الاستبداد مصدر التطرف والإرهاب

الاستبداد مصدر التطرف والإرهاب

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الخميس 21 أغسطس 2014 م على الساعة 15:39

إن إعلان داعش قيام « الخلافة الإسلامية » في المناطق التي تسيطر عليها في العراق وسوريا يضعنا أمام سؤال مركزي : ما الذي يجعل المسلمين يتطلعون إلى دولة الخلافة دون الدولة الديمقراطية ؟ بخلاف شعوب الأرض التي ترقى بممارساتها السياسية عبر مراكمة التجارب وإغنائها في سبيل إقامة نموذج من الدولة ينسجم مع الطبيعة الخيّرة للإنسان ويقطع مع أساليب القهر والاستبداد ، تعيش شعوبنا العربية « حلم » عودة « الخلافة الإسلامية » وتتطلع إلى قيامها على أنقاض الدولة الوطنية.   هناك أسباب موضوعية وأخرى ثقافية تجعل شعوبنا تشمئز من الدولة الوطنية وتشرئب إلى الدولة الإسلامية ؛ إذ لو أجري استفتاء عام ونزيه وسط الشعوب العربية حول الاختيار بين الدولة الديمقراطية ودولة الخلافة ، لكانت غالبية الشعوب مع دولة الخلافة . بالتأكيد أن شعوبنا لم تعش تجربة دولة الخلافة ولا رصدتها في التجارب المعاصرة ، ورغم ذلك تتطلع إلى نظام الخلافة . بينما التجارب الديمقراطية التي تعيشها شعوب الدول الغربية لا تمثل نماذج تستقطب الاهتمام وتغربي الشعوب العربية بالاستفادة منها وإعادة تطبيقها في البيئة العربية . فهل بيئتنا العربية لا تصلح لبناء الدولة الديمقراطية ؟ أم أن المعوقات التاريخية والثقافية تحول دون ذلك ؟ أعتقد أن الأستاذ العروي محق فيما ذهب إليه لما اعتبر أن (إرثنا هو إرث الدولة السلطانية .. كانت السلطنة دولة القهر والسطو والاستغلال .   لم تكن تستوجب ولاء الفرد الذي كان يتولى عوضها الأمة والعشيرة . كانت الدولة معزولة كليا ومرفوضة ذهنيا ، حيث كان الجميع ينتظر بزوغ الخلافة أي الدولة الفضلى )(مفهوم الدولة ) . إن التجارب السياسية التي عاشتها الشعوب العربية/الإسلامية في ظل الدولة الوطنية لم تحترم كرامة المواطنين ولا ضمنت لهم حقوقهم السياسية وحرياتهم الفردية والجماعية . بل تميزت الأنظمة السياسية ، على اختلاف خلفياتها الإيديولوجية ، بممارسة القهر والاستبداد في أبشع صورهما دون أن تقدم تجارب مشرقة تجعل الشعوب تلمس إيجابيات الدولة الديمقراطية وتعيشها . وكون الشعوب ظلت تطمح إلى الحرية والكرامة والانعتاق من الاستعمار ومن الاستبداد ، فإن خيبتها كانت كبيرة وصدمتها من الأنظمة الناشئة عن مرحلة الاستعمار كانت قوية ؛ الأمر الذي جعلها موقنة أنه « ليس في الإمكان أحسن مما كان » . وهذا الواقع المرير غذى أحلام الشعوب في استرجاع نظام الخلافة كنمط وحيد يصلح للمسلمين . وقد ساهمت الثقافة الدينية في ترسيخ الاعتقاد لدى عموم الشعب أن الخلافة الإسلامية هي نظام اختاره الله لعباده وطبقه الرسول (ص) وخلفاؤه الأربعة من بعده .   بل إن هذه الثقافة صورت نظام الخلافة كنظام مثالي خال من الظلم والقهر والاستبداد حتى إن عموم المسلمين ترسخت لديهم صورة نمطية عن الحاكم الخليفة ، كما صاغتها المرويات ، وقد تجسدت في شخصية الخليفة عمر بن الخطاب في عدله وإنصافه وتواضعه . وبات المسلمون متطلعين إلى دولة الخلافة ليحكمهم حاكم من طينة عمر بن الخطاب يسير في الأسواق ويتفقد أحوال الرعية ويقضي من المتخاصمين ويقتص من الظالمين ويرد الحق للمظلومين ، حاكم يكلمه الناس في الطرقات ويؤمهم في الصلاة ويفضون إليه بمشاكلهم العائلية والشخصية ، حاكم ليس بينه وبينهم حجاب ولا حرس ولا عسس ، حاكم لا يخاف الشعب وينام تحت ظل الشجر غير خائف من غادر أو مارق وفق المقولة المأثورة « عدلت فنمت » . وبقدر مشاعر القهر التي تعصر قلوب المواطنين في الدولة الوطنية ، يزداد حنينهم وتشوقهم إلى دولة الخلافة ، من حيث هي أمر إلهي ومصدر للعدل والإنصاف . لهذا ، لا يفتأ عموم المواطنين يتطلعون إلى الدولة الإسلامية وليس الدولة الديمقراطية . وقد لعبت البرامج الدينية والتعليمية دورا مركزيا في ترسيخ الصورة المثالية لدولة الخلافة بعد أن سكتت عن أشكال فظيعة من الظلم والقهر وممارسات همجية وجرائم بشعة كان ضحيتها مسلمون لأسباب سياسية أو مذهبية . جرائم إذا قورنت بالجرائم التي ترتكبها الأنظمة الحاكمة في الدول الوطنية لصنفت ضمن « الجرائم الإنسانية » أو جرائم التطهير العرقي ، أو الإبادة الجماعية التي يعقب عليها القانون الدولي .   ولا يختلف في ارتكاب تلك الجرائم خلفاء صحابة الرسول أو حكام من التابعين أو أبناء الصحابة . فهذا الخليفة عثمان بن عفان « فتق بطن عمّار بن ياسر ضربا وركلا ، وكسر أضلاع ابن مسعود حب رسول الله ، ونفى أبا ذر إلى الربذة ، فقتل المسلمون خليفتهم ، وتم قتله بيد صحابة وأبناء صحابة  » ، بل رفضوا تشيعه في جنازة رسمية وأصروا على دفنه في مقبرة اليهود دون مقبرة المسلمين . ( ففي فتوح جرجان سال أهل مدينة طمسية قائد المسلمين سعيد بن العاص بن عم الخليفة القائم عثمان بن عفان الأمان ، مقابل استسلامهم على ألا يقتل منهم رجلا واحدا ، ووافق القائد سعيد ففتحوا له حصونهم فقرر الرجل أن يمزح ويلهو ويضحك ، فقتلهم جميعا إلا رجل واحد!وعندما وصل العباسيون إلى السلطة بدأوا حملة تطهير واسعة شملت من مواطني دمشق خمسين ألفا تم ذبحهم ، وجعلوا من المسجد الأموي إسطبلاً لخيولهم)(سيد القمني ، القمع في الخلافة الإسلامية .إيلاف).   إن المواطن العربي / المسلم كان إرثه الاستبداد ، وثقافته الدينية الاستبداد وتقديس تجربة الخلافة الأولى لن تجعل ثورته من أجل بناء الدولة الديمقراطية وإنهاء الاستبداد ، بل سيسعى إلى إقامة نظام أشد استبدادا مما سبق .

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة