عصيد: العلمانية موجودة في ثقافتنا الشعبية منذ قرون

عصيد: العلمانية موجودة في ثقافتنا الشعبية منذ قرون

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الجمعة 05 أكتوبر 2012 م على الساعة 16:45

ناقش متدخلون من المغرب وبلجيكا خلال الندوة الدولية التي نظمتها الجمعية المغربية لحقوق الانسان، بالمركز الدولي للشباب والطفولة ببوزنيقة نهاية الأسبوع المنصرم، موضوع العلمانية وحقوق المرأة، من خلال محاور متعددة كان أهمها الرؤية الحقوقية للعلمانية، ومسألة العلمانية وحقوق الإنسان، وكذا مسألة العلمانية باعتبارها مفهوما ملتبسا ومثيرا ويطرح نفسه بإلحاح في السياقات التي يعيشها المغرب والعالم العربي. وركزت هند عروب، الباحثة في العلوم السياسية وحقوق المرأة، على مفهوم الدولة المدنية باعتبارها الضامنة لمجموع الحريات الثقافية والحقوقية والسياسية وحرية التعبير، والضامن الرئيس للفصل بين السلط، معتبرة أن الدولة المدنية لا يمكن أن تشكل خارج مبدأ سيادة القانون، حيث تجبر الحكومات على الإنصات لشعوبها، وتشكل جسرا حقيقيا نحو الديمقراطية التي ستكفل فيها الحقوق المدنية، ويمكن عبرها تأسيس شبكات المحاسبة والمساءلة، ولا يمكن سريان ذلك دون العدالة المستقلة والمساواة. وفي معرض الجزء الثاني من مداخلة هند تناولت الباحثة ومستشارة عدد من المنظمات الدولية في حقوق الإنسان، علاقة العلمانية بالمساواة بين الجنسين، إذ لايمكن فهم هذا الجدل خارج السياق الثقافي، حيث يلعب تأويل الفقه السلفي في العالم العربي الإسلامي دورا أساسيا في تشكيل صورتنا عن المرأة، وهي حسب عروب تأويلات تجعل من المرأة ناقصة وكائنا دون الرجل، وأشارت إلى سياقات إصلاح مدونة الأحوال الشخصية وما شابها من تعدد المتدخلين الذين وظفوا المقدس والشريعة باستعمال آلية الحلال والحرام، مبرزة أن عددا من التنظيمات والمؤسسات تستخدم ورقة المرأة في التسويق لطروحاتها من جهة واستغلال الكوطا للرفع من حضورها من جهة أخرى. وخلصت هند عروب إلى أن نقاش المرأة والمساواة يجب أن يخرج من الدائرة الدينية إلى دائرة النقاش الوضعي، وأن يصبح نقاشا مجتمعيا، مبررة ذلك بأن مسألة فصل الدين عن السياسة لا تعني بالضرورة فصل الدين عن المجتمع، موصية في الختام بنات جنسها بأن يكففن عن لعب دور الضحية وأن يقتلن الذكر الذي يرابط بداخلهن. القلق الفكري والمجتمعي عبد الحفيظ إسلامي، المناضل الحقوقي والباحث في العلمانية، من جهته بدأ مداخلته بالتعريف بالعلمانية من خلال المرجعيات الدولية لحقوق الإنسان، مؤكدا فضل الحراك في جعل قضايا من قبيل العلمانية والديموقراطية في قلب الصراع السائد، مؤكدا أن كل قلق مجتمعي ينعكس في شكل قلق فكري يصاحبه ويؤطره، واعتبر المتدخل أن محاولات الفصل بين هذه المفاهيم هي من أخطر الممارسات الفكرية تأثيرا على فهم الناس لها أو سعيهم نحوها، حيث لا مجال للقول مثلا إن أنظمة ديكتاتورية يمكنها أن تكون علمانية والعكس، مستشهدا بأمثلة من العالم الإسلامي والعربي، وقال إسلامي إن العلمانية ممارسة ومبدأ ليس بالضرورة منصوص عليه في الدساتير لكنه في المقابل مبدأ يرفض أن يكون هوية، وختم الناشط الحقوقي مداخلته بالتعبير عن صعوبة تحقق المفهوم في معناه الحقيقي وهو ما أكده تقرير للأمم المتحدة اعتبر أنه من المستحيل تطبيق هذا المفهوم بشكل يقي الأقليات الإثنية من آثاره الوخيمة. العلمانية ليست غربية أما أحمد عصيد فطرح في مطلع ورقته سؤال لماذا ترك مفهوم الأصالة للتيارات السلفية والإسلامية؟ وشدد على ضرورة التأصيل لمفهوم العلمانية في ثقافتنا الشعبية، محذرا ممن يحاولون إقناع المغاربة بأن حقوق الإنسان مفهوم غربي حيث نفى ذلك جملة وتفصيلا، وقدم كمثال مفهوم المجتمع المحافظ كنموذج متسائلا عن الممتنعين عن التصويت في الانتخابات والذين لم يصوتوا لصالح العدالة والتنمية أين هم، وماذا يريدون؟ منكرا على من يناضل في سبيل العلمانية التعلل بموازين القوى، لأن الحق، حسب عصيد، لايتبع الأغلبية أو الأقلية. وعلى عكس جميع الآراء في الندوة، اعتبر الباحث الأمازيغي، أن صعود الإسلاميين إلى الحكم يعيد صياغة سؤال الحاجة إلى العلمانية بشكل أكثر إصرارا، ويدفع الديموقراطيين إلى التدخل. في الجزء الثاني من مداخلته التي تفاعل معها الحاضرون بالندوة، تناول أحمد عصيد العلاقة بين العلمانية وحقوق المرأة مؤسسا رؤيته على أربعة نقاط. أولا: العلمانية كمبدأ فلسفي يعطي الأولوية للإنسان، باعتباره أسمى ما يمكن النضال من أجله، وأن الفقه الذكوري يعتبر أن النص الديني أهم من الإنسان. ثانيا: العلمانية فكريا هي استقلال العقل وسلطته وهكذا يمكن نفي سلطة النص. ثالثا: العلمانية هي حياد المؤسسات، وهذا يؤدي الى المساواة، السبب الذي يجعل الذكورة تسمو هو انحياز المؤسسات بما فيها الدين، مؤكدا أن الوضع الدوني للمرأة سببه الانتقال من المجتمع الأمومي الى المجتمع الأبيسي. رابعا: العلمانية اجتماعيا هي الحق في الاختلاف، وهكذا ينفى التفاوت بين الجنسين على جميع المستويات جسديا وعمليا وفكريا. في الجزء الثالث والأخير من تدخله، تناول أحمد عصيد الثقافة المجتمعية الأمازيغية ومكانة المرأة فيها كمحور للحياة، مقدما مثال اسم المرأة في الأمازيغية «تمغارت» الذي يفيد الرئيسة أو القائدة، وهو من ترسبات المجتمع الأميسي الأمازيغي والذي عرفته حتى بعض المجتمعات الإفريقية منذ عهود قريبة. وضرب الأكاديمي الأمازيغي مثالا بالفنون الشعبية الأمازيغية التي تولي المرأة مكانة مهمة ومركزية بما توحي به هذه الفنون من فرح وقيم اجتماعية. كما قدم عصيد مثالا عن القوانين العرفية المدونة لدى الأمازيغيين المغاربة التي كانت تغرم الرجل الأمازيغي الذي يعتدي على زوجته أربعة مثاقيل.. وفي نهاية تدخله عاد عصيد إلى التأكيد على أن العلمانية ليست غربية المنشأ ولا السياق بل هي كونية، وهناك نصوص في الفكر الإسلامي تحمل معالمها. من الضفة الأخرى من الضفة الأخرى قدم بونوا دير فار، عضو مركز العلمانية ببروكسيل، عرضه مبتدئا بالصورة التي تتشكل لدى الشعوب الأوروبية حول نتائج ما يسمى بالربيع العربي، وما صاحبه من أحداث وصول الإسلاميين إلى الحكم، وبعض الوقائع المتمثلة في تونس ومصر، مؤكدا أن هذا أمر طبيعي حيث أخذت أوروبا وقتا طويلا في الوصول إلى ما وصلت إليه، حيث لم تصل المرأة في بلجيكا إلى المشاركة السياسية إلا في سنة 1948، وأكد بونوا أن العلمانية يمكن أن تكون وسيلة جيدة للحصول على عدد من الحقوق وتكريسها، رغم أنها كانت ضحية للتأويلات والإضافات مما يجعل مسألة المفهوم مسألة هامة، ودعا الناشط البلجيكي في نهاية تدخله إلى ميثاق علمانية مؤسساتية يمكن أن تلعب دورا في الوقاية من تداعيات وصول اليمين المتطرف إلى الحكم في عدد من بلدان القارة العجوز.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة