المــلك والــثورة

المــلك والــثورة

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الأربعاء 11 يونيو 2014 م على الساعة 8:44

كان المغرب قد تجاوز لتوه مرحلة الجبهة المتراصة لمعركة الاستقلال، لتنفجر تناقضات بناء الدولة الوطنية. في قلب الصراع كانت قضية الدستور تكثف الاختلاف حول اختيارات ما بعد 1956، وداخل هذه القضية، وقبل «المضمون» كان ينتصب سؤال «الشكل»: من يضع الدستور؟.   القوى الديمقراطية كانت تملك جوابا واحدا: مجلس تأسيسي منتخب يمثل إرادة الشعب، والمخزن كان يلعب لعبة الزمن؛ أن ينهك امتدادات الحركة الوطنية، بأن يغذي انشقاقاتها وتصدعها، ريثما يُقوي قاعدته الاجتماعية ويُصَلب تحالفاته، حينها فقط، سيصبح الدستور تدوينا لانتصاره على الحركة الوطنية.     في هذا السياق كان ممثلو «القوة الثالثة»، يلمحون بمكر ودهاء رابطين بين مطلب الحركة الاتحادية بانتخاب مجلس تأسيسي لصياغة دستور الاستقلال، وبين ما وقع في التجربة التونسية عندما انطلقت الجمعية التأسيسية بتغيير النظام السياسي وإعلان قيام الجمهورية التونسية!     الخونة السابقون وعملاء الجيش الفرنسي والإقطاعيون الذين بايعوا «بن عرفة»، وغيرهم من منظري وزعماء «القوة الثالثة»، كانوا يبحثون عن رهن «الملكية» والانفراد بها، عبر نسف الميثاق الوطني الذي صاغه انحياز القصر لصف الحركة الوطنية. في العمق كانوا يعرفون موقف عبدالرحيم بوعبيد وعلال الفاسي ورفاقهم في المقاومة، الذين رفضوا عرضا فرنسيا رسميا بالحسم في شكل النظام السياسي قبل التفاوض على مطلب الاستقلال..    المغرب الذي شكل، آنذاك، استثناءً على مستوى خريطة الدول المستقلة، إذ أن حركته الوطنية لم تصل لا إلى السلطة، ولا نجحت في اقتسامها، سيجد نفسه داخل محيط إقليمي تسوده الجمهوريات المنبعثة من قلب حركات التحرر.    بعد ذلك بجيلين أو أكثر، وعندما سيأتي بغير استئذان «الربيع العربي»، ليقلب صفحة مرحلة ما بعد الاستقلالات، مطيحا بالجمهوريات «الأولى» التي أنهكها التوريث والفساد والاستبداد، ستعرف الملكيات العربية كيف تحافظ على استقرارها في وجه إعصار السقوط المدوي للأنظمة التي طالما قدمت نفسها قلاعا للتحرر!.   مُقاومة الأنظمة الملكية، لموجة انفجارات 2011، التي جعلت الرؤساء العرب يتحسسون رؤوسهم بين كل نشرتي أخبار بقناة الجزيرة، ستثير شهية الباحثين والإعلاميين، لفك لغز استقرار الملكيات العربية وقدرتها على التكيف واستيعاب التحولات.   العودة إلى الأدبيات السياسية والبحثية، التي اشتغلت على هذا الموضوع، تجعلنا نقف كثيرا على تواتر كلمة «الشرعية»، فإلى جانب فرضيات عديدة تم تطويرها في هذا الصدد، يتم التأكيد باستمرار على منسوب الشرعية التي تحوزها الملكيات داخل أوساط الشعوب والفئات الاجتماعية.    في الأسبوع الماضي وقف الملك محمد السادس، في تونس، ليخطب أمام المجلس الوطني التأسيسي، وكان لافتا استعماله لصيغة المفرد المتكلم، لتوصيف تأثره «الشخصي» بالتحولات السياسية لتونس، فضلا عن  حديثه عن «تونس الجديدة»، «الدستور المتقدم»، «إنجاح مسار الانتقال الديمقراطي»، و»المرحلة الحاسمة في تاريخ تونس».   زيارة الملك لبرلمان الثورة، وتجوله في شوارعها، بغض النظر عن رسائلها الواضحة  المغاربية/المغاربية، هي كذلك دليل على انتصار الحس السياسي السليم؛ حيث الملك يبدي تأثره بتحولات بلاد فجّرت ثورتها ربيعا عربيا مثيرا، وحيث «آباء الجمهورية التونسية الثانية»  يعبرون عن احتفائهم بمسار مغربي انتقالي يحمل طموحا ديمقراطيا مؤكدا.    حقا، لم نعد في سنوات الستينيات، حيث الإيديولوجيا تفرق بسهولة بين تقدمية الجمهوريات ورجعية الأنظمة الملكية، وحيث العالم العربي ينقسم إلى محورين: ناد للملوك و»جبهة للمُمانعة»!    درس تجربة «الدولة الوطنية» لما بعد جيل الاستقلال، هو أنه كما يمكن للجمهوريات أن تتحول إلى قلاع للاستبداد، يمكن للملكيات كذلك أن تتصالح مع الديمقراطية.   ودرس تجربة «الربيع العربي»، هو أنه كما يمكن للثورات أن تُسرق في غفلة من أحلام الثوار، يمكن – بحثا عن التغيير- أن يكون الإصلاح هو الأكثر راديكالية!    فقط، لو يدرك ذلك مُقاوِمو الإصلاح، سواء أكانوا «قوة ثالثة» أو «جيوبا لمقاومة التغيير» أو مجرد «تماسيح وعفاريت»!. 

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة