مواطنون من الدرجة الثانية | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

مواطنون من الدرجة الثانية

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الثلاثاء 05 أغسطس 2014 م على الساعة 15:55

كان ذلك خلال رمضان المنصرم. السيدة التي تستضيفني كانت تحضر وجبة الفطور العائلي، ومعها شابة في حوالي الخامسة والعشرين، تشتغل كمساعدة منزلية. اقترب موعد الفطور ورأيت مضيفتي تحضر صينيتي فطور بأطباق فقيرة، غيرَ تلك المُعدَّة لنا. سألتها فعرفت أنها لحارس العمارة ولـ “خادمتها”. أضافت بأن حارس العمارة عازب يعيش بمفرده وأنها تبعث له الفطور الرمضاني كل يوم. ابتسمتُ في قرارة نفسي وأنا أفكر أننا، في المغرب بأسره، نعتبر بشكل أوتوماتيكي أن كل رجل عازب يقيم بمفرده، هو بالضرورة رجل لا يستطيع الاهتمام بشؤونه الصغيرة والكبيرة، بل ونتعاطف معه؛ وكأن الأمر طبيعي بديهي لا مناص منه. لو كان لمضيفتي جارة عازبة، هل كانت ستتعاطف مع عزوبيتها في رمضان بنفس الشكل؟ في الغالب لا؛ فالفتاة، “طبيعيا”، تستطيع أن تطبخ وتنظف بيتها، والشاب، “طبيعيا”، لا يستطيع ذلك، “مسكين”. في حين أن الطبيعة لا دخل لها بالموضوع، المرتبط أساسا بالتنشئة الاجتماعية التي تجعل تصورات كثيرة تدخل في حكم المتعارف عليه. لكن هذا ليس صلب المشكل، وإن كان يستدعي منا بعض التوقف والتأمل. الصينيتان التي كانت مضيفتي تعدهما احتويتا على فطورين فقيرين للغاية، بينما مائدتنا كانت تعج بأشكال “الشهيوات”. قالت مضيفتي: “مالهم موالفين ياكلو هاد الشي فديورهم؟”. يمكننا طبعا أن نضيف إلى جملتها: “ما موالفينش الكونجي”، “ما موالفينش يرتاحو نهار الأحد”، “ما موالفينش يمشيو عند الطبيب، وفي أحسن الأحول، نرسلهم عند الصبيطار الحكومي”، “ما موالفينش يقرّيو ولادهم”، إلخ… هي ليست حالة فردية معزولة. القصص المشابهة بالعشرات. نعرف الكثير منها. نروي الكثير منها. لنلاحظ أنه، بمجرد ما تفتح سيرة “الخادمات”، حتى تفتح معها جميع الأفواه. للكل قصص يحكيها ومغامرات يرويها. كثيرا أيضا ما نسمع حولنا أشخاصا يقولون، بغير قليل من الفخر: “أنا كندير مزيان مع الخدامة ديالي”. لتصبح المعاملة الإنسانية الجيدة استثناء يفتخر به البعض. الشيء نفسه الذي ينطبق على العاملات المنزليات، ينطبق على عاملة النظافة في مكان العمل، على حارس العمارة (وأطفاله، الذين لا يتم التعامل معه كبقية أطفال سكان العمارة، لأنهم يُعتَبرون، “طبيعيا”، أطفالا أقل شأنا)،… وكل تلك المهن التي تترجم بشكل بَيِّن الانتماء الاجتماعي البسيط لأصحابها. الكثير من هؤلاء الذين لديهم معاملات لا إنسانية لهذه الفئات المهنية، هم أشخاص متعلمون وبعضهم مدافعون شرسون عن حقوق الإنسان؛ وكأن حقوق الإنسان تتوقف عند الحقوق السياسية (مناهضة التعذيب، الدفاع عن الحق في التظاهر،…)، ولا تمس الحقوق الإنسانية المرتبطة بالحياة اليومية وبالكرامة. وكأن حقوق المرأة تتوقف عند ممارسة حقوقها السياسية (الكوطا، الوصول لمواقع القرار…). طبعا، لا يمكننا تبخيس المطالبة بهذه الحقوق، لأنها تدخل في إطار المساواة بين المواطنين وبناء دولة تحترم حقوق مواطنيها؛ لكن حقوق العمال المنزليين تدخل أيضا في إطار حقوق المرأة وحقوق الإنسان. حقهم في العيش الكريم وفي المعاملة الإنسانية وفي ظروف عمل تحترم إنسانيتهم وكرامتهم. هي ليست محاولة لإعطاء الدروس. كما أننا، في النهاية، لا يمكن أن نعتمد على النوايا الحسنة للأفراد، لكي نضمن معاملة إنسانية لعاملات البيوت وغيرهن من ممارسي المهن المشابهة. هو أولا وعي يجب نشره بين مختلف مكونات المجتمع، وهو أيضا وأساسا قانون يجب سنه وتفعيله، لضمان تلك الحقوق. والسؤال هو: لماذا لم يخرج هذا القانون بعد إلى الوجود، رغم أن النقاش حول مقترحه بدأ منذ سنوات؟ النوايا الحسنة وحدها لا تكفي…

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة