حكاية المعطوبين أو ضحايا الحب في عيدهم السنوي | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

حكاية المعطوبين أو ضحايا الحب في عيدهم السنوي

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الثلاثاء 14 فبراير 2012 م على الساعة 17:27

  بدت شبه منهارة.. دموع ساخنة تنهمر من وجنيتها، ورقة ترام في يدها اليمنى، ويدها اليسرى ترتعش، وفي القلب أنين مكتوم تردد صداه شفتان ذابلتان، آخر كلمة قرأتها له قبل أن تصعد: «يجمل بهم أن يضيفوا نوعا جديدا من المقاعد المحجوزة داخل عربات الترام ومقصورات القطار، تكون خاصة بضحايا الحب». تقول الفتاة عن نفسها بالفرنسية: «j’étais folle amoureuse de lui»، وهو أحد أسباب التعسف العاطفي والتجني على أنفس أحبت بصدق، فخرجت تلف قلوبها المعطوبة بضمادات الصبر والنسيان. العرب تعاملوا منذ القدم مع العشق كظاهرة شعرية وحالة مرضية في آن. وميزوا دائما بين درجات العشق والغرام، وحددوا الدرجة التي يتحول فيها الشعور بالحب إلى داء شاق وأليم وأحيانا مميت، كما هو الحال في الحالات المرضية التي انتهت إلى الجنون أو الموت، والمدونة بتفصيل ممل في كتاب «مصارع العشاق» لصاحبه محمد السراج القارئ. فالإحساس بالعشق، أو بالأحرى الإصابة بالعشق، شكل مادة خصبة اقتات عليها الشعراء العرب في نسج أجمل أشعارهم وحياكة أفصح ملاحم الشغف والهيام بين المحبين، لكن مأساة العاشقين الحقيقية كانت تستدعي علاجا فعالا وواقعيا للعشق باعتباره مرض له صفة «باثولوجية» -إن شئنا استخدام مصطلح أكثر عصرية. وكما يقول الباحث عبد الناصر كعدان «إن الأطباء المسلمين القدامى، وعلى نحو مخالف للشعراء، قد نظروا إلى هذا المرض على أنه حالة مرضية كغيره من الأمراض العصبية أو النفسية كالصرع والصداع والسوداء، له أسبابه المرضية وعلاماته وأعراضه وعلاجه. فأفاضوا في شرحه موضحين أن لهذا المرض علاجات مختلفة تطبق حسب حالة المريض وحسب درجة ثقافته، بالإضافة لطبيعة الظروف المحيطة به.» فالعشق عند ابن سينا « مرض وسواسي شبيه بالمالينخوليا Melancholy، يكون الإنسان قد جلبه إلى نفسه بتسليط فكرته على استحسان بعض الصور والشمائل التي له، سواء أعانته على ذلك شهوته أم لم تعنه». ويضيف ابن سينا في العلامات التشخيصية للداء كما ينقل عنه كعدان «وعلامته غؤور العين ويبسها وعدم الدمع إلا عند البكاء، وحركة متصلة للجفن ضاحكة كأنه ينظر إلى شيء لذيذ أو يسمع خبرا سارا أو يمزح. ويكون نفسه كثير الانقطاع والاسترداد فيكون كثير الصعداء. ويتغير حاله إلى فرح وضحك أو إلى غم وبكاء عند سماع الغزل ولاسيما عند ذكر الهجر والنوى». في الوقت الحالي ربما العشق بمعاني الهجر والنوى التي تحدث عنه ابن سينا صار أقل انتشارا وحدوثا، ففايسبوك وتويتر ومقاعد الجامعة والمقاهي والنوادي والفضاءات المختلفة، حدت من عقد اللسان وحواجز الزمان والمكان، فمن لم يستطع الحديث مباشرة يرسل مشاعره وأحاسيسه على تغريدة تويتر، أو ينطقها من وراء حجاب على ميسنجر. يحاجج البعض بأن المصطلح الطبي الحديث يستعمل لفظ الضغط العاطفي Emotional Stress، للدلالة على داء العشق كما تحدث عنه العرب قديما، إلاّ أن البحث يجعل تسمية Emotional Stress لا يدل بالضرورة على الشقاء النفسي الناتج عن التجربة الغرامية، بل يحيل على إرهاق العمل وضغط الامتحانات والمشاكل الأسرية وغيرها. وسواء كان اسمه المانخوليا أو ألم الفقد والهجران أو الضغط العاطفي، فالسؤال يكون عمن يهتم بمعطوبي وضحايا حب الزمن الحالي، ويجفف دموعهم ويرق لحالهم، وعمن يوفر لهم العلاج والدواء ويسهر على سلامتهم النفسية واستعادة عافيتهم الروحية والعاطفية بعد تجارب عاطفية صعبة خدشت قلوبهم الصغيرة، وخلفت بداخلها جراحا عصية على الالتئام. فهل تبادر شركة الترام والمكتب الوطني للسكك الحديدة لإضافة نوع جديد من المقاعد، يجلس على متنه من تقطع بهم السُّبل في مغامرة عاطفية فاشلة، في انتظار أن يصلوا إلى محطة أكثر أمانا ورفقا ورحمة، ويجلسوا في مقاعد كتب قربها «خاص بالمعطوبين وضحايا الحب».  

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة