الكاتبة رفيقة العمر «٣» | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

الكاتبة رفيقة العمر «٣»

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الإثنين 21 يوليو 2014 م على الساعة 19:19

اتسعت عيناى بالدهشة وسألتها: لم تلتق به إلا بعد أن تجاوزت الستين؟ وماذا فعلت فى الستين عاما الماضية؟ وكم سنة مضت على هذا اللقاء التاريخى بفتى أحلامك؟ ضحكت وهى تملأ صدرها بهواء الصبح شاخصة إلى الخط الفاصل فى الأفق بين البحر والشمس، وقالت:   – لا أعدّ عمرى بالأرقام والجمع والطرح، كما اكتشفت أنه ليس هو.   ومتى التقيت بالـ«هو» السعيد الحظ ؟   – الآن هنا على الشاطئ.   أنت امرأه غير معقولة!   – أنا لست امرأة.   أنت رجل.. غير معقول؟   – أنا كاتبة، لا رجل ولا امرأة، حسب التصنيف الزائل الأزلى.   هل أنت عصية على التصنيف؟   – نعم يا حمارة.   حين تقول «يا حمارة» أعرف أنها تشعر بالسعادة حين تقارن عقلها الأعلى بعقلى الأدنى، ومزاجها يكون رائقا لحظة الوقوع فى الحب، مثل زرقة السماء الصافية قبل زحف السحب، ومياه البحر الأبيض المقطرة قبل هوجة الأمواج، وأشعة الشمس الشفافة النقية قبل غزو جيوش الأدخنة وتحرش الأتربة وذرات الزفت والقطران.   كان السبت ١٩ يوليو ٢٠١٤، وهى ترشف قهوة الصباح، تتشمم باستمتاع شديد نكهة البن البرازيلى المحوج بالحبهان، تزيد لذة التذوق عندها مع حالة الحب الجديد والانسجام مع الكون أو القدر، هذا الذى تكنّ له العداء منذ ولدتها أمها، وأنا أجلس غير بعيدة عنها، أمامى صور القتلى بالصحف على المنضدة تحت الشمسية، من فوقها قطعة من الصخر انتزعتها من بين الرمال عند الحد الفاصل بين المياه والأرض، كاد الهواء مع رذاذ البحر يقذف الصحف (ومعها صور القتلى) فى الفضاء اللانهائى، لولا قطعة الصخر الصغيرة، بيضاء ناعمة كالرمال، وكنت أنتفض غضبا من الصحف والصحفيين ومن صور القتلى والمقتولين، كأنما لم أشهد من قبل صورهم، القتلى بالدبابات، بالقنابل، بالرصاص بالرشاشات، بالقبضات القوية وكعوب البنادق والأحذية الذكورية، تقول وكالات الأنباء إن نصف القتلى من النساء والأطفال من الفقراء والمهاجرين واللاجئين وساكنى القبور والخيام والعشوائيات.   ترتفع ذراعى الطويلة النحيلة إلى السماء لأضربها بقبضتى وأقول:   – أين العدل يا أنتِ؟   مجرمو الحرب والسلم يعيشون فى أمان ويحصدون الغنائم والأرباح، ويموت الأبرياء وتدمر بيوتهم، أين العدل يا ستنا الطاهرة؟   تتسع عيناها العسليتان بدهشة، تكتسبان زرقة البحر فى ضوء الشمس، وتبتسم فى هدوء الفلاسفة وتقول: أما زلت طفلة فى السابعة بعد تجاوزك السبعين من العمر؟ ألم تعلمك الحياة أنها لا تعرف العدل؟ التاريخ يا أستاذة، التاريخ لا يعرف إلا قوة العقل الذى يخترع الأفكار الجديدة وأقوى الأسلحة المطلوبة لمواجهة قسوة الحياة وغلظتها وظلمها وشهوتها اللا نهائية لقتل الضعفاء والأغبياء والعزل من السلاح. النساء ذوات الأسلحة الحديثة (غير الكحل والمساحيق والرموش وجراحات التجميل) أنجيلا ميركل وهيلارى كلينتون وميشيل أوباما، هؤلاء النسوة لا يمتن فى الحرب أو فى السلم، بل يقتلن الآخرين بدم ذكورى أنثوى بارد صلب، ولماذا تدمنين النظر فى الصحف كل يوم مثل مدمنى الهيروين والماكسيتون؟ وتحرمين نفسك من الصباح الجميل وهواء البحر الأبيض المملح مع نكهة البن البرازيلى المحوج؟ حتى بن القهوة لم نكتشفه بعقولنا ولم نصنعه بأيدينا، بل تصنعه بلاد تبعد عنا عشرات الآلاف من الأميال، تفصلها عنا محيطات وبحار وجبال، وتشحنه إلينا لنشرب قهوة الصباح!   أخذت رشفة طويلة من قهوتها مع شهيق عميق من هواء البحر الذائب فى أشعة الصبح، وسألتنى: ماذا أنتج عقلك العام الماضى من إبداع؟ هل وقعت فى الحب أو الكره؟ هل اخترعت جهازا مضادا للطائرات الأمريكية أو الدبابات الإسرائيلية أو على الأقل فيروساتهم الكيماوية؟ هل اكتشفت دواء لسرطان الدم أو تليف الكبد أو على الأقل هشاشة العظام؟   كانت تقضى الصيف بقرية على الشاطئ عند أقصى الحدود الغربية الصحراوية، دعتنى لزيارتها لتحكى قصة حبها الجديد.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة