الجهوية المتقدمة.. نهاية حمل كاذب

الجهوية المتقدمة.. نهاية حمل كاذب

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الخميس 03 يوليو 2014 م على الساعة 1:17

»لأسباب عديدة، لها علاقة بطبيعة الثقافة السياسية السائدة، عادة ما ينحو النقاش العمومي ببلادنا تجاه البحث عن الطابع «الإجماعي»    حيث يبدو الفاعلون وممتلكو سلطة «الكلام» داخل الساحة العامة، وهم يلوكون نفس الخطاب والمفردات، حتى أن خطاباتهم تبدو مجرد إعادة إنتاج باهت لخطاب مركزي، قد يكون هو نفسه خطاب الدولة.   هكذا شكلت مرحلة النقاش حول «الجهوية الموسعة» ثم «المتقدمة»، خلال السنتين اللتين سبقتا عام 2011، حالة مدرسية لهذا «المنزلق الإجماعي»، عندما تابعنا تواترا لمديح طويل في حق الجهوية، وشاهدنا سقوطا مدويا للنخب في «غرام» مفاجئ للجهوية المغربية بنعوتها المختلفة.   واشتغلت ماكينة الإنتاج الوطني للمفاهيم وللكلمات العجيبة و لـ»الأغنية الجديدة للمرحلة» بتعبير الراحل عبد الجبار السحيمي، لتجعل من «الجهوية الموسعة» و»الجهوية المتقدمة» ركناً أساسيا من أركان البناء «اللغوي» للديمقراطية المغربية.  وطبعاً ظهرت على حين غرة كتيبة من «الخبراء» الذين لا يشق لهم- في هذا الموضوع – غبار . إذ قلما سمعنا من يشكك في نجاعة الاختيار الجهوي أو من يعتبر- على سبيل المثال-  الجهوية حاملة لمخاطر وحدة وطنية باندماج مجتمعي هش، أو من يقول ببساطة إن الجهوية مجرد اختيار تدبيري وسياسي وليست قيمة مؤسسة للديمقراطية، وأن التلازم بين الاختيار الديمقراطي والبناء الجهوي ليس من باب المستلزمات الضرورية في منطق التاريخ…   لقد عشنا تضخما خطابيا في موضوع الجهوية، بعيدا عن منطق المسؤولية والتقعيد الفكري والتأطير التاريخي والمعالجة النسبية، مما أنتج الكثير من السهولة والتعميم والميوعة، وهذا ما أفضى في الأخير لشحن هذا الموضوع بالكثير من الانتظارات والأوهام…   اليوم، وبعد إصدار تقرير اللجنة الاستشارية حول الجهوية المتقدمة، ثم صدور مسودة القانون التنظيمي حول الجهوية، مروراً بلحظة دستور 2011، فإن تقييم التصورات المرتبطة بالتقدم في هذا «الورش»، لا يمكنه مع الأسف، إلا أن يقف على مفارقة التضخم الكبير للخطاب حول الجهوية مقارنة بالتوجه الفعلي للدولة في الموضوع.   داخل منطق القانون العام الداخلي، دأب الباحثون على التمييز بين جهوية إدارية (جماعة محلية ترابية)، والجهوية السياسية (برلمان جهوي)، على أساس معيار الاختصاصات السياسية الموزعة بين الدولة والوحدات الترابية، وبنيات تدبيرها. لذلك، فهمت الجهوية المتقدمة كخطوة بين النمطين السابقين، أكبر من الإدارية وأقل من السياسية.   لكن فحص مخرجات اللجنة الاستشارية ومقتضيات الدستور وتوجهات المسودة الحالية، لا يوحي بهذا الفهم، بقدر ما يُحيل إلى اختيار محتشم لا يتعدى سقف الجهوية الإدارية في أحسن الحالات، اختيار ينهض على الازدواجية المؤسساتية (دولة/جهة)، التي تخفي في واقع الأمر موقفا دونيا من المنتخبين، الذين لن يدبروا أكثر من 5% من الميزانية العامة على صعيد الجهة، داخل نفس نمط الوصاية من طرف الإدارة الترابية، في مقابل الحضور الطاغي للدولة بكل آليات انتشارها المجالي (مؤسسات عمومية، بنيات اللاتركيز، وكالات..)، وهو ما من شأنه أن يترك التدبير الجهوي ضحية للعطب المغربي الأكبر: اللا مسؤولية المنظمة: حيث السياسات المحلية الأكثر تأثيرا تبقى خارج منطق التداول، بعيدة عن سلطة الاقتراع ورقابة المواطنين والرأي العام.   لقد كان واضحاً مثلاً أن عدم التناسب الواضح، بين تضخم الخطاب وتناسل الأوهام في موضوع الجهوية، وبين تواضع خلاصات تقرير اللجنة الاستشارية، وجه آخر سياسي، نقدمه في صيغة الفرضية التالية: إن طرح «النقاش حول الجهوية» جاء أساساً كتغطية لنقاش كان هو الأكثر مطابقة لمرحلة ما بعد أزمة انتخابات 2007، ألا وهو»النقاش حول الدستور».   نعم، لا شك أن للعلاقة المعقدة بين مشروعي «الجهوية المتقدمة» و»الحكم الذاتي»، أكثر من تأثير على طبيعة التعاطي السياسي مع مشروع الجهوية، لكن كذلك لابد أن تعود بنا الذاكرة إلى ذلك الخطاب الذي أنتج من طرف «مقربين» من الدولة، حول الجهوية باعتبارها العنوان الوحيد للإصلاحات المؤسساتية الممكنة ببلادنا، وحول كون بلادنا استنفدت دستوريا كل صيغ توزيع الصلاحيات داخل المركز، وأن الخطوة المقبلة هي الانتقال من التوزيع الدستوري الأفقي للاختصاصات بين السلط، إلى التوزيع المجالي بين الدولة والجهات.   هذا الخطاب الذي طالما، زكى أطروحة إصلاح الجهوية كبديل عن إصلاح الدستور، شكل جزءا من خطاب أعم أُريد له أن يسود طوال مرحلة ما بعد 2007، وأراد له التاريخ أن ينحصر بعد 20 فبراير.   لذلك، فاليوم، وبعد دستور 2011، ومن خلال الإطلاع على مسودة المشروع الحكومي حول الجهوية، لابد من الإقرار بأن الخطاب حول «الجهوية المتقدمة» بكل التعبئة من «فوق» التي رافقته، قد استنفد مهمته في خلق رهان «تعويضي» وبديل «مفترض» للحوار حول الدستور وأزمة السياسة، لذلك لا بأس من أن نعالج هذا المشروع بما يستحقه من تواضع كمجرد تقدم طفيف في البناء اللا مركزي للدولة، بعيداً عن تصور الجهوية كمدخل لإصلاح الدولة، وبعيدا عن خطابات التضخم والتمييع والمديح اللا مشروط، التي أنتجت هذا…الحمل الكاذب.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة