من يُشعل الفايسبوك؟

من يُشعل الفايسبوك؟

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الثلاثاء 08 يوليو 2014 م على الساعة 1:44

في الأيام القليلة الماضية، استطاعت ثلاث صور فايسبوكية أن تصنع الحدث:    الصورة الأولى عبارة عن رسم يجسد موقفا رافضا للقفة التي تُوزع في شهر رمضان، الثانية لمستشارة برلمانية وهي تمنح طفلة فقيرة وأمها «ياغورتاً» كهدية، ثم الثالثة للأمين العام لحزب الاستقلال وهو يصلي في صالون بيته.   الصور الثلاث حققت – مغربيا – ذروة المشاهدات والتعليقات في الفضاء الأزرق لشبكة التواصل الاجتماعي الأشهر، وطبعا، فالأمر لم يتوقف هنا، فالمواقع الإلكترونية تلقفت هذه الصور وقدمت موادا صحفية حولها أولا بأول، ثم انتقل الاهتمام إلى الصحافة المكتوبة التي خصصت حيزا مهما، تجاوز صفحات [الپـيـپل] ليصل في بعض الحالات إلى المادة الرئيسية للصفحة الأولى في جرائد نهاية الأسبوع.   تفاعلات النقاش المتفجر حول الصور الثلاث والقصة الخبرية المتضمنة في كل واحدة منها، وصلت حد اضطرار المعنيين بالأمر إلى توضيح ملابسات وسياقات هذه الصور، رغبة في إمكانية التحكم في المسار المنفلت لديناميكية التأويلات المتناسلة للرسائل المفترضة للصور الثلاث.    فقد قرر مسؤولون في فدرالية اليسار المغربي، التنظيم السياسي  المشرف على الصفحة التي نشرت في جدارها صورة القفة الرمضانية «المرفوضة»، أن يتواصلوا حول موقعهم الرسمي من هذا الموضوع،  حيث أوضحت مثلا السيدة «نبيلة منيب» الأمينة العامة للاشتراكي الموحد، العضو في الفدرالية ذاتها، أنها تحترم جميع الآراء، وليس لديها أي تعليق على التصريحات التي تقدمها قيادات منتمية إلى الحزب، ولا عن الصفحة الفايسبوكية المنسوبة إلى فدرالية اليسار، التي اعتبرت أن الشعب لا يحتاج إلى قفة رمضان، وإنما إلى نظام ديمقراطي، ودعت إلى توزيع عادل للثروة.   أما المستشارة البرلمانية «لطيفة الزيواني»، فقد صرحت بأن الصورة التي نشرت على جدارها بموقع الفايس غير حقيقية وأن حسابها على الشبكة، قد تمت قرصنته. ومن جهته، أصدر حزب الاستقلال توضيحا في جدار صفحته الرسمية على نفس شبكة التواصل يشرح فيه سياق صورة أمينه العام وهو يؤدي فريضة الصلاة، موضحاً أن بعض مواقع التواصل الاجتماعي قد [اجتهدت في تفسير هذه الصورة، فتم تأويلها تأويلات بعيدة كل البعد عن سياقها الروحي والديني، وألبسوها ألبسة لا تليق بحرمة الممارسة التعبدية التي تربط الخالق بمخلوقه، وتم الحديث عن الواقعة وكأن الأمين العام يؤدي لأول مرة الصلاة، والواقع أن الأمر يتعلق بمجرد صورة التقطها زميل مصور صحافي في غفلة من المعني بالأمر وهو كعادته يؤدي فريضة الصلاة في منزله].   سيكون من الاجترار البليد أن نتذكر أهمية الصورة في التواصل، كما سيكون الأمر من باب السماء فوقنا، التذكير بأن وسائط التواصل الجديدة التي أسهمت – بنصيبها – في كنس أعتى قلاع الاستبداد، تستطيع – كذلك – أن تصنع رأيا عاما وطنيا وأن تخلق الحدث الذي يحظى بأكبر نسب المتابعة الإعلامية!   إننا لا ننتظر اليوم تصريح الزعيم السياسي أو افتتاحية الجريدة الحزبية أو بلاغ المركزية النقابية، لكي تُصنع الأحداث ولكي يتبلور الرأي العام.   في المقابل لابد من الانتباه إلى الآثار التي تخلقها هذه الوسائط على نمط التواصل السياسي للفاعلين. لقد كان [هيغل] يقول دائماً إنه عندما اكتشفت الإنسانية [‏الباب] خلقت فصلا بين ما هو خارجي وما هو داخلي، بين ما هو مشاع بين ‏الناس و»عمومي» وبين ما هو خصوصي. واليوم، لا شك أن اختراع وسائل التواصل الاجتماعي من شأنه إعادة تعريف الحدود بين  العمومي والخصوصي.   كما أن تصاعد موجة الاهتمام بالحياة الفردية للقادة والفاعلين التي تتعرض لها الحياة السياسية، من شأنها كذلك أن تلغي الوظيفة الفيزيقية والاجتماعية لـ[الباب] في حياة الفاعلين العموميين، وأن تفتح – بتواطئهم – تفاصيل شؤونهم الخاصة على الجمهور «المُتلصّص».   لقد تابعنا قبل شهور كيف حقق ڤيديو لعبدالإله بنكيران وهو يُراقص حفيده، نسبا قياسية للمشاهدة على موقع [اليوتوب]، وكيف تتناقل وسائل التواصل بشكل متواتر صور الوزراء وهم يتناولون وجباتهم في أجواء حميمية خارج مهامهم العمومية، وكيف قد «يشعل» الفايسبوك بواسطة صورة خاصة من الحياة الفردية لقائد سياسي أو مسؤول عمومي.   هذا معناه كذلك أن الحياة السياسية التي نريد لها أن تتحول إلى نقاش المشاريع والبرامج، تذهب تحت ضغط أنماط التواصل الجديدة نحو شخصنة أكبر، وأن الصراع السياسي ينتقل من ساحة الأفكار إلى موقعة «الصور»، وأن فخ السياسة الفرجوية يستطيع في نهاية التحليل أن يلغي فكرة «السياسة» نفسها، إذ يعوضها بالتواصل، لينجح ختاما في تحويل المواطنين إلى مجرد متفرجين. 

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة