النص الكامل للدرس الذي ألقاه وزير الأوقاف حول البيعة ولازال يثير ضجة

النص الكامل للدرس الذي ألقاه وزير الأوقاف حول البيعة ولازال يثير ضجة

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الأربعاء 22 أغسطس 2012 م على الساعة 0:07

الدرس الحسني الأول الثوابت الدينية للمملكة المغربية وجذورها في عمل السلف الصالح « الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحابته الأكرمين مولاي أمير المؤمنين الغرض من هذا الدرس الذي أذنتم به، هو ذكر الثوابت الدينية للمملكة المغربية الشريفة، وتقريب بعض عناصرها الفكرية لعامة الناس، أقول لعامة الناس والداعي لاختيار هذا الموضوع أمران أولهما أن عامة المغاربة عاشوا قرونا، وإلى اليوم، على هذه الثوابت، أوفياء لها مستظلين بوارف ظلها، دون أن يشعروا بأنهم بحاجة إلى الدخول في تفاصيل مكوناتها، واثقين بعلمائهم في شرحها ومدراستها، وثانيهما، أن معطيات مستجدة في عصرنا، تجعل شرح مزايا هذه الثوابت أمرا ضروريا، حتى يزيد أهلها إليها اطمئنانا، وحتى ينعموا بفوائدها على ضميرهم الديني وسكينتهم الروحية والجدير بالشرح في العنوان ثلاثة ألفاظ، هي لفظ Œالثوابت˜ ووصف Œالدينية˜، ولفظ Œالسلف˜ أما لفظ Œالثوابت˜ فالمقصود به الإطار الذي استقر عليه العمل بالدين، والثوابت تتميز عن غيرها في جزئيات قد تكون لها أهمية بالغة، ويستأنس في تأصيل هذا اللفظ بقوله تعالى Œ يثبت الله الذين أمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة˜ »، والمقصود به في الآية، القرآن الكريم فقد اقتضت ممارسة الدين صياغة إطار مرجعي تفصيلي لجماعة معينة، لأن الدين لا يقبل العبث ولا يحتمل غياب اليقين، وإن وقع فيه الاجتهاد، ففي  داخل ضابط الثوابت المختارة، وفي انسجام مع روحها العامة أما وصفها بـ Œالدينية˜ هنا، فلا يعني مقابلتها بثوابت أخرى غير دينية، كما لا يعني أنها تقتصر على مجال العبادة بين المؤمن وربه، وإنما يعني أنها تعكس إطارا اجتهاديا للتدين بالمعنى الشامل، إيمانا وعملا صالحا أما لفظ Œالسلف˜ فينطبق هنا على المؤسسين الذين صاغوا هذه الثوابت، تأصيلا في الكتاب والسنة باجتهاداتهم، حسب ما بينوه من  المناهج، ووقع الاقتناع به عند أتباعهم، وفي خريطة توزيع استقرت معالمها منذ قرون خلت ولقد وقعت صياغة هذه الثوابت، زمنيا، بين القرن الأول والقرن الرابع الهجريين، وفي تبنيها إقرار بجهود الأئمة في بناء العلوم الدينية، ورفض اللامذهبية التي تهدف في عصرنا إلى زرع الفوضى في مجال الإفتاء، بجراءة أشخاص ليس لهم لا علم الأول ولا أسبقيتهم ولا ورعهم وعليه، فإننا لا نقصد بالسلف المعنى المختزل الذي جعل الوصف محتكرا شبه مختطف، بقصد استمالة عواطف الأمة لتعلقها بأوائل المقتفين، بل نقصد معنى واسعا نجده عند أحد كبار نظار أهل السنة، وهو عبد القاهر البغدادي المتوفى عام 429 هـ، وقد جعل في كتابه Œالفرق بين الفرق˜ السلف أو أهل السنة والجماعة، أصنافا ثمانية هي 1 ­ المتكلمون على مذهب أهل السنة، ويقصد الأشعري ومن في حكمه 2 ­ أئمة الفقه من فريقي الحديث والرأي، ومنهم مؤسسو المذاهب، وعلى رأسهم مالك 3 ­ علماء الحديث 4 ­ علماء اللغة الذين من غير أهل الأهواء 5 ­ علماء القراءة والتفسير 6 ­ الزهاد الصوفية 7 ­ المرابطون في الثغور 8 ­ عامة البلدان التي غلب فيها شعار أهل السنة بعد هذا التقديم، نمر إلى ذكر الثوابت على ترتيب ظهورها في التاريخ 1 ­ إمارة المؤمنين 2 ­ المذهب المالكي في الفقه 3 ­ المذهب الأشعري في العقيدة وسنسوق الكلام عنها في ثلاثة محاور هي 1 ­ محور التأصيل أي بيان جذورها في أسئلة بداية حياة الدين 2 ­ محور التفاعل والتفعيل أي بيان اختيارات المغاربة لثوابتهم وتفاعلها في تاريخهم 3 ­ محور التتريل أي مناقشة موقع الثوابت في أسئلة الحاضر ونختم بذكر آفاق النموذج المغربي في علاقة السياسية بالدين، استنادا إلى الثوابت مولاي أمير المؤمنين إن هذه الثوابت ذات وظيفة تأطيرية، فهي تؤطر أمرين أساسيين العمل والإيمان، وعليه فالمناسب أن يكون منطلق الدرس في القرآن الكريم، من آية من الآيات التي جاء فيها وعد الله تعالى لمن قرن الإيمان بالعمل الصالح وقد ورد ذكر Œالذين آمنوا وعملوا الصالحات˜ في القرآن أكثر من أربعين مرة، وأخذنا منها قوله تعالى في سورة النور Œوعد الله الذين ءامنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في  الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا˜ قال المفسرون إنها نزلت لتطمئن أصحاب رسول الله بعيد الهجرة، وكانوا في خوف من إعلان إسلامهم، لا يفارقون السلاح تحسبا  للهجوم عليهم والمفهوم من الآية أن التمكين هو التصرف بالحكم والتدبير المستدام، وأسباب استحقاقه الإيمان وعمل الصالحات، أي الأعمال التي يصفها الشرع بأنها كذلك، والنتيجة المرجوة تحقيق الكليات الشرعية، واستقامة غالبية الأفراد، وظهور ذلك في  استقامة الجماعة بقيام كل بواجبه فعمل الصالحات في العلاقة بالاستخلاف في الأرض في هذه الآية ينطبق بالخصوص على عمل الأمة، وعلى رأسها الدولة في عملها السياسي وسنعود إلى الوجه الذي يهمنا من هذه المسألة في الاستنتاج الذي تفضي إليه الخاتمة أولا محور التأصيل، والثابت الأول فيه إمارة المؤمنين تعد إمارة المؤمنين أجل الثوابت وأعظمها منزلة لأنها تؤطر الأمرين معا، الإيمان والعمل، وأصلها في خلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بلغ الرسالة وعلم الدين وأسس الأمة وأقام الدولة فبوفاته تمت الرسالة وبدأت مرحلة جديدة في التبليغ وفي حياة الأمة  والدولة، بدأ تاريخ اقتضى الاستمرار فيه التدبير بالأسباب البشرية العادية بعد انقطاع الوحي وهذا ما يفهم من قول أبي بكر رضي  الله عنه، إذ قال Œإن محمدا قد مضى بسبيله، ولابد لهذا الأمر من قائم يقوم به، فانظروا وهاتوا آراءكم يرحمكم الله فعلى سبيل  مبدأ الشورى كان يتم اختيار الأمير من كبار أهل السابقة من المكيين القرشيين، فتولى الخلفاء الراشدون الأربعة تباعا في الظروف التي سجلها التاريخ وتسمى أبو بكر بخليفة رسول الله، وكان عمر أول من تسمى بأمير المؤمنين في سياق نجده في حوار بين الصحابي  المغيرة بن شعبة وعمر قال عمر في  آخره أنتم المؤمنون وأنا أميركم، فقال المغيرة يا أمير المؤمنين دام عهد الراشدين ثلاثين عاما، ترسخ فيها قيام إمارة المؤمنين على البيعة، واكتسبت عمقها في الجمع بين شؤون الدين والدنيا، لاسيما في أواخر سيدنا عثمان وفي عقودها الثلاثة الأولى، تطورت جوانب أساسية في حياة الأمة والمجتمع والدولة، في سياق التوسع السريع لانتشار الإسلام، والالتقاء بأجناس وثقافات عديدة، وحصول تفاوتات اجتماعية مذهلة، حتى إن بعض الصحابة قالوا إن علامات الساعة غدت ظاهرة في سرعة توسع العمران وتجميع الأموال كان من الطبيعي أن يقوم في هذا السياق الجديد خلاف حول  المشروعية السياسية، من يحكم وكيف ينبغي أن يحكم وكان المآل مأساويا على صعيدين، صعيد السياسة بالاغتيالات الثلاثة التي  تعرض لها عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، وصعيد الدين، حيث خرجت من هذه المأساة التمزقات التي فرقت المسلمين إلى فرق استمر أثرها العميق في تاريخ السياسي والديني إلى يومنا هذا فمن هذا الصراع خرجت نواة الشيعة الذين بدأوا أنصارا لموقف علي، ثم تطوروا إلى طائفة سياسية عقدية على أساس قراءة خاصة للتاريخ، لاسيما بعد سحق عنيف للثورات التي ساندت شخصيات من آل البيت، على أيدي حكام من الأمويين وبني العباس، وظهرت في صفوف السنة أنفسهم فرق عديدة، منها الخوارج والمعتزلة والمرجئة،  توزعت كل منها إلى عدد كبير من الطوائف إنه وقت عصيب لأن السياسة لبست فيه قناع الدين، ولأن التوجهات المبنية على الضيم قد غلبت الاحتكام إلى العقل، فظهرت الزعامات الدينية السياسية، وتفشى التعصب للآراء، وحلت لغة التكفير محل النقاش حول الخطأ والصواب غير أن جماعة أهل السنة، أو تيار الأغلبية عملوا على تجاوز الأزمات المتوالية، فقرروا في عقائدهم وجوب نصب إمارة المؤمنين، ونصوا على أن الشرط في متوليها العلم والعدالة ومعرفة وجوه السياسة والنسب القرشي، وقالوا  عن سلطاته إنها تشمل حفظ الدين وحراسةالأرض وعمارة البلدان باعتماد المصالح وإجراء الأحكام واختيار خلفائه وقال بعضهم يجوز أن تتعدد باختلاف البلدان وهكذا نجد أن أسئلة البداية في جانب السياسة، كانت مفتوحة على ثلاثة اختيارات أولا اختيار مثالي هو تطوير الشورى كما بدأت، وهو ما لم تتوفر له الظروف والأسباب، ثانيا قبول الأمر الواقع، من أجل الحفاظ على الكيان العام للأمة، وهو ما حدث في أرض  السنة، ثالثا اختيار مستند إلى أحقية آل البيت في الخلافة، مع الاقتران بنظرية خاصة في العقائد، وسنرى كيف كان اختيار المغاربة في ضوء تلك المعطيات الثابت الثاني، وهو المذهب الفقهي كان من بين مظاهر السلوك الرصين الذي واجه به أهل السنة تحديات ذلك التاريخ العصيب، عكوف أعلام من الخواص على بناء العلوم الإسلامية، قصد الاستجابة لحاجات الناس المباشرة في باب ضبط العمل بالدين، أي بناء الفقه والأصل الموضوعي في الفقه أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان ينتظر الوحي، فإذا نزل وقع العمل به، فإذا لم يوح إليه عمل برأيه واجتهاده في تبيين حكم الوقائع ولما مات ترك أصحابه الذين عاشروه وشهدوا أفعاله وسمعوا أقواله، وكانوا يسألونه فيجيبهم، ومنهم كان الراشدون، فقد كانوا يراعون تعاليم القرآن وأقوال النبي وروح الدين في المستجدات، وكانوا إذا لم يتوفر النص يحكمون في الغالب برأيهم أو بالعرف، ما لم يعارض حكم الدين، وقد تفرق الصحابة في البلدان، فكانت القضية تعرض في بلد، وقد يكون فيها حكم عن النبي عند صحابي في بلد آخر وهكذا نشأ الفقه في حالة من اللامركزية، ولكن المدينة المنورة كانت لها مكانتها المتميزة وبينما انشغل الحكام العباسيون بقضايا شتى من أمور الدولة، تصدت ثلة من العلماء لبناء الفقه مادة ومنهجا وتميزت مدرستان، مدرسة كانت تعطي للرأي مجالا أوسع في استنباط الأحكام من النصوص، ومدرسة تركز على الحديث، ويعكس هذا التوجه الثاني مظهرا من مظاهر الخوف على الدين وقد برز من مؤسسي مدارس الفقه عند أهل السنة أكثر من عشرة أئمة، وما بقي وانتشر إلا مذاهب الأربعة المشاهير وهم الإمام أبو حنيفة النعمان المتوفى عام 150 هـ، والإمام مالك بن أنس المتوفى عام 179 هـ والإمام محمد بن ادريس الشافعي المتوفى عام 204 هـ والإمام أحمد بن حنبل المتوفى عام 241 هـ اتفقت المذاهب كلها على المكانة الأساسية لمصدري الفقه، القرآن الكريم والسنة النبوية الغراء، وتميز مذهب عن الآخر على عدد  الآليات المستعملة في الاستنباط من هذين الأصلين وترتيبها في الأهمية، فقد غلب على أبي حنيفة القول بالرأي، وغلب على ابن حنبل الاستناد إلى الحديث، ووضع الشافعي رسالته المنهجية بحثا عن طريق بين أهل الرأي وأهل الحديث أمام الإمام مالك فله وزنه المرموق من حيث العلم والورع، ولكون منهجه أشمل وأكثر انفتاحا وتوازنا بخصوص وسائل استنباط  الأحكام قال عنه تلميذه الشافعي Œمالك أستاذي وعنه أخذت العلم، وما أحد أمن علي من مالك˜ وقال عنه ابن حنبل Œهو إمام في الحديث والفقه˜ فإلى جانب سعة أصول مذهبه وتوسطه واعتداله، تميز ببعد عقلاني ميداني، حيث كانت حياة الناس في المدينة حاضرة في اجتهاده، فقد اعتمد القرآن الكريم والسنة النبوية والإجماع، أي أغلبية الصحابة، واعتمد القياس وعمل أهل المدينة وقول الصحابي والاستحسان، وهو تدقيق في القياس، والاستصلاح، أي مراعاة المصلحة، ومراعاة  العرف، والاستصحاب، وفيه إدماج للعوائد الثقافية، ومراعاة الخلاف      ومن مناقب مالك الكبرى التي تستوقفنا لإكبارها في عصرنا هذا، كونه مؤسس الورع السياسي في الإسلام، وذلك بأمرين رفضه تكريس كتاب ˜الموطأŒ مرجعاً رسمياً في وقت لم يجمع فيه الحديث بعد، وتحفظه في الإكثار من رواية الحديث، ومضمون هذا الورع مراعاة العواقب على الأمن العام الثابت الثالث وهو التصوف إذا كان سؤال الإمارة هو من يحكم وكيف يحكم، وكان سؤال الفقه هو كيف ينبغي أداء العبادات والقيام بالمعاملات؟ فإن سؤال التصوف، هو كيف يمكن إحسان العبادة بتحقيق الانسجام بين  الظاهر والباطن ولطالما استشهد الصوفية بالحديث الذي رواه عمر رضي الله عنه، والذي شرح فيه جبريل معنى الإسلام  والإيمان، وأن الإحسان يطابق حالة من الحضور مع الله، بأن تعبده كأنك تراه وقد خرج التصوف أول ما خرج من طائفة أوائل الزهاد، والمحقق أن ذلك وقع قبل التقاء الفكر الاسلامي بفلسفة اليونان وروحانية الهنود، كانت حياة هؤلاء الزهاد وأحوالهم تقابل، وكأنها تحتج عليها، أحوالا حياتية أخرى تميزت بالتنافس في طلب الجاه، والتقاتل في طلب السلطان، وبالتهافت على كسب الثروة، وبالرياء في العلم والرضا منه بالقشور فتاريخ الإسلام الديني إنما يزداد وضوحاً في ضوء تاريخه الاجتماعي في سياق هذا التميهد الزهدي ظهر المؤسسون، ومنهم أبو القاسم الجنيد الذي يستند المغاربة الى مشربه في التصوف، منشؤه بالعراق مات وهو يصلي عام 298 هـ على الأرجح وهو بتعبير السبكي سيد الطائفة، اجتمع له العلم والحال، وكل أقواله تأكيد على أن لا حقيقة بدون شريعة، وأن لا باطن بلا ظاهر، وأهم أركان التصوف عنده ثلاثة 1 ـ ذكر مع اجتماع،  2 ـ ووجد مع سماع، 3 وعمل مع اتباع وهو القائل ˜الطريق مسدود على خلق الله عز وجل إلا على المقتفين أثر رسول الله والتابعين لسنتهŒ الثابت الرابع العقيدة الأشعرية لم يكن هذا السؤال  موضوعاً في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث جاء يقول ˜أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحواŒ، فكان إيمان من تلقوا دعوته صافياً بسيطاً تلقائياً، وكذلك كان الأمر في عهد خلفائه قبل الفتنة والتفرق، فلما ظهرت الفرق من خوارج ومعتزلة ورافضة وغيرها، لم يقف أصحاب هذه الفرق عند المعارضة السياسية، بل أحدثوا كلاما حول فهم ألفاظ وردت في القرآن، تتعلق بالله والإنسان،  وواجهوا مشاكل نظرية منها المشكل اللغوي الفلسفي المتعلق بدلالة الألفاظ ما بين الوضع والاستعمال والحمل فبالإضافة إلى أمور  الخلافة، تكلموا في القرآن، هل هو قديم أم مخلوق، ثم في صفات الله ورؤيته، وفي الحلول وأفعال الإنسان والتأويل والإيمان والشفاعة، وما أشبه ذلك وكان أهل السنة والجماعة في البداية غير مقبلين على تعاطي الكلام، وهو العلم الخائض في هذه القضايا، فتجرأ عليهم أهل الفرق بالاستفزاز والتشويش، إلى أن قيض الله رجلا تمهر في صف المعتزلة في الكلام ثم عارضهم، وهو أبو الحسن الأشعري، المتوفي ببغداد عام 324 هـ يقول عنه القاضي عياض في المدارك ˜أقام الحجج على إثبات السنة ما نفاه أهل البدع وإنما جاء خلاف ذلك من غلاة المعتزلة، ومن قوم أيضاً ينتسبون إلى مذهب ابن حنبل، أغلوا في ترك التأويل حتى وقعوا في التشبيه،  وأكثرهم ليس من العلم بسبيل، ولكنهم لانتسابهم إلى السنة  والحديث، قبل العامة أقوالهمŒ وقد بين ابن عساكر الدمشقي في كتابه  ˜تبيين كذب المفتريŒ، منهج الأشعري في الأخذ بالوسطية والاعتدال ومجانبة التطرف في العقائد، ومن ذلك أنه قال ˜قالت المعتزلة إن صاحب الكبيرة مع إيمانه و طاعته مائة سنة لا يخرج من النار قط، فقال رضي الله عنه المؤمن الموحد الفاسق هو في مشيئة الله تعالى، إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة، وإن شاء عاقبه بفسقه، ثم أدخله الجنةŒ والواقع أن أهل السنة قد جروا في الماضي الى الخوض في العقائد جراً، أما اليوم فإن التقريب بين أهل العقائد من السنة يستدعي التجاوب مع دعوة الشيخ ابن بية إلى التجديد في علم الكلام، وهو تجديد لابد أن ينظر إلى طروحات الكلام على أنها بدأت مع الفيلسوف فيلو الإسكندري في القرن الميلادي الأول، وتداولها آباء  الكنيسة، وحسمت منهجياً مع سبينوزا في القرن السابع عشر، وعليه، فمن العبث أن يركب عليها بعض المسلمين أحكام التبديع  والتكفير بعد أن رأينا تأصيل الثوابت، نأتي إلى المحور الثاني لنرى كيف تفعيلها والتفاعل معها في تاريخ المغاربة أولا إمارة المؤمنين عندما بدأ انفتاح المغرب للإسلام في العقد السابع من القرن الهجري الأول، كانت الأزمة قد استحكمت بظهور الفرق واستمرار  المعارضة للأمويين ثم للعباسيين، ولاسيما من أنصار آل البيت وبينما كان هؤلاء يعانون من اضطهاد الدولتين المذكورتين، بين عام أربعين للهجرة، تاريخ تولي معاوية، وعام 169 هـ، تاريخ مقتل الحسين بن علي بن الحسن المثلث، في وقعة فخ قرب مكة، كان قد مضى قرن من الزمن من سوء تدبير عدد من عمال الأمويين ثم العباسيين على المغرب، ولاسيما في الجبايات وتصرفات أخرى يذكرها المؤرخون وفي هذا السياق من الظلم المشترك، لجأ إدريس بن عبد الله إلى المغرب وقد نجا من القتل في موقعة فخ، فكان أول أمير  للمؤمنين بويع خارج نطاق الحرب  والانقلاب بعد الخلفاء الراشدين الثلاثة الأُوّل كانت بيعته اختياراً طوعياً ذكياً متجلياً في أربعة  مظاهر 1 ـ أن إمارة المؤمنين أعطاها المغاربة لآل البيت المضطهدين، على أساس بناء صرح لدولة السنة في غربي الدولة الإسلامية 2 ـ أن إمارة المؤمنين شكلت القطب الذي خلق الانسجام في ضمير المغاربة بين السياسة والدين 3 ـ أن هذه الإمارة اتخذت صبغة روحية مصدرها التعلق بآل البيت، وهو تعلق خلاق للتعبئة الوطنية 4 ـ أن هذه الإمارة قد شكلت القطب الذي تبلور حوله بناء الدولة في استمرارها، والأمة في وحدتها، والمجتمع في تعدديته ومن المهم أن نلاحظ أن الأمازيغ قد تداولوا إمارة المؤمنين في قرون إمبراطورياتهم الكبرى بنفس المضمون والرسوم، وعندما أعاد المغاربة الأشراف السعديين ثم العلويين إلى إمارة المؤمنين، والمغرب يتعرض لضغوط أوربا في بداية العصر الحديث، لم ينظروا إلى هؤلاء الأشراف على أنهم من جنس العرب، وإنما اعتبروا حماهم الروحي، وأقروا عن تجربة بنجاعتهم السياسية في التحكيم  ثانيا المذهب المالكي لقد دخل الأمران معاً، إمارة المؤمنين  والمذهب المالكي، في وقت واحد الى المغرب، على أيدي الأدارسة فقد توفي الإمام مالك بعد عشر سنوات من تاريخ وقعة فخ، أي بعد سبع سنوات من بيعة المولى إدريس في المغرب، ولما وفد أعلام من العرب على المولى إدريس الثاني عام 189 هـ، أي بعد عام من بيعته، كان من بينهم عامر القيسي، وقد وصف بأنه كاهن أهل الورع والدين، سمع من الإمام مالك وروى عنه كثيراً، وقد ولاه المولى إدريس القضاء وفي استقضائه تكريس رسمي للمذهب المالكي، وكان المغاربة قبل ذلك يبحثون عن وجهتهم المذهبية عند أصحاب أبي حنيفة وغيره، وفي هذا ما يخالف قول ابن خلدون إن تبني المذهب كان بسبب تردد المغاربة على المدينة لا على العراق، حيث ظهرت المذاهب الأخرى ومع توالي القرون، دخل المذهب في كيان الدولة كمرجع وآلية لقيام إمارة المؤمنين بواجبها في حماية الملة والدين، كما استعمل الفقهاء روح المذهب ومنطقه لإدماج عدد من العادات الثقافية المحلية، وكان المذهب عنوان وحدة الأمة بالعمل به في المساجد والمحاكم على السواء وكان مناضلوه يحملون هم هذه الوحدة، وهكذا لم تأت مكانة الفقهاء المالكية في الدولة المرابطية بالصدفة، وإنما تأتت بتراكم سلطتهم في القرنين السابقين، وبنفس الرصيد الراسخ، يمكن تفسير عودتهم إلى المرجعية في الفقه والشورى في العهد المريني ثم إن المغاربة خدموا هذا المذهب بتأطير العبادة بالإرشاد بأحكامه، وبالتصنيف في قواعده الكلية، وبشرح فروعه لغايات عملية، وكان لهم فيه التجديد دون تجاهل رصيد التقليد وعلى هذه الفلسفة، بنوا عملهم الميداني عبر فقه النوازل مع إعطاء العرف والعمل أهمية في حل مشاكل تهم الصناع والعمال والشركاء الفلاحيين وحقوق النساء والانخراط في الشورى لإمارة المؤمنين، وكلها مظاهر جعلت المذهب الفقهي هوية وطنية داخل كيان الأمة الكبرى ثالثاً تبني ثابت التصوف قبل الكلام عن تفاعل غالبية المغاربة مع التصوف كاختيار، لابد أن نتساءل كيف يمكن النظر الى هذا الاختيار من جهة الحكم الشرعي، هل يدخل في الوجوب أم في الندب أم في الجواز أو في الحرمة أم في الكراهة؟ والجواب هو أن حكمه عند أهله، كما بينا، هو حكم الإحسان من الإيمان والإسلام، أي حكم تشوف إلى كمال، والناس على درجات في هذا الطموح الذي لا إلزام فيه قال تعالى ˜ثُم أوْرَثْنَا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبيرŒ وعلى كل حال، فإن اعتبارات شتى توجب للتصوف في السياق المغربي الحرمة المبدئية، لأن انتقاده المبدئي في العلن ينبىء في الغالب عن فساد طوية المتكلم إزاء الثوابت الأخرى إن استقراء مظاهر تفاعل المغاربة مع تصوف الجنيد، يقوم على نتائج تاريخية تتجاوز المساجلات النظرية، حيث نجده عظيم الأثر على الكيان الجمعي والأخلاقي والحضاري، إذ أثمر شفوفاً مثلته نماذج بشرية راقية من العامة ومن العلماء على السواء، وما من قبة ضريح في المدن والبوادي، إلا وتحتها قبر شخص ارتبط عند معاصريه بالتوحيد، أي بالدعوة إلى الله وحده أولا، وبقيمة إنسانية سامية، ثانياً ولقد قامت الطرق الصوفية منذ القرن السادس الهجري بأدوار نافعة شتى  دينية وعلمية وتعليمية واجتماعية واقتصادية وسياسة نبيلة، غير أن اختصاص أهل التصوف وميزتهم العظمى هي التربية على محاسبة النفس، وما عدا ذلك فهو من الزوائد التي لا تخلو من المستحسنات، وحيث لا توجد التربية على محاسبة النفس لا يوجد التصوف إن المشرب الصوفي المغربي مصحوب بالصحو، في أجوائه يتعلم الناس المودة والرحمة والصبر، وكل ما يشمله مفهوم ˜الوسعŒ من فقه وفتح وتحمل أما إشعاع هذا التصوف، فقد امتد عبر القرون إلى آفاق القارات، ولاسيما عبر شرايين الأجسام الكبرى الثلاثة، الشاذلية والقادرية والتجانية رابعاً العقيدة الأشعرية ليس من المستغرب أن يتخلق الفقهاء من أتباع مالك بخلق إمامهم الذي لم يكن يقبل إلا على ما هو نافع من العلم، مع شدة الشفقة على عامة الناس من الفتنة بالجدال ففقهاء العهد المرابطي لم يكونوا قاصرين في الجدال المتعلق بالتوحيد والأصول، حتى يقال إن ابن تومرت أفحمهم في مناظرته بمراكش، فقد دخلت علوم الاعتقاد إلى المغرب مع الحضرمي المعروف بالمرادي الذي توفي قاضياً في أطار بشنقيط، وعنه أخذ الكلبي الضرير، المتوفي بمراكش عام 520 هـ، أي قبل وفاة ابن تومرت بأربع سنوات، أما اعتقادات ابن تومرت في كتابه المرشدة، فهي مزيج من الأشعرية وغيرها، وهو على الخصوص ليس أشعرياً خالصاً بالنسبة لأخطر قضية عقدية سياسية، وهي قضية مرتكب الكبيرة، حيث يقول بتكفيره في بعض الحالات، وليس الأمر مستغرباً، لأن ابن تومرت كان صاحب مشروع سياسي، وحجر العثرة أمام مشروعه هم الفقهاء المالكية الذين لا تقول عقيدتهم بالثورة على المتولي وقد استعمل ابن تومرت كتاب الموطأ، لا للدعوة إلى المذهب، بل ليحرض العامة ضد شروح الفقهاء في الدين، وهذه وسيلة ما تزال ترى مستعملة من قبل تيارات تتشوف الى السلطة من خلال إغراء عامة الناس بالقفز الى الأصول ومن علماء الاعتقاد أيضاً عثمان السلالجي الذي مات بمراكش عام 564 هـ، ويقال إن كتابه البرهانية في هذا الفن قد ألفه لإحدى تلميذاته بفاس، وكان فيه أشعرياً خالصاً بعدم تكفير مرتكب الكبيرة ومع عودة السلطة للمذهب وفقهائه في العهد المريني، عاد التوحيد يدرس للعامة على الأساس الأشعري، وتوالى حضور النظار العارفين بقضايا أصول الدين مع توالي العصور، الى أن جاء ابن عاشر في نهاية القرن التاسع، وقال في بداية منظومته الشهيرة وبعد، فالعون من الله المجيد   في نظم أبيات للأمي تفيد في عقد الأشعري وفقه مالك      وفي طريقة الجنيد السالكŒ فقد تحدث عن الثوابت كمنظومة مترابطة، ولم يذكر الإمامة العظمى، لأن نظمه وضع للمبتدئين، ومبحث الإمامة اختصت به كتب أصول الدين الموضوعة للمتقدمين مولاي أمير المؤمنين لقد رأينا بعد إطلالات وجيزة على وجهي التأصيل والتفاعل لكل ثابت من الثوابت الأربعة، أن لها صفة مشتركة، هي صفة ˜الجمعŒ، فإمارة المؤمنين قد جمعت بين النسب الشريف وبين المذهب السني، والمذهب المالكي قد جمع بين الاستناد إلى النص وبين إعمال الرأي عند الضرورة، والعقيدة الأشعرية قد قامت على الاعتدال بين التشبيه  والتنزيه، بين الأثر والتأويل، والتصوف الجنيدي قد جمع بين الشريعة والحقيقة فالتوفق إلى هذه الاختيارات فضل عظيم من الله تعالى على المغاربة، ونعمة كبرى توجب الشكر، والأمر من باب الأسباب، ثمرة حصافة الأسلاف واجتهادهم ونضالهم المحور الثالث الثوابت وأسئلة الحاضر وهكذا نمر إلى المحور الثالث، وهو موقع الثوابت في العلاقة بأسئلة الحاضر والمنطلق هو أن الأغلبية العظمى من الأمة، كما أشرنا في البداية، مطمئنة إلى دينها وحياتها في إطار الثوابت، غير أن أطرافاً في المجتمع تعبر أو تتصرف وكأن لديها مزيد حاجة إلى فهم هذه الثوابت، وللصادقين منهم حق في الشرح والبيان، وأسئلتهم في نظرنا أسئلة ثلاثة من ثلاثة منابع الهوية، والحداثة، الزمنية Secularism أما سؤال الهوية فهو، في الغالب، سؤال الخائفين على الدين، وأما سؤال الحداثة فهو سؤال المتخوفين من الدين، وأما سؤال الزمنية، فهو سؤال الحرية والدين في علاقة بالسلو أولا سؤال الهوية يرتبط الخوف على الدين بالهوية عند من يرون ان الدين هو المقوم الأعظم في هويتهم، ويشعر هؤلاء بأن ما أتى به العصر الحديث من المستجدات الهائلة، كما وكيفا، يهدد هذه الهوية، وهؤلاء الخائفون على الدين من مظاهر العصر الحديث فئتان 1 ­ أصحاب فكرة اصلاحية، مؤمنون بالمؤسسات من حيث الانخراط فيها، والمؤسسات أهم ما ولد العصر الحديث في التدبير السياسي والافتراض هو أمن يؤمن بالمؤسسات يؤمن بالثوابت 2 ­ فئة ممن يسمون بالأصوليين ولا توجد حالة خالصة لأي فريق منهم، وإنما  هناك تغلب هذه السمة أو تلك أما الإصلاحيون فهم على العموم امتداد لتيار الاصلاح الذي جاء كرد على اللقاء بالغرب قبل الاستعمار وأثناءه، وكان من سمة هذا التوجه عند النهضويين، الايمان بالتراث في مواجهة التحديات وخوف الاصلاحيين يدور حول مدى مطابقة أسلوب الحياة المعيشة لأحكام الدين وأخلاقه، ومنهم من يقدر ان السلطة وسيلة لتحقيق هذه المطابقة، والأفق في فهم هذه المسألة يتسع بمقدار 1 ­ تبني المنظور المقاصدي في الدين 2 ­ خوض تجريب تاريخي مصاحب بمزيد من اكتشاف الطابع المركب للهوية 3 ­ التخلص من الجاذبيات الاصولية التي قد تشوب هذا التيار وتقعد به. أما الاصولية فقد ظهرت في عدد من الطوائف الدينية حتى خارج الاسلام، مثل البروتستانت بأمريكا في آخر القرن التاسع عشر، غير أن هؤلاء الذين قاموا بإصلاح ديني مبني على الرجوع الى اصل الكتاب في بداية العصر الحديث، فإنما تصرفوا ضد حلول سلطة الكنيسة محل سلطة الكتاب، أما في الاسلام كما قد رأينا فإن الكتاب والسنة هما المنطلق عند جميع المذاهب أما في هذا العصر الحديث فإن ميزة الأصوليات هي رفض عدد من مظاهر حياة العصر الحديث، والتحفظ إزاء نزعته الفردية على الخصوص، ومن المشترك بين الأصوليات في مختلف الاديان 1 ­ رد فعلها على ما تعتبره تهميشا للدين في المجتمع 2 ­ استعمال عناصر وحجج منتقاة من تراثها الديني 3 ­ تغليب التفسير الحر في النصوص 4 ­ تبني ثنائية أخلاقية ترى العالم فاسدا يجب إصلاحه على أساس تصورها هي 5 ­ تنمية سلوكات خاصة بغرض التميز، تصاحبها علامات بالنسبة للجسم واللباس واللغة، رغبة في تأسيس مرجعية انفرادية 6 ­ اشتراط الولاء للزعامة المهيبة، الخ وهكذا فإن من يستقرئ التاريخ يجد ان الاسلام لم ينتظر العصر الحديث ليكابد أزمة الخوف بسبب التغير المادي والاجتماعي السريع المثير للتشنج، بل وقع ذلك عدة مرات، تمظهرات أولها في حركة التمسك بالنص والتفسير الحرفي والخوف من الرأي والعقل والتأويل، وذلك منذ القرن الثالث. ويمكن التعرف ميدانيا على حالات يرفع فيها شعار الانتساب الى الدين خارج التوجه الاصلاحي، ويمكن تصنيفها بالمعيار الأصولي الى عدة أصناف 1 ­ حالة الايمان بالثوابت وبالمؤسسات والعمل في الدعوة التربوية دون مشروع سياسي، فهذه حالة لا ينطبق عليها شرط الأصولية 2- حالة الدعوة الى ثوابت أخرى مع  الانتساب الى عقيدة قديمة تقوم علي طاعةولي الأمر، إنها حالة تناقض مرده الى أن طاعة الأمر مقترنة بعدم مخالفة الثوابت، وقد يكون في الأمر تناقض ثان إذا ظهرت نية الدخول الى السياسة من باب الدين 3  ­ حالة الانطلاق من الدين دون إظهار موقف صريح من المؤسسات، فلا فائدة في التساؤل في هذه الحالة حول الموقف من الثوابت، لأن التناقض قائم أصلا في ما هو مقرر في القانون حول تنافي المرجعية الدينية مع العمل السياسي. يتبين من هذا التصنيف أن الأصولية يمكن التعرف على ألوانها المتدرجة من خلال الموقف من الثوابت ابتداء، لأن مناوشتها أو مخالفتها للثوابت تتراوح بين المقولات الخطيرة المستعملة في الارهاب، والتي دحضها العلماء في ندوة الدار البيضاء عام 2007، وبين المناوشات المذهبية التقليدية التي بدأت بتزعمات شخصية منذ عدة عقود، ويكتشف أصحابها في الاوضاع الحالية فرصا للتموقع السياسي، دون حل التناقضات التي لا تؤهل أهلها في الواقع لممارسة سياسية سليمة وفي مقابل الخائفين على الدين، توجد في المجتمع طائفة من المتخوفين من الدين، وهؤلاء هم أصحاب سؤال الحداثة، وهم كذلك فئتان العقلانيون الحضاريون، والعلمانيون، بقطع النظر عن وجود متدينين بين هؤلاء وأولئك والفئة الأولى تتخوف من اختزال الدين الواسع في تصديقات ضيقة، أو تصورات منغلقة غير منخرطة في المصير الجماعي ومتطلبات التاريخ، و تتخوف من سهولة الانقياد لمشيخات غير مؤهلة أو غير مستعدة لتنزيل النصوص على الوقائع، وتركب في نفس الوقت عددا من إمكانات التأثير والظهور في عصرنا، هذا العصر الذي تؤخذ فيه الكثرة على أنها حقيقة، مع أنها ليست في كل الحالات كذلك، لا دينيا ولا فلسفيا أما ذو النزعة العلمانية، سواء كان فلسفيا أو سياسيا، فهو يضع نصب عينيه أمثلة من التاريخ الغربي ارتبط فيها التقدم السياسي، في أوصافه الحالية، بفصل الدين كمؤسسة عن الدولة، مع العلم بأن العلمانية في  أوربا لم تناهض الدين، وإنما ناهضت مؤسسات لها سلطات التصرف باسم الدين وقد يقف هذا الصنف العلماني حائرا أمام مفهوم الشعب، إذا غلب على الشعب فهم معين للتدين يحتمل تصريفه الى الفعلالسياسي المبني على الخوف. مولاي أمير المؤمنين لو عرضنا حالتي الخوف والتخوف علىالثوابت لتبين ما يلي 1 ­ بالنسبة لامارة المؤمنين، فقد رأينا أنها هي المنوط بها الالتزام بالكليات، وأولها حماية الدين من الجهل والتصرف والتزييف والتسلط، وتنمية شروط القيام به بتسهيل سبل الايمان، وتوفير شروط القيام بالأركان، ثم الاضطلاع بالمصالح، وما تقتضيه من ملائم الاسباب. ولاشك أن مزيد استبطان فكري لمؤسسة إمارة المؤمنين، من شأنه ان يبرز للجميع  أن هذه المؤسسة، بحيثياتها الدينية وتوجهها المؤسساتي في جميع المجالات، تتيح وضعية يمكن أن نسميها بوضعية الفرق في الجمع على مستوى العلاقة المدنية مع الدين، بمعنى توفير الحل العملي المتين لمعضلة قائمة في آفاق الاسلام، حيث يتعذر الحل العلماني الذي هو سلبي قانونيا حتى في البلدان التي تتبناه 2 ­ أما بالنسبة للمذهب، فالمطابقة مع الشريعة من خلاله قائمة، إذ هو المرجع في العبادات بما يقي من الفتنة ولا سيما في المساجد، وهو المرجع في القضاء، والاجتهاد القانوني في غير المنصوص عليه، قائم سلس، متواصل، لا يتقيد إلا بمراعاة الضرورات وعدم مخالفة القطعيات ثم إن إعادة اكتشاف إمكانات المذهب، لاسيما بعد الاجتهاد في مدونة الاسرة، يجعله بعدا حاضرا ومسهما في الحلول الاجتماعية، مواكبا لهذه السيولة في التشريع، دون صدام مع القطعيات، الشيء الذي يضفي على القوانين صفة الشرع باسم المصلحة 3 ­ أما بالنسبة للتصوف، فيمكن للخائفين على الخصوص، الاستئناس في مراعاة حرمته بالاحكام المبدئية النسبية لبعض الأعلام، من امثال الشيخ تقي الدين بن تيمية، كما وردت في كتبه، ولا سيما في مواضع شتى من الفتاوى، حيث ميز بين الصحيح منه والسقيم، وحيث ذكر ما سماه بصديقية الصوفية، وذكر أحوالهم وعبارتهم، وحيث قدم شهادته الطيبة في الإمامين الجنيد وعبد القادر الجيلاني، أما في تراث المغاربة، فلا يستأنس بأحسن من الشيخ زروق، وهو من قبيلة البرانس قرب تازا، توفي بليبيا عام 899 ه، وقد جمع بين الفقه والتصوف وشخص الضمير المحتسب على المتصوفة، فأنصفهم وانتقد بعض أحوالهم، وبين جوانب الإنكار على بعضهم ولا سيما في القاعدة 216 من قواعده وعلى كل حال فالتصوف من حيث المبدأ، له اعتبار ايجابي عند الحداثيين، نظرا لرصيده المعرفي المنفتح، ولأن أصوليته روحانية فسيحة، وليست حرفية ضيقة أما الثابت الرابع، وهو العقيدة، فعلى أساس ما  رأيناه من اعتدالها وكونها عقيدة أكثر من أربعة أخماس كافة المسلمين، فلا يخاف منها أو  ينكرها إلا من يريد إحياء مشروع الفهم الحرفي للنصوص، أو من لديه مشروع سياسي فاسد وقلما  أعارتها الاجيال العصرية اهتمام أو عرفت ماذا تعني بالذات، ولكن اكتشاف استعمالاتها خارج الأشعرية في حجج التكفير والإرهاب، وفي خطاب المؤطرين الاصوليين غير التقليديين، يجعل روحها في الاعتدال ونبذ العنف، تلتقي مع فكر الفئتين المذكورتين، في الجانب البراغماتي على أقل تقدير وهكذا يتضح من كل ما حللناه  أن لا مبرر شرعي  في السياق المغربي للخوف على الدين أو التخوف منه، مادامت تؤطره هذه الثوابت إن الحالتين معا، حالة الخوف على الدين وحالة التخوف منه، تصدران عن شعور سلبي، ومن هنا تأتي أهمية سؤال الحرية الذي يدور حول مسألتين، أولاهما تصور لدى الخائفين لما ينبغي أن يكون عليه السلوك الفردي في الساحة العمومية، في نظر الدين،وثانيتهما اعتقاد عند بعض المتخوفين أن الحل يكمن في ما يسمى بالزمنية أي سحب الدين من الساحة العمومية، غير أن العمل الايجابي المطلوب، هو تدبير الحرية بأسلوب منسجم مع الثوابت الدينية، في مجتمع معروفة مبادؤه وقيمه، مفتوح شكله على الاجتهاد التاريخي للناس، لأن التاريخ متشوف الى ليبرالية متوازنة وهكذا وبصدد مسألة تدبير الحرية، فإن المغرب هو نوع المجتمع الذي لا معنى فيه للزمنية لا رمزيا ولا موضوعيا، والمسألة الأهم هي نمط حضور الدين، وهو على التحقيق النمط الحالي في استمرار ترقية المؤسسات وترقية التعليم كما وكيفا ومن شروط  نجاح هذه السيرورة، ألا يكون في الناس من يرفع شعار الإكراه على أساس أن فيه خدمة للدين، قال الله تعالى في سورة يونس Œولو شاء ربك لآمن من في الارض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ». وبالمقابل ألا يكون في الناس من يحسب أنه يبني تقاليد الحرية باستفزاز المتدينين، فللإسلام تصور في الحرية يجمع بين البعدين الفردي والجماعي، وهذا التصور ليس مجرد شعار، بل هو مقام يتوقف التأهيل له على أمور أساسية أهمها 1 ­ تبني نمط عيش يسهل على الناس قيام العدل بجميع أبعاده، وهذا مبحث لابد أن يضطلع به الفكر الاسلامي مستقبلا 2 ­ تفعيل وازع القرآن من خلال الاسرة والمسجد والمدرسة، ومن خلال الاقتداء بنماذج روحية خيرة حية في العلماء والصلحاء والأئمة 3 ­ تفعيل  وازع السلطان المتمثل في القانون الذكي، لأن كل معالجة للحرية بمجرد الزجر يمكن  ان تحول المجتمع الى مجتمع إكراه ونفاق وتقية وخلاصة القول من الدرس أنه من غير المفيد إعادة الكلام عن الثوابت الدينية، الى طاولة الاختيارات، ولا سيما في الجانب العقدي والمذهبي، لأن ذلك سيعيدها الى درجة الصفر، أي الى جذورها في السياسة، يوم كانت السياسة عاجزة عن حل مشكل المشروعية والعدل بآليات ذلك الوقت ولغته، وحيث دفعها هذا العجز الي لباس قناع الدين وسيلة للاحتجاج أما الآن وقد وجد النقاش في المشروعيةوالعدل السياسيين الآليات المؤسساتية الملائمة في سيرورة تطور حكمي متنام، فلا سبيل الى العودة الى الطروحات الايمانية بعد اختيارات كرسها المغرب عبر القرون، وصاغ على أساسها ثقافته الدينية وهويته الوطنية غير أن الضرورة تقتضي نوعا من مأسسة هذه الثوابت، وبفضل توجيهاتكم يا مولاي، تم قطع أشواط في هذا الاتجاه، و ذلك بإصدار عدد من الضوابط القانونية التي تهم الشأن الديني، وجاء الدستور الاخير ليكرسها في جانب مؤسسة إمارة المؤمنين واختصاصها في تدبير هذا الشأن وهنا نختم بالآية القرآنية التي اخترناها منطلقا للدرس، إذ بناء على ما انتهينا إليه، فان المنطق المبني على الاستقراء الذي اتبعناه لعرض الثوابت، يفيد اعتبار المغاربة من الذين آمنوا واستقر إيمانهم في اطار هذه الثوابت، أي انهم حسموا أمرهم وتحصنوا من جهة التساؤلات الإيمانية، ولا سيما وهم مؤطرون بإرشاد علماء الأمة، ولا يبقى مطروحا في حياتهم العامة إلا النقاش في العمل الصالح، بآليات السياسة ولغتها، نقاشا يؤدي الى التنافس على برامج إنتاج الخيرات والتكثير منها، وإقامة الإنصاف في تدبيرها، بما يكفل سلامة حياة الدين والدنيا، والتوافق ضروري حول هذا النظر بين الاطراف الفاعلة في الامة، وعلى اساس الاقتناع بأن تقدم البلد لن يتأتى إلا عبر المؤسسات السياسية التي تضمن الشروط المنصوص عليها في كليات الشرع المبنية عليها البيعة وعلى هذا الاساس، فإن آفاق النموذج المغربي في علاقة الدين بالسياسة، تقوم على التوازي بين المؤسسات السياسية والثوابت الدينية،وعلى حماية الثوابت الدينية بالدستور، وترجمة هذه المعادلة تكون بالمقولة التاليةŒالتزام  الدولة ممثلة في إمارة المؤمنين بحماية الملة والدين، كما جرى به العمل على امتداد التاريخ، وفي مقابل ذلك التزام الفاعلين السياسيين والجمعويين بجميع أطيافهم ومواقعهم، مدبرين ومؤطرين، التزامهم بالحياد إزاء الدين، وتفسير مقتضى الدستور بعدم تأسيس الهيئات على أساس الدين من هذا المنظور وتبقى المهمة الاساسية في مواكبة هذه السيرورة التاريخية هي مهمة العلماء، في شرح الثوابت شرحا دينيا سياسيا واضحا، في ضوء الأثر والتاريخ والمقاصد ومقتضى التنزيل على حال عصرنا، وذلك واجبهم في حماية العامة وما يقتضيه ذلك من المجادلة بالتي هي أحسن، لا سيما مع الصادقين من الخائفين والمتخوفين قال الله تعالى إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون صدق الله العظيم    

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة