضع لأعراض الحياة والموت ولأثر الطفولة والشيخوخة، القابل للمرض والعياء، ثم الجسد الملكي فوق الطبيعي، الخالد، المُقاوم للزمن ولمظاهر الضعف والوهن، المُجسد الكامل للمملكة.   فكرة امتلاك الملك لجسدين مُتَجاوريْنِ ومُتمايزيْنِ – جسد شخصي عابر وجسد سياسي أبدي – التي طورها هذا الأستاذ الجامعي، الذي درّس في أعرق كليات أمريكا، كثفت أطروحة متكاملة في قراءة وتحليل رمزية السلطة السياسية في العصر الوسيط، وألهمت فيما بعد العديد من الباحثين في التاريخ والأنتروبولوجيا وعلم السياسية.   استحضرت هذا العمل بمناسبة متابعة الجدل حول استعمال القناة الثانية – باعتبارها قناة عمومية – لصور شخصية للملك وهو يتجول بشارع بورگيبة، على هامش زيارته الرسمية الأخيرة لتونس، وهو الاستعمال الذي جر على القناة تنبيها غير مسبوق من طرف مديرية التشريفات بالقصر الملكي، وهو ما اقتضى اعتذارا رسميا لها.    وجه الاستعارة الممكنة، هنا، بين حدث عدم الرضا الرسمي على استعمال صور تهم الحياة «الخاصة» للملك، في قناة تلفزية «عمومية»، وبين أطروحة «جسدا الملك»، هو الانتباه إلى الحرص على التمييز بين «صورتين للملك»، صورة رسمية تهم ممارسة الملك لوظائفه وسلطاته، وصورة خاصة تهم حياته الشخصية والفردية.    تريد الصورة الرسمية أن ترسخ صرامة البروتوكول، ثقل التاريخ، قوة الأعراف، معايير المؤسسة، واحترام التقاليد، حيث لا شيء متروك للإرتجال: اللباس، الحركات، المكان. كل ذلك يحيل إلى سلطات الملك وإلى مركزيته وسمو وظيفته، وإلى طبيعة علاقته بالمحيط الخاضعة للتراتبية الواضحة. لذلك فهذه الصورة هي صورة «الملك».   في المقابل تسعى الصورة الخاصة، إلى أن تهتم بالجوانب العفوية، وأن تلتقط حالات التحرر من «الرسمي»، في الحركة واللباس، وفي العلاقة «العادية» مع الأمكنة ومع الآخرين. لذلك، فهذه الصورة تركز على «الإنسان»، وليس على الوظيفة والسلطة.     تراهن الصورة الأولى على تكريس قيمة «الهيبة»، التي يجب أن تنضبط لمعايير «العقيدة والتأويل» كمحددات لثقافة البلاط بتعبير الدكتور محمد الطوزي، فيما تراهن الثانية على تكريس قيمة «القرب» عن طريق إبراز الطبيعي والتلقائي والعادي والشخصي. تعتمد الصورة الأولى على البعد السياسي، فيما تعتمد الثانية على البعد الإنساني.   لقد تابعنا في بداية العهد الجديد، كيف توازى اعتماد وإجازة الصورة الرسمية للملك محمد السادس «le portrait officiel»، وهي الصورة التي توضع عادة في الإدارات العمومية  والمؤسسات الوطنية، مع انتشار واسع لعدد كبير من الصور التي توضح الملك وهو يتجول في الشوارع بدون تكلف، وهو يمارس هواياته الرياضية، أو بلباس متحرر من نمطية البروتكول.       هناك من جهة حرص على حماية «الصور» المتعلقة بالمؤسسة الملكية، سواء من خلال الظهائر المنظمة لنشرها، أو من خلال الاهتمام الإعلامي «الخاص» المتعلق بمتابعة أنشطتها، وهو حرص يوضح حساسية وأهمية موضوع «الصورة الملكية»، ومن جهة أخرى، هناك – ربما- شعور بالحاجة إلى استثمار الإمكانيات التي تفتحها وسائل التواصل الجديدة، خاصة أمام موجة عالمية لتصاعد الاهتمام بالحياة الفردية للفاعلين السياسيين وللقادة.     رسالة مديرية التشريفات، تكمن بالضبط  في الوعي بحدود وربما بمخاطر    « peopolisation la «، التي يمكن أن تتعرض لها صورة الملك؛ إن «الصور الشخصية» مطلوبة، واستراتيجية التعميم «الذكي» لها، أمر مهم للتواصل الاجتماعي، فهي تحقق معنى القرب الإنساني، لكن ذلك له فضاؤه ووسائطه، بعيدا عن الإعلام العمومي/الرسمي المُكلف بنقل «الصورة الرسمية» بجميع رسائلها الرمزية وشحنتها القيمية، في إطار واضح هو التواصل المؤسساتي والسياسي المتعلق بالملكية.    رسالة التنبيه، بعبارة أخرى، تريد أن تقول: عفوا، فالصورة التي تُشعل الفايسبوك – بالعبارة الجديدة -، لا يصح أن تقتحم بيوت المغاربة في «خُطْبَة «الثامنة!.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة