الأسواق التقليدية بجامع الفناء بمراكش بعيون سائحة أمريكية تسائل المسؤولين: تعرضنا للابتزاز واشترينا منتوجات بأضعاف سعرها

الأسواق التقليدية بجامع الفناء بمراكش بعيون سائحة أمريكية تسائل المسؤولين: تعرضنا للابتزاز واشترينا منتوجات بأضعاف سعرها

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الجمعة 01 نوفمبر 2013 م على الساعة 10:57

حينما احتاجت « سكوت » لشراء قبعة تقيها حر الشمس…كان ذلك مع الأسف أول أخطائنا. ضللنا الطريق في أسواق مدينة مراكش لأكثر من ساعتين، فكان كل منعطف، وزقاق يحيلنا على زقاق آخر، وبالرغم من أن « سكوت » كانت تستعمل واقية تقيها من الشمس، فقد احترق وجهها ، واستمر الأمر، إلى أن اهتدينا لمحل لبيع القبعات المصنوعة من القش، وهناك استظللنا  بظل المتجر ، لتنطلق المساومات لشراء قبعة تقليدية، تقي حر الشمس. « كم ثمن القبعة؟ »،  تسأل سكوت صاحب المتجر بالفرنسية.   « ثلاثة آلالاف درهم »، أجاب صاحب المتجر- وهو ثمن يعادل تقريبا 360 دولارا. وبالرغم من أنني كنت أعلم أن الثمن الأول عبارة عن جزء من اللعبة، فقد حجمت عن الكلام، وبدأت مع نفسي في تعداد عيوب القبعة، التي لم تكن مصنوعة من القش. وفي تلك الأثناء، انهمك صاحب المحل، وسكوت، في مفاوضات، ومساومات،  حول ثمن القبعة: ألف درهم… 1000 درهم…  120…500، إلى أن اتفقوا في النهاية على ثمن 160 درهما، أي مايعادل  20 دولارا. لقد كانت هذه هي المرة الأولى، التي نساوم فيها من أجل اقتناء شيء ما. بعد ذلك خرجنا من المحل، وواصلنا سيرنا، ونحن فخورين جدا بأنفسنا، حيث نجحت سكوت في تخفيض ثمن القبعة بنسبة2.840 درهم في نهاية الأمر. ولم تمر سوى بضع دقائق، حتى أدركنا أننا كنا بلهاء وأغبياء.  فالقبعة، التي اقتنيناها بثمن 20 دولارا، لم تكن تساوي سوى 10 دولار، لاسيما وأنها لاتبدو مصنوعة يدويا.  نعم، لقد كانت مليئة بالعيوب. لنقضي بقية اليوم في محاولة لفهم عقليتنا، وكيف انطلت علينا حيلة البائع، تماما مثل شخص أحس بتأنيب الضمير، والندم، مما اشتراه. بطبيعة الحال، فقد كنا نعلم الأمور بشكل أفضل، فقبل أن أرافق سكوت جنبا إلى جنب ، قضيت أنا وخطيبي عطلة لمدة خمسة أيام بالجنوب المغربي، حيث وضعنا آنذاك جدولا زمنيا، على طول الرحلة، لنعرف اكثر عن العادات في الأسواق المغربية، وبخاصة في ساحة « جامع الفنا » بمراكش، التي تعد من مواقع التراث العالمي، حسب منظمة  اليونسكو، وكمركز تجاري بالمدينة القديمة لمراكش.  لقد كنا نعلم مسبقا أننا سندخل في مساومات على كل شيء – و إذا حدث فعلا وأن أحسنا المساومات بشكل جيد، فستكون لدينا فرصة للحصول على صفقات لا تصدق لديكور شقتنا الجديدة. لكن مع ذلك، لم نكن من طينة أولئك الناس الصارمين للغاية، لذلك ترسخت لدينا فكرة أن كل معاملة تجارية، لايجب أن تكون مواجهة تخويف، خصوصا أننا كنا نعلم كأجانب أنه لن تكون لنا أبدا اليد العليا، والصوت المسموع، في المعاملات التجارية هنا بمراكش.  فخلال عشاء بباريس، دعتنا إليه صديقة سكوت، أوضحت لنا ، أن مدينة مراكش، توفر لزائرها، أربعة أسعار:فهناك سعر خاص بالسياح الأمريكيين ، سعر منخفض للسياح الفرنسيين، سعر آخر منخفض يتمتع به المغاربة المقيمون بباريس، في حين يتمتع المواطنون المغاربة، والسكان المحليين بأرخص الأسعار. لذلك كنا نعلم أننا لن نظفر بالسعر الثالث، والرابع، لكن وبسبب أن سكوت كانت تتحدث اللغة الفرنسية بطلاقة، وكانت تتقن القليل من اللغة العربية، فقد اعتقدنا أننا سنقتني الأشياء، التي نرغب فيها، بالسعر الثاني، هذا في الوقت، الذي أحجمت فيه عن الكلام، مادمت لا أتحدث أيا من اللغتين.  بعد حيلة القبعة، والفشل، الذي منينا به، وبعد المواجهات غير سارة مع بعض الباعة في سوق جامع الفنا، اجتمعنا مجددا، فدلنا رئيس رياض تقليدي بالمدينة القديمة، عن سوق تقليدي، تباع فيه المعروضات بثمن قار، يوجد بالقرب من ضريح السعديين، وهو السوق، الذي قد يوفر على أغبياء أمثالنا،  جهد، وضغط المساومات. واصلنا المسير، في اتجاه حديقة تفوح منها رائحة أزهار معطرة، بمحاذاة مسجد الكتبية، إلى أن واصلنا إلى سوق كان مكتظا بالباعة، ومكدسا بأنواع المعروضات، والسلع، التي يمكن أن تجدها في جميع أسواق مدينة مراكش: عطور، زرابي، خدمات الشاي، فوانيس، ومقتنيات تذكارية. وفي متجر مليء بأنواع السلع، لايظهر من الطاقم المشرف على ذلك المتجر إلا الوجه،  حيث لم يكن العمال يظهرون من وراء أكوم  من الجلود، والزرابي التقليدية.   بالرغم من أن تجربة التبضع ليست مغرية في المغرب، فقد كانت تجربة مهمة بالنسبة لنا. فبداخل المحل اخترنا سجادة بثمن 75 دولار، بعد أن أسهب صاحب المتجر في تعداد محاسنها، ومزاياها، وأنها مصنوعة باليد، الشيء الذي لم نكن نصدقه طبعا،  فاكتفينا باقتناء بعض التحف لأبنائنا الصغار، مادام سعرها مناسب، حيث لاتساوي إلا دولار لكل واحدة، فلم يكن الآمر يستدعي الدخول في مساومات ، من أجل شيء صغير. اغتنمنا الفرصة للتجوال في المتجر، حيث بادرنا إلى الاطلاع على سعر جميع المعروضات هناك، حتى نعتمدها كأساس لكل معاملاتنا المستقبلية، وكقاعدة في مفاوضاتنا اللاحقة مع صاحب محل آخر. اتضح لنا أن سعر إناء فخار منقوش باليد، أو طاجين مزخرف، على سبيل المثال، كان رخيصا بشكل لايصدق، حوالي 6 دولار لمزهرية، أو 4 دولار لطبق تقليدي صغير. غادرنا مدينة مراكش، واتجهنا صوب مدينة الصويرة، التي تطلب منا الوصول إليها حوالي ثلاث ساعات عبر الحافلة. بعد وصولنا إلى الصويرة، توقفنا عند بائع أقداح الشاي والصحون، فتخلينا عن حس المساومة، ولم تسعفنا المهارات اللغوية لـ »سكوت » في الحصول على أسعار منخفضة، الشيء الذي حدا بنا إلى نهج إستراتيجية جديدة، تتمثل في القبول بثمن مرتفع لسلعة ما ، في حالة إن قبل صاحب المتجر، أن يرفق تلك البضاعة ببضاعة أخرى، وعلى ذلك النحو تمكنا من اقتناء إبريق شاي مزخرف، ووعاء سكر، كجزء من الصفقة. بعد مرور مدة قصيرة، اكتشفنا أنه بحماسنا هذا سنظفر بالكثير ، فالمعروضات، التي حصلنا عليها، كانت تساوي حوالي 25 دولار، فمررنا إلى أواني مصنوعة من الفخار، فكانت عبارة عن وعاء من اللون الأسود والأبيض، خط عليها أبيات قصيدة عربية  تحتفل بالعسل والنحل، وحلاوة الحياة، فحصلنا عليها ب 20 دولار، فأرغمنا البائع، على إرفاق الوعاء بجرة خزفية… ليبدأ الغرور، وحس الطمع في المزيد تسلل إلى أنفسنا. بعد يوم طويل بالصويرة، عدنا أدراجنا مرة أخرى إلى مدنية مراكش، حيث اكتشفنا فوانيس معدنية، تعج بها مختلف أسواق المدنية القديمة، ففكرنا أن شراءها قد يشكل صفقة مثالية. كانت هذه الفوانيس، تبدو على شكل تحف منقوشة، ومصنوعة باليد، لذلك فكرنا في اقتناء فانوس، بالاعتماد على تجربتنا في المساومة، والتفاوض،  ففكرنا أن السعر ربما لن يتجاوز 8 دولار. بمتجر بالقرب من ضريح السعديين، أفصح صاحب متجر لبيع الفوانيس عن ثمنه الأول، لكن مساومتنا له، أرغمته على بيع الفانوس بثمن 3000 درهم. انفجرت سكوت بالضحك، وهي تبدو واثقة من نفسها، بينما كانت تشير إلى صعوبة فتح باب الفانوس، فقام صاحب المتجر، بجلب فانوس آخر، فعثرت سكوت مرة أخرى على بعض العيوب، هذا في الوقت الذي التزمت فيه أنا بالصمت كالعادة، فاقترحت عليها اقتناء قلادة، في حال إن تمكنا من الحصول على صفقة اثنين مقابل واحد، فوضع البائع القلادة، على عنقي، فأعطته سكوت الثمن. ومادام كل بائع يحاول في البداية، أن يبيع بضاعته بثمن يضاعف 30 مرة الثمن الحقيقي للبضاعة، فقد أعطت سكوت ثلث الثمن الذي كانت تنوي دفعه، بعدما اعتقدت أنها دفعت الثمن الحقيقي للبضاعة. فعلى مايبدو فصاحب المتجر، كان يحاول  الزيادة في الأسعار بشكل فاحش، وهي الحقيقة التي توصلنا إليها بسرعة. في الوقت الذي انطلق فيه صاحب المتجر في الصراخ، بعدما اعتقد أننا قمنا باهانته، واهانة أسرته، أرغمنا على الخروج من متجره، فاندفعنا في اتجاه الشارع، ومنذ ذلك الحين لم نحاول شراء فانوس آخر، حيث كانت حقيبتنا مليئة بما فيه الكفاية. هل دفعنا السعر العادل لأي من ذكريات سفرنا بمراكش؟ بالتأكيد لا. فضغط المساومات، إلى جانب ضغط الحسابات الذهنية الرياضية، من خلال تغيير النسب من الدرهم إلى الدولار (8.2 درهم إلى الدولار)، كانت المزيج المثالي حتى يحدث  الانفصال.  فاكتظاظ الأسواق بالباعة، وحدة المنافسة بينهم ، يمكن أن يكون السبب الحقيقي، الذي  يمنع الباعة والمتسوقين، من أن يصبحوا فاعليين عقلانيين. وهنا قد يقول قائل أننا كسياح أجانب، من الدول الممطرة،  يجب أن ندفع أسعار مرتفعة،  وهو الرأي الذي لا أتفق معه. بعد خمسة أيام من التسوق، والتبضع بالمغرب، أدركنا جيدا أنه لايوجد شيء مثل سعر عادل في المغرب. فقد تكون ربما القابلية النفسية، وراء ما يمكن أن نسميه « التحامل في السعر »، حينما قارنت محاسن القبعة، التي اقتنتها سكوت، بالثمن الذي اقتنيناها به.  وبالعودة  إلى المقتنيات التذكارية، التي اقتنيناها من مدينة مراكش، والى استحمامنا بحمامات البخار، ومذاق عبق الطاجين التقليدي، وتجربة ركوب الجمال على شاطئ الصويرة، وصوت آذان الصلاة فوق صوامع المساجد، أدركنا أن سعر مقتنياتنا كان عادلا …

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة