السياسيون وغياب آداب الحوار | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

السياسيون وغياب آداب الحوار

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الثلاثاء 16 سبتمبر 2014 م على الساعة 12:03

في لقاء لي مع وزير الخارجية الأسبق السيد محمد بن عيسى، سألته حول موضوع الندوة المقبلة بأصيلة، فكان النقاش مفصل حول مواضيع عدة، إلا أنه سرعان ما أكد لي أنه يفكر هذه المرة في موضوع جدي وهو موضوع « أدب الحوار »، قال السيد السفير و الوزير السابق: « لغة الحوار يجب أن تكون راقية وتحترم أخلاقيات التعامل »، وبعد قليل حمل السيد بن عيسى حقائبه ليغادر المطار، وظل الموضوع عالق بذهني أفكر فيه ويذكرني بلقاءات البرلمان وحوارات التلفزيون، وربما أننا تعودنا أن نسعى إلى الحصول على مكاسب سياسية ظرفية في لحظة مساهمتنا في نقاش عام دون الانتباه إلى أسلوب حوارنا؟.   ظل الموضوع يشدني، ولأن الشيء بالشيء يُذكر، تذكرت ما قرأته عن الرئيس الفرنسي الجنرال « دوكول » أثناء الانتخابات الرئاسية لسنة 1965، حينما مكنه مساعدوه بصور تهم منافسه الرئيس فرونسوا ميتران ومارشال بيتال رئيس حكومة فيشي، والذي يعتبره جل الفرنسيون الخائن الأول للجمهورية، واقترح مساعدو الجنرال دوكول عليه تسريبها إلى الصحافة لتلطيخ سمعة منافسه للإنتخابات الرئاسية المرشح فرونسوا ميتران لضمان نجاح الجنرال في الانتخابات الرئاسية، فكان جواب الجنرال واضح وصريح، إذ رفض نشر الصور معقبا على مساعديه بالقول: لن أنشر هذه الصورة حتى لا أسيء إلى منصب رئيس الجمهورية الذي قد يعتليه  » فرونسوا ميتران  » في حالة فوزه في الانتخابات، ومرت الانتخابات ونجح الجنرال « دوكول » أمام الشعب وأمام نفسه وأمام التاريخ بأخلاقه العالية واحترامه للمؤسسات، والغريب في الأمر أن فرونسوا بعد سنوات عاش نفس القصة في حوار تلفزي مع الرئيس « جيسكار ديستار « سنة 1981، حين رد عليه الرئيس « جيسكار » قائلا: (أتعرف السيد فرونسوا ميتران كم هي قيمة المارك الألماني)، فكان جواب السيد الرئيس فرونسوا ميتران أنا لست تلميذ لديك، وعندما توقف الإرسال استدار إلى مساعديه قائلا كم كانت رغبتي جامحة في أن أرد عليه عندما سألني عن قيمة المارك مسائلا إياه عن قيمة « الماس » ، كناية على هدية الديكتاتور « بوكاصا » إلى الرئيس « جيسكار » والتي كانت من الماس وكانت هي الفضيحة التي لحقت بالرئيس « جيسكار ديستان »، وكانت كذلك من أسباب الهزيمة في الانتخابات الرئاسية.   إن السياسيون في المعارضة أو الأغلبية حينما يخاطبون غيرهم، عليهم أن يتذكروا أنه لا يمكن الفصل بين الشخص وطبيعة المنصب الذي يعتليه، وأن أي طعن في المنصب هو تقزيم لهيبة مؤسسات الدولة، فالنقد يجب أن ينصب عن السياسة والأفكار ويبتعد عن كل ما هو شخصي، أو يتضمن اتهامات لا مبرر ولا مصداقية لها، فرئيس الحكومة مؤسسة دستورية، والوزير منصب عال في الدولة، والبرلماني ممثل الأمة، والمعارضة بدورها مؤسسة، فهل يعقل أن نضحي بكل ذلك من أجل أن ننال من شخص؟ أو قصد الحصول على مكاسب سياسية ظرفية؟ ألا نحتاج إلى دروس في الحوار؟.   نتقادح بالكلمات والجمل نشغل الناس في بعض الأحيان، نثير فيهم حماسهم أو نثير تقززهم، نتخاطب ويتحرك رئيس الحكومة في القاعة المقدسة سياسيا بالبرلمان، يبعث بكلمات من عمق لغة الشارع، تثير ضحكاتنا ثارة أو تهز فينا نوازع الإحباط ثارة أخرى، متناسين أننا نتحرك داخل أجهزة الدولة، وللدولة هيبتها وللدولة احترامها، لكن الحماسة تأخذ بعضنا درجة البلادة، فنصبح ضحايا ألسنتنا ونعكر صفو اهتمام الناس بالسياسة، ونمسي مجرد ممثلين رديئين في مسرحية رديئة، وبعد انتهاء العرض نخرج نتعانق، فنعانق هذا وذاك ونهنئه على اختيار الكلمات، لكننا ننسى الدمار الذي أحدثناه برعونة أفكارنا وسذاجة كلماتنا.   إن قطار الدولة لا يمكنه أن يسير إلا على سكة كلمات راقية ومسؤولة ترفع النقاش السياسي إلى مستوى يضمن إحترام هذه المؤسسات، أما ونحن هزليون إلى هذه الدرجة نسخر من بعضنا البعض، بعقلية اتهامية حد السخافة لنرضي نزوات ضحكاتنا دون أن ندرك أن الشخص يمر بسرعة تواني العمر بينما الدولة ومؤسساتها تستمر وهي التي تتحمل النتائج وهي التي تعاني، وهي التي تغيب عن اهتماماتنا ونحن نبني هرم السياسية بالكلمات والجمل الساقطة.   إن من مسؤوليتنا جميعا أن نتأدب في حوارنا وأن يحترم كل واحد منا الآخر كيفما كان موقعه أو على الأقل أن يحترم نفسه.   هذه الملاحظات تثيرنا وأنا أرمق صديقي محمد بن عيسى وهو يحمل حقائبه خارجا من المطار، ربما يسافر مرة أخرى باحثا عن مكان قد يجد فيه نوعا من الاحترام و حد أدنى من آداب الحوار.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة