العطري لفبراير.كوم":هكذا ثارت قبائل الرحامنة ضد السلاطين العلويين من عهد السلطان عبد العزيز | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

العطري لفبراير.كوم »:هكذا ثارت قبائل الرحامنة ضد السلاطين العلويين من عهد السلطان عبد العزيز

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الثلاثاء 19 يونيو 2012 م على الساعة 13:49

صورة أرشيفية لطقوس البيعة

  ألا ترون أن الرحامنة قد عانت من غياب التوثيق ومن غياب كتابات حول مسارها التاريخي بالرغم من كونها من مجتمعات الندرة حيث تتوفر على مجموعة من المقومات التاريخية والثراء الثقافي والاجتماعي؟   لنتفق في البدء على أن العديد من القبائل المغربية، وليست الرحامنة وحدها، عانت من عسر التوثيق واستحالته في كثير من الأحيان، فالمبتور والبياض يعلو على الموثق والمكتوب، للأمر علائق متعددة بشيوع الشفاهي وانتصاره على « التقييد » و »التسجيل »، فضلا عن تأخر المصالحة مع التاريخ والذاكرة. لكن علينا أن نعترف أن الرحامنة لم تحظ بنفس الاهتمام التي حظيت به مناطق أخرى، بحثا واشتغالا، وعليه، فعندما نسائل المكتوب عن الرحامنة، سوف لن نجد إلا أعمالا قليلة، من قبيل كتاب مراكش لإدموند دوتي وكتاب الرحامنة وعلاقتهم بالمخزن لعبد الرزاق الصديقي والقائد العيادي لعمر الإبوركي، فضلا عن أعمال أخرى اتخذت من الرحامنة موطنا للاشتغال في مستوى أكاديمي تماما كما هو الأمر بالنسبة لأعمال محمد عبد ربي والمختار شفيق والسعدية عزيزي، ومع ذلك كله تبقى الكثير من البياضات في حاجة إلى ملء وإعادة كتابة، فالأعمال المذكورة مشكورة على أصالة المنجز وقوة الرصد و التحليل، جاءت جميعها لسد ولو جزء صغير من الثغرة التي يعرفها البحث العلمي حول المنطقة. بالطبع الرحامنة تنتمي بقوة الأشياء إلى مجتمعات الندرة، وثمة قاعدة أنثروبولوجية كثيرا ما ألح عليها جورج بالاندييه، وهي أن مجتمعات الندرة، وفي مقابل ندرتها تعرف ثراء وغنى نوعيا على مستوى الطقوس والرموز التي تستند إليها، ففي مقابل عطوبية وقفر المجال هناك ثراء قيمي وطقوسي يلوح في تاريخ من الأداء الاجتماعي المنفتح.  والمطلوب اليوم أن ننتقل من الاشتغال بصيغة المفرد إلى الاشتغال بصيغة الجمع، لكي نستجمع هذا التراث الثقافي، ونستنطق الذاكرة الشعبية، من أفواه المسنين وسير حيواتهم، ولا ننسى دائما أن شيخا يموت هو بمثابة مكتبة تحترق.       غياب الثوثيق لمسار قبيلة الرحامنة، هل يمكن القول على أن مرده تمردها على المخزن بداية القرن الماضي؟ أولا لنعترف بأن مسألة الغياب الكلي للتوثيق غير حاضرة بهذا المعنى القطعى، لقد قلت بأن هناك محدودية للتوثيق، وأن الكثير من الجهود يجب أن تستثمر في هذا الباب، لأنه عندما نعود إلى المصادر التاريخية مثل الاستقصا وتاريخ الضعيف وإتحاف أعلام الناس والترجمانة الكبرى… سوف نجد إسم القبيلة يتردد، بل سوف سيتردد كثيرا اتصالا بالتمردات التي عرفتها القبيلة، والتي كانت في الغالب تتصل بالظروف الاجتماعية والاقتصادية التي كانت تمر منها البلاد. يتوجب النظر إذا إلى علاقة الرحامنة بالمخزن والزاوية، في سياق عام من التحولات التي عرفها مغرب القرن التاسع عشر، حيث الأطماع الخارجية تتواتر والأزمات التدبيرية في مستوى السلطة المخزنية لا تكاد تنخمد إلا لتنطلق شراراتها من جديد، اتصالا بموت سلطان وعُسْر استخلاف، فضلا عن القحوط والجوائح المتوالية. لهذا يتوجب الرجوع إلى القبيلة في علاقاتها الممكنة مع المخزن لتجاوز هذا الالتباس، ثم مع الزاوية لاكتشاف حدود وامتداد المقدس في صناعة النخبة المحلية وتجسير العلاقات مع المخزن أيضا، فالزاوية، أية زاوية، لا تمنع نفسها من التحالف أو التعارض مع السلطة المخزنية، تبعا للغة المصالح والتوازنـات.   لقد خبرت القبيلة، كما أشرتم في كتابة ثقافة الترحال، فماذا كانت نتيجة الاستقرار أخيرا بحوز مراكش؟ إن تموقع المجال الرحماني على خط رابط بين مراكش والرباط وفاس سيعزز لا محالة آليات ومظاهر الاستقرار، بدءا بالنزالات وانتهاء بالمراكز القروية وشبه الحضرية، فإذا كان الترحال في المجال الصحراوي تحدده عوامل سياسية واجتماعية واقتصادية، فضلا عن حساسية العامل الطبيعي، وهو ما خبرته القبيلة تاريخيا في حركيتها الجغرافية من الصحراء إلى الحوز، فإن هذه العوامل مجتمعة ستدفع باتجاه معطى الاستقرار والانتقال بالتالي « من الخيمة إلى النوالة ». وبالطبع فهذا الانتقال لن تكون نتائجه مقتصرة على مورفولوجيا السكن، بل سيمتد في تأثيره إلى البناء الاجتماعي للقبيلة، والانتماء المجالي لأفرادها ومجموعاتها، بما يعنيه ذلك كله، من إنتاج لمكانات ووضعيات سوسيوسياسية جديدة. فالانتقال من واقعة الخيمة إلى النوالة لا يختزل تغييرا اجتماعيا من نمط رعوي إلى آخر زراعي، ولكنه يستدمج تغييرا دالا إلى نمط سياسي وثقافي مختلف، يستثمر الطقوس والرموز الدينية ويصنع التراتبات ويولد الزعامات. إن الأمر يتعلق بقبيلة تختزن في تاريخها مسارات من الانتماءات إلى ممارسات رعوية وتجارية وزراعية، فقد مارس الرحامنة الترحال الرعوي خلال مقامهم بالصحراء، كما مارسوا التجارة فضلا عن الزراعة على طول رحلتهم الكبرى من تخوم الصحراء إلى سهل سوس، فسهل الحوز أخيرا، وبديهي أن تكون لهذه الممارسات والانتماءات امتدادات حتى في الوقت الراهن. فتعدد الانتماءات إلى سجلات إيكولوجية متنوعة، والذي حصر مسار القبيلة في الاتجاه المؤطر لأغلب الحركيات السكانية وهو اتجاه « جنوب/ شمال »، سيوضح في منتهاه بمنطقة الحوز، أن الأمر متعلق بحركية استراتيجية وسياسية أكثر منها اقتصادية وإيكولوجية، فالعامل الطبيعي حاسم ومؤثر في صناعة الحركية القبلية، لكنه عامل ضمن عوامل أخرى تنفتح على قدر عال من التركيب.       قلتم في أحد فقرات كتابكم الجديد على أن الرحامنة لم تكتف بالتفرج على الأزمات بل كانت تبحث عن التموقع، كيف ذلك؟ لم تسلم علاقة الرحامنة بالمخزن من ذلك التصور المبني على التعارض، والذي هيمن على مختلف الدراسات الكولونيالية، فكثيرا ما لاحت هذه القبيلة في الكتابات الاستعمارية وحتى كتابات ما بعد الاستقلال كقبيلة سائبة ومتمردة وألا علاقة تربطها بالمخزن غير واقعة الانتماء إلى بلاد السيبة في مقابل بلاد المخزن، لكن ثنائيات التعارض لا تصمد أمام حالات، تؤيد وجود علاقات مستمرة بين المخزن وقبيلة الرحامنة. لهذا وبالرغم من تركيزنا على « سوء العلاقة » بين الرحامنة والمخزن خلال القرن التاسع عشر، فإن ذلك لا يعني انضباطا تاما لذلك التصور الكولونيالي، بل يتأسس على اعتبار هذه الوقائع السوسيوسياسية، كعناصر فاعلة في إعادة صياغة وترتيب « الاجتماعي » داخل المجال. فقراءة هذه الوقائع لا تسعف في كشف محدودية نظرية التعارض الكولونيالية، بل تساعد في فهم شروط إنتاج وإعادة إنتاج الاجتماعي وباقي مظاهر التطور السلطوي. ذلك أن تمردات وانتفاضات الرحامنة لا يتوجب فهمها من داخل مقترب اقتصادي يبحث عن الغائب في البادية/ الحاضر في المدينة، وإنما هي حركيات مجالية وسياسية تروم إعادة كتابة تاريخ النسق وفق نمط جديد من توزيع واقتسام الثروة الرمزية قبل المادية. فالانتفاضات، وبالرغم من حركيتها المجالية في اتجاه المدينة، أي في اتجاه « خارج القبيلة »، فإنها كانت بمثابة رد فعل على ما يجري « داخل القبيلة »، ضدا على ما كان يمارسه ممثلو المخزن من إكراه وعنف اتصالا بجمع الضرائب التي تتعالى قيمتها وترتفع أصوات المطالبة بها، كلما كانت هناك أزمة أو ضائقة مالية يعاني منها المخزن المركزي، لكن اللجوء إلى الانتفاضة والتمرد لم يكن أول الخطو في تدبير ردود الفعل القبلية، فالوثائق التاريخية تفيد أن الرحامنة كانوا يعتمدون على  تدخلات الشرفاء والأعيان لإبلاغ المخزن بمعاناتهم وتطلعاتهم. الرد المخزني في أعقاب هذه الانتفاضات يكون قاسيا، ولا يتحدد في إثقال الكاهل بالغرامة، بل يعمد إلى ضرب الحصار على المجال الرحماني من جهة الجنوب، والمنع من التردد على مراعي الدير، وانتزاع الأراضي الخصبة من الرحامنة وإقطاعها لقبائل أخرى منافسة لهم. لكن تعاطي المخزن مع تمردات الرحامنة لم يقتصر على انتزاع الأرض، بل سيمتد إلى توسيع التمثيلية المخزنية، ففي عهد السلطان سيدي محمد كان هناك قائدان عاملان على الرحامنة وهما القائد محمد بن بلة والقائد العربي بن الشرقي، إلا أنه في العهد الحسني سيتم تعيين ثمانية قياد، وفي العهد العزيزي سيتم تقسيم التراب الرحماني إلى عشر إيالات، عملا بمبدأ « مزيدا من التقسيم من أجل مزيد من الضبط ».  في كتبكم اكدتم  بأننا انتقلنا من القبيلة إلى القبلية كيف ذلك؟ لقد بات واضحا، من خلال ما سبق، أن البنيات التقليدية المؤسسة للتضامن الجمعي، قد تعرضت لمزيد من التكسير والتدخل وإعادة التشكيل، بدءا من الفترة الاستعمارية وإلى غاية مرحلة الاستقلال التي شهدت تعميق نفوذ الدولة/ المخزن. فالقبيلة سوف تتوارى كمؤسسة تنظيمية، ومن دون أن تغيب كبنية موجهة ومحددة للتصورات والممارسات والقيم، بما يدل على أن الانتقال حدث من القبيلة إلى القبلية Du Tribu Au Tribalisme. لقد انتهى مغرب القبائل مع إعلان موت « اجماعة »، لكن مغرب القبليات سيظهر متخذا صيغا وانبناءات شتى، وهو ما يلوح جليا في الدعوات المحلية إلى الانتصار إلى الأصل القبلي، وتقديم الولاء للقبيلة على الولاء للوطن، بما يدل على أن العسر الملاحظ في شأن الانتقال من المخزن إلى الدولة، قد امتد أيضا إلى واقعة الانتقال من الانتماء القبلي إلى الانتماء الوطني. لكن، هل الدولة التي أعلنت أنها جاءت لتكسير الأساس العرقي القبلي واستبداله بالأساس الترابي الإداري، قد أسست فعلا لخيار الولاء للوطن بدل الولاء للقبيلة؟ أم انها أسهمت بقسط وافر، عن طريق ممارساتها وتدخلاتها، في إعادة تشكيل البنيات والتصورات القبلية، وفق ما تؤطره وتدعمه الخطاطة التالية: « مؤسسات عصرية بممارسات وتمثلات تقليدية »؟ فهل ما زالت القبيلة حاضرة كإطار اقتصادي وسياسي؟ أم أنها توجد فقط كتصور وكسلطة رمزية تحدد السلوكات والانتماءات؟ إن الاعتزاز بالقبيلة واضح في تصورات الكثيرين من الأفراد، وهو ما يؤكد استحالة محو القبيلة من عمق التمثلات، بما يؤكد بأن الذي حصل انتقالا، فقط، هو استبدال القبيلة بالقبلية، فالقبيلة تلاشت كمؤسسة تنظيمية، لكنها ما زالت حاضرة كنظام رمزي محدد وموجه للقيم والتصورات والممارسات. إن التحولات الاجتماعية لا تتخذ بالضرورة مسارات واضحة وخطية في اتجاه واحد، إنها أشبه ما تكون بخطوط تحتمل الامتداد والانكسار والارتفاع والانحدار والتوازي والتقاطع، فليس هناك من تحول اجتماعي واحد وموحد الأداء والاتجاه، وهذا ما يجعل التحول بارزا ومتسارعا في حالة ما، وبطيئا وغير ملحوظ في أمور أخرى. إن الانتقال من القبيلة إلى القبلية، وإن كان ثمرة مباشرة للتكسيرات التي دشنت خلال الاستعمار واستمرت مع الاستقلال، فإنه يعد أيضا نتاجا خالصا لمسارات مخزنة المجتمع، وتراجع الجمعي وبروز الفردي. وهو أيضا محصلة نهائية لصعوبة الحسم في الانتماء إلى التقليد أو العصرنة. ولهذا يمكن القول ختاما بأن القبيلة تخضع اليوم في المجتمع المغربي لثنائية الحضور والغياب، فهي غائبة كمؤسسة تنظيمية تصنع القرار وتوجهه، تماما كما كان الأمر بالنسبة لمغرب القرن التاسع عشر، وحتى في بداية عهد الاستعمار، لكنها حاضرة كإطار للهوية والانتماء.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة