في الحاجة إلى إميل زولا عربي

في الحاجة إلى إميل زولا عربي

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الجمعة 04 يوليو 2014 م على الساعة 12:39

كما لو أن العالم كان في حاجة إلى حادثة بدأت عادية، قبل أن تتطور إلى قضية، والقضية تحولت إلى موقف سيخلده التاريخ. حدث ذلك في تسعينيات القرن التاسع عشر في فرنسا   عندما أُدين ضابط في الجيش الفرنسي، اسمه ألفريد دريفوس، بالخيانة العظمى، في محاكمة مشهورة، كانت كل الظواهر تؤكد إدانته فيها، لكن كاتبا فرنسيا، اسمه إميل زولا، سيُغيِّر مجرى القضية، بمقال له بعنوان «إني أتهم»، أدى إلى إعادة محاكمة الضابط المظلوم وتبرئته، وإعادة الاعتبار إليه، معلنا بذلك ميلاد «سلطة المثقف» (…)   ما أحوجنا اليوم إلى أمثال هؤلاء المثقفين، حرّاس القيّم والمدافعين عن ترسيخها في تُربتنا العربية. ما أحوجنا إلى «إميل زولا عربي»، يكسر هذا السكوت المخجل للمثقف العربي، ويفضح تقلبات المتملقين والانتهازيين من بينهم. مثقف يشير بأصبع الاتهام إلى مكامن الخلل في منظومة قيمنا المجتمعية. مثقف يصرخ في وجوهنا عاليا يدين مازوشية شعوب تعبد طغاتها، وتقدس مستبديها وتحمي مفسديها. مثقف يدين، بكلمات واضحة وقاسية، ظلم الحكام وسادية الجلادين وسريالية عدالة التعليمات والأوامر. مثقف ينتصر للحق، ويقف إلى جانب الضحية في لحظة ضعفها. مثقف قادر على أن يثير التدافع بشأن المبادئ والقيم، وليس حول الأشخاص، أو الشعارات، بعد أن نجحت الأنظمة في تقسيم مجتمعاتها إلى مؤيدين للاستقرار ودعاة إلى الفتنة والفوضى، بينما كان الفرق واضحا في لحظات الثورات العربية بين من يقف إلى جانب الاستبداد ومن يناصر التغيير.   وفي لحظة الحسم هذه، غاب دور المثقف الملتزم، ليس بالمعنى الإيديولوجي الذي يقوم على الولاء الأعمى للانتماء المذهبي، وإنما بالمعنى الأخلاقي الذي ينتصر للقيم الكبرى، مثل الحرية والعدالة والكرامة. وكما يقول الشاعر العربي الجاهلي «وفي الليلةِ الظلماءِ يُفتقدُ البدر»!   وعندما سيحين وقت جرد خسائر «ثورات الشعوب» في المنطقة العربية، سيحز في النفس عندما نكتشف أن الوضع الاعتباري للمثقف فقدَ الكثير مما تبقى له من رصيد. فما بين الكمون الجبان، والصمت المتواطئ، والتبرير الفج، والتقلب المكشوف، والانحياز البيّن حد التملق للاستبداد، تعرَّت مواقف المثقفين، وافتضحت على امتداد الخريطة العربية من المحيط إلى الخليج.   هذه المواقف المتقلبة للمثقف العربي، إلا مَن رحم ربك، ستجعله استثناءً خارج سياق التاريخ. ففي كل الثورات الكبرى التي شهدها العالم، من الثورة الفرنسية حتى الثورة الشيوعية في روسيا، كان للمثقف دوره البارز في إذكاء نارها، والإبقاء على جذوة الأمل فيها متقدة. بل، ومن رحم تلك الثورات، ستولد «سلطة المثقف». أما في الحالة العربية، فكأنما جاءت «الثورات الشعبية»، لتفضح دور «مثقف السلطة» الجاهز، دوماً، لتبرير استبدادها وظلمها وقمعها. مثقفون مثل «عباد الشمس» يميلون مع السلطة، أينما حلت وارتحلت. مع التقدير الواجب لـ»زهرة الشمس» وفوائدها الصحية العظيمة.   بإعادة قراءة مقالة «إني أتهم» التي كتبت رسالة مفتوحة إلى الرئيس الفرنسي آنذاك، نكتشف أن المثقف يحتاج إلى شيء آخر، إلى جانب الالتزام، شجاعته. تمعنوا في جرأة المثقف، وهو يخاطب رئيس بلاده: «هل تسمح لي ..أن أقول إن نجمك الهانئ جدا حتى الآن، مهدد بأكثر الوصمات عيبا ودواما؟.. يا لوصمة العار التي تلطخ بها اسمك.. كي لا أقول حكمك..!»، وفي عبارات مباشرة يخاطب زولا رئيس دولة فرنسا، بجرأةٍ كانت تعتبر نادرة ذلك الوقت «بما أنهم تجرؤوا، فأنا سأجرؤ بدوري. سأقول الحقيقة، لأنني وعدت بقولها، ما لم تقلها العدالة.. ومن واجبي أن أتكلم، لأنني لا أريد أن أكون متواطئاً في هذه القضية. وإن لم أفعل، فسيطاردني في لياليّ شبح ذلك البريء درايفوس الذي يدفع هناك في جزيرة الشيطان ثمن جريمة لم يرتكبها.. وسأصرخ بهذه الحقيقة، أمامكم أيها السيد الرئيس، بكل قوتي وغضبي، وكما يفعل أي رجل شريف..».   هذه الكلمات ستقود صاحبها إلى المحاكمة، وسيصدر الحكم بسجنه سنة، لكنها ستخلّده في التاريخ، أول مثقف يقرر النزول من برجه العاجي، للدفاع عن قضايا الشأن العام والالتزام بها.   تعلمنا هذه الكلمات أن الالتزام، بمعناه الثقافي، لا يمكن أن يتجسد إلا بالتضحية والنضال المستمر من أجل أن تسود القيم الإنسانية الكبرى، والاصطفاف إلى جانب الحق، قيمة مجردة تعلو فوق كل الانتماءات السياسية والمذهبية. أما ما دون ذلك، فهو ارتزاق باسم الثقافة، وإهانة للفكر الذي لا يملك صاحبه حق اختيار مصيره، فكيف يمكن أن ننتظر منه أن يُقرر في مصير غيره!

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة