قريبا من إلغاء عقوبة الإعدام وبعيدا عن المزايدات السياسية

قريبا من إلغاء عقوبة الإعدام وبعيدا عن المزايدات السياسية

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الخميس 14 أغسطس 2014 م على الساعة 14:17

أعتقد أن حدة النقاش والخلاف الذي هم عقوبة الإعدام عند وضع قانون محكمة العدل العسكري بين الأطراف وداخل نفس الأطراف، أمر صحي عكسه الحوار الجدي والعميق الذي خصص لهذا الموضوع الحساس والدقيق، وسبق لنا أن نبهنا أثناء مناقشة قانون المحكمة العسكرية قبل شهر أن هذا الموضوع لا يحتمل المزايدات السياسية وتسجيل الانتصارات الظرفية والرخيصة لسببين رئيسيين:   أولهما : أن الموضوع يهم الحياة البشرية والحق في الحياة وهو حق طبيعي لم يقم الدستور إلا بإعادة التأكيد عليه.   وثانيهما : إن المجال الذي نناقش داخله هذا الموضوع هو نظام العدل العسكري الذي يهم الجيش، والذي يتعين معه عدم تفسير خلافنا حول هذا الموضوع كأنه خلاف بين المعارضة والأغلبية اتجاه قوتنا المسلحة.   إن ردود الفعل التي همت الموضوع في الواقع ترتبط حقيقة بالخلفيات وبالنوايا، فالحقيقة تقال أن الأغلبية في أغلبيتها ضد إلغاء عقوبة الإعدام، والأقلية في أغلبيتها « أي المعارضة » مع إلغاء عقوبة الإعدام، لذلك اعتبرنا أن الحصول على بعض المكتسبات في هذا المجال سيساهم في دعم إلغاء هذه العقوبة تدريجيا في أفق إلغائها نهائيا.   غير أنه ضد هذا السياق الواضح، سيثيرني موقفين لجهتين تختلفان حول عقوبة الإعدام ولكنهما تلتقيان في نفس المنهج والطريقة في تفسير موقفهما.   الموقف الأول : موقف وزير العدل والحريات والذي صرح به في لقاء مع بعض الفعاليات القانونية، حيث استهجن فيه موقف المعارضة البرلمانية عند تصويتها على قانون العدل العسكري المتضمن لعقوبة الإعدام بالإجماع « رغم امتناعها على الفصول التي بها عقوبة الإعدام » ، متناسيا ما صرح به أمام اللجنة البرلمانية المختصة عند تقديمه لمشروع قانون العدل العسكري والذي وصفت فيه النائبة خديجة الرويسي آنذاك الطبقة السياسية بكونها جبانة في موضوع إلغاء عقوبة الإعدام، حيث كان جواب وزير العدل بعد أن سجل آنذاك انتقاده لهذا الوصف، يؤكد أن مشروع قانون العدل العسكري قد ألغى 13 حالة من الجرائم المعاقب عليها بالإعدام إلى عقوبة السجن المؤبد، واعتبر ذلك خطوة إيجابية، وهو موقف يضاف إلى موقف الوزير المكلف بإدارة الدفاع الوطني نفسه الذي أشاد بهذا الانجاز والذي اعتبره خطوة إيجابية نحو ما يسعى إليه البعض بقيام الحكومة باستبدال عقوبة الإعدام بالسجن المؤبد.   وأعتقد أنه من الذاكرة السياسية أن نذكر بجواب وزير العدل حول الموضوع سواء عند تقديم اقتراح قانون لإلغاء عقوبة الإعدام آمام لجنة العدل والتشريع أو عند جوابه على سؤال شفوي حول إمكانية إلغاء هذه العقوبة بكونها من الأحكام القطعية، وأن أي تعديل في هذا الموضوع يجب أن يتم من خلال مداولات اللجنة الوطنية لإصلاح منظومة العدالة، غير أنه خالف وعده ولم يتطرق المشروع لهذا الموضوع مطلقا.   أما الموقف الثاني فهو موقف السيد النقيب عبد الرحيم الجامعي الذي عبر عن اندهاشه وإحباطه من موقف البرلمانيين من هذا القانون، مؤكدا في رسالة مفتوحة أن هذا القانون مشبع بالإعدام وأنه ليس هناك معارض أو متحفظ عليه فيبدو أنه يطلب من ممثلي الأمة توضيح هذا الموقف إلى غير ذلك مما جاء في مقاله. إن مناقشة هذين الموقفين يقتضي أن نرد على كل واحد منهما رغم اختلاف منطلقاتهما.   فمن حيث ما صرح به وزير العدل والحريات، لم يصدمني أن يتصرف السيد الوزير بهذا الشكل الذي يغيب فيه نفس سلوك رجل الدولة ويحضر فيه ذلك الهم السياسي المبتذل والنظرة الحزبية الساعية إلى تسجيل بعض الانتصارات الوهمية والظرفية، الذي تستند على تسجيل المواقف الضيقة وتصفية الحسابات السياسية، فكيف يغيب على السيد وزير العدل منطق التضامن الحكومي ومبدأ وحدة المسؤولية بين أعضاء الحكومة، فحينما كان حاضرا بشكل تضامني مع السيد وزير إدارة الدفاع الوطني كان الاثنين يؤكدان على التطور الذي شهده هذا القانون بإلغاء 13 عقوبة بالإعدام في الجرائم ذات اختصاص هذه المحكمة، وعلى أن لهذا القانون بعد دولي وستكون له انعكاسات على صورة المغرب في الخارج، و أن هذا القانون يهم قوتنا المسلحة التي لا يوجد مطلقا خلاف سياسي حولها في ظل ظروف قضيتنا الوطنية، وقد دعا الوزيرين الجميع إلى التعامل الايجابي والتوافقي مع هذا القانون مع تسجيل استعداد الحكومة التعاون في نفس الاتجاه، فماذا تغير لينقض السيد وزير العدل على المعارضة في أول فرصة متناسيا طلبه هذا.   ورغم أن النقاش كان حادا في الكثير من التفاصيل وحول عقوبة الإعدام بالذات أثناء مناقشتنا لهذا القانون، فقد كان موقف المعارضة منقسم إلى قسمين: قوة ترى أن إلغاء 13 من عقوبة الإعدام بالمقارنة مع 18 التي كانت سابقا أي حوالي الثلثين تعتبر خطوة إيجابية يجب دعمها في أفق إلغاء هذه العقوبة الذي هو قرار يجب أن ينبع من أغلبية الأمة وليس من إرادة مبدئية لبعض المثقفين، ثانيا أن المحكمة اتجهت حول إلغاء استثنائيتها حول تخصصها باهتمامها بمرحلة الحرب وانفصالها عن مجال المدنيين وجرائم الحق العام للعسكريين، ثالثا أن المحكمة احترمت تعدد مراحل التقاضي بخلاف ما كانت عليه سابقا واعتبرنا أن هذه المكتسبات يجب الدفاع عنها في أفق التطوير نحو الأفضل، في مقابل دعوة البعض إلى الإلغاء النهائي لهذه المحكمة، والغريب في الأمر أن السيد وزير العدل في نقاشه أكد على نفس هذه المكاسب ودعا إلى التوافق حول القانون، وصوتت المعارضة بكاملها إضافة إلى حزب في الحكومة وهو فريق التقدم الديمقراطي بالامتناع على الفصول التي تنص على عقوبة الإعدام ، وهو موقف نابع من تصور مفاده أن القانون بما يتضمنه من مكاسب وحساسيته الناتجة من طبيعته وارتباطه بالمجال العسكري يتعين التوافق حوله، وكنا بين أمرين : إما أن نصوت ضد القانون، وبالتالي نصوت ضد إلغاء 13 عقوبة إعدام وضد تعدد مراحل التقاضي وطبيعة تخصص المحكمة ضد استثنائيتها وهي نفسها مبادئ لها أهميتها نفسها كالإلغاء الشامل لعقوبة الإعدام،,لا اعتقد أن هناك تفاضل بين المكاسب الحقوقية لارتباط بعضها ببعض وكذلك التصويت ضد هذا القانون يعني خلق رسالة قد توحي من قريب أو بعيد عن مدى قوة وحدتنا خلف القوات المسلحة، أو الخيار الثاني وهو أن نصوت بالإجماع على هذا القانون ترحيبا منا بالمستجدات الهامة التي حملها وامتناعنا فقط على الفصول التي بها عقوبة الإعدام وهو الموقف الذي نهجناه وعلى مضض .   فبروح من المسؤولية وفي جو من النقاش الحاد والمواقف والمواقف المضادة ، كنا أمام معادلتين، إما الإجماع حول قانون العدل العسكري وبالنتيجة التصويت بالامتناع على نصوص تهم عقوبة الإعدام ليكون تصويت المعارضة منسجما، أو التصويت بالرفض على هذه النصوص مما يتعين معه رفض القانون برمته ورفضنا لن يمنع القانون حسابيا من الحصول على الأصوات الكافية للمصادقة عليه، واخترنا المعادلة الأولى لكون السياسة هي فعل الممكن حتى لا أقول ما قاله رئيس حزب السيد الرميد ان السياسة فن التنازلات، فالسيد وزير العدل لم يصدق نفسه وهو يصرح أمام البعض بأن المعارضة عاجزة بتصويتها ، وهذا تصرف لا يليق بمسؤولي الدولة وهم المدركون بتفاصيل قضاياها ، فإذا كان وزير العدل يريد أن يسجل موقفا ضد المعارضة فهناك من القضايا ما يكفي في ذلك لكل ساعة وحين، وأما القضايا التي تهمنا كأمة وكقوات مسلحة فيقتضي التعامل معها بتجرد ونزاهة وبروح عالية من المسؤولية، وأما إلغاء عقوبة الإعدام فهي مسار قانوني وسياسي وتشريعي ومؤسساتي طويل الأمد يحتاج إلى دعم شعبي وقناعة وطنية لمكونات الأمة حوله ليتحول   إلى إرادة حقوقية ترفع من مستوى نظامنا التشريعي .   أما فيما يهم الأستاذ عبد الرحيم الجامعي   فالمحاماة علمتنا جميعا أن القانون وإعماله مكاسب مرحلية تقتضي تراكمات للبلوغ إلى الأمثل ، وهنا أوجه سؤالا بسيطا إلى نقيبي وأستاذي المحترم الذي كان عضو بلجنة الحوار حول إصلاح منظومة العدالة، كيف يمكن تفسير أن ميثاقها لم يشر مطلقا إلى إلغاء عقوبة الإعدام أو حتى التقليل منها، وأنتم كنتم آنذاك عضو فيها، فكيف لكم الحق في أن تحاسبوننا على ما لم تفلحوا في تمريره في الميثاق والفرق بينكم و بين ممثل الأمة انه يشرع بناء على إرادة المواطن باختياره لأغلبية تساند استمرار عقوبة الإعدام، ورغم ذلك لم تعلن عن إحباطك ولا عن أسفك، بل ما يزيد السؤال تعقيدا هو إعلانكم في ندوة القنيطرة وأمام جمع من المحامين والقضاة أن ما جاء في الميثاق ليس هو ما تم الاتفاق عليه ، ومرة أخرى لم تعلنوا عن إحباطكم وأسفكم ، فكيف تقبلون وأنتم النقيب والرئيس السابق لجمعية هيآت المحامين أن تتقاعسوا عن إعلان إحباطكم، بل رفضكم لما جاء في الميثاق ما دام ليس هو ما تداولتم حوله.   وأخيرا كم كنا نتمنى أن نلغي عقوبة الإعدام، لكن ذلك مرهون بإلغاء الأغلبية وذلك ليس من الممكن ديمقراطيا فمن الديمقراطية القبول بالنقيض، والعمل للحصول على الممكن في أفق الحصول على الكل.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة