تفاصيل لحظات القضاء على بن لادن | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

تفاصيل لحظات القضاء على بن لادن

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الثلاثاء 02 أكتوبر 2012 م على الساعة 15:08

أبقى الجندي الذي كان أمامي على بندقيته مصوبة باتجاه الغرفة، بينما كان يتقدم ببطء شديد نحو الباب المفتوح. فضلنا مرة أخرى عدم التسرع. بدل الجري إلى الداخل، انتظرنا قرب عتبة الباب، واسترقنا النظر إلى الداخل. استطعنا رؤية سيدتين تقفان أمام جثة رجل كانت ممددة على الأرض بالقرب من السرير المتواجد بالغرفة. كانت كل واحدة منهن ترتدي فستان نوم طويل، وكان شعرهما ملتويا ومتشابكا ببعضه كما لو أنهما نهضتا للتو من النوم. كانت السيدتان تصرخان بشكل هستيري وتولولان باللغة العربية. رفعت أصغرهما سنا رأسها ورأتنا نقف بالقرب من مدخل الغرفة. صرخت بكل ما أوتيت من قوة وتوجهت نحو الجندي الذي كان برفقتي. لم تكن تفصل بيننا وبينهن سوى ثلاثة أمتار. وضع هذا الأخير سلاحه جانبا، وأمسك بكلتا السيدتين وقادهما نحو إحدى زوايا الغرفة. إذا كانت إحداهما تضع صدرية تحمل المتفجرات، فقد أنقذ حياتنا بتصرفه هذا، لكنه كان سيلقى حتفه. لقد كان قرارا خاليا من الأنانية اتخذه في أقل من ثانية. بعدما تم إبعاد السيدتين عن الطريق، دخلت الغرفة رفقة جندي ثالث. رأينا رجلا ممددا على الأرض بالقرب من السرير الذي كان بالغرفة. كان يرتدي قميصا أبيض بدون أكمام، وسروالا واسعا، وسترة قصيرة. اخترقت الرصاصة التي صوبها الجندي الذي كان أمامي الجهة اليمنى من رأسه. كان الدم ينهمر من تلك الجهة من رأسه، إضافة إلى بعض الأجزاء من المخ. كان يرتعش ويتخبط بينما كان يحتضر. قمت رفقة الجندي الثالث بتوجيه أشعة الليزر نحو صدره، وأطلقنا الذخيرة الحية في اتجاهه. مزق الرصاص صدره، وسحق جسده مع الأرض حتى توقف عن الحركة بشكل كلي. بعد ذلك بحثنا عن أية أخطار محتملة داخل الغرفة، رأيت على الأقل ثلاثة أطفال منكمشين في إحدى زوايا الغرفة بالقرب من الباب الزجاجي المفضي إلى الشرفة. كان الأطفال، الذين لم أستطع أن أعرف إن كانوا ذكورا أم إناثا، يجلسون في تلك الزاوية خائفين بينما كنت أتفحص الغرفة…المكان آمن. انتقلنا نحو الغرفتين الملتصقتين بغرفة النوم…دفعت الباب الأول، استرقت النظر إلى الداخل ورأيت مكتبا صغيرا مبعثرا. كانت الأوراق مرمية فوق طاولة صغيرة. أما الباب الصغير الثاني فقد كان يفضي إلى حمام صغير، ومرحاض. قضينا عليه كان كل شيء الآن محفورا في ذاكراتنا. لقد حان الوقت لتذكر جميع الأشياء الصغيرة التي ينبغي علينا إنجازها. كان الهدف الرئيس للمهمة طريحا الآن قرب السرير. وكان الجندي الذي سدد أول طلقة في اتجاه رأسه الآن بصدد حراسة السيدتين والأطفال. قمت رفقة زميلي بتأمين المكتب الصغير والحمام، فيما تكفل بضعة جنود آخرين بدخول باقي الغرف بالبهو. وبينما كنت أمر بالبهو في اتجاه الغرفة الأخرى، مررت بالقرب من والت. «لقد أمننا المكان بأكمله هنا»، قال لي. «فعلنا نفس الشيء في هذه الجهة»، قلت له. بعدها قام جندي بنقل الأطفال والسيدتين إلى خارج غرفة النوم، وأخرج الجميع إلى الشرفة لتهدئتهم. كان توم بالطابق الثالث ورأى بأن كلتا الغرفتين تم تأمينهما. «تم تأمين الطابق الثالث،» سمعته يردد على شبكة التواصل اللاسلكي الخاصة بالفريق العسكري الذي ينفذ المهمة. جيرونيمو لدى عودتي إلى غرفة النوم، وجدت السيدة الأصغر سنا ممددة على السرير. كانت تصرخ بشكل هستيري، بينما كانت تمسك بكاحلها. كان والت واقفا بالقرب من الجثة. وكان المكان لا يزال مظلما وكان يصعب التعرف إلى ملامح وجه الرجل الذي أرديناه قتيلا. كان التيار الكهربائي لا يزال منقطعا عن المنزل. رفعت يدي فوق رأسي، وقمت بإشعال الضوء الموضوع على الخوذة الواقية التي كنت أضعها. أصبح الهدف الآن مؤمنا، وبما أن كل النوافذ كانت مغطاة بالستائر من الداخل، لم يكن هناك أي شخص سيستطيع رؤيتنا من الخارج، لذلك كان استعمال الضوء آمنا. كانت ملامح الرجل قد تشوهت بسبب إصابته برصاصة واحدة على الأقل في الرأس، وكان وجهه ملطخا بالدماء. كان هناك ثقب وسط الجزء العلوي من رأسه، ما جعل الجزء الأيمن من رأسه يسقط عن مكانه. كان صدره ممزقا على امتداد المكان الذي دخل منه الرصاص إلى جسده. لقد كان مدرجا في حمام من الدماء. وبينما انحنيت بالقرب من جثته لكي أنظر إليه عن قرب، قام توم بفعل نفس الشيء. «أعتقد أن هذا الشخص هو بن لادن»، قال توم. لم يكن توم ليقوم بإعلام الجميع على جهاز التواصل اللاسلكي بأن ذلك الشخص هو أسامة بن لادن، لأنه كان يعلم بأن الخبر سيصل مثل البرق إلى العاصمة واشنطن. كنا نعلم بأن الرئيس باراك أوباما كان يستمع إلينا عبر جهاز التواصل اللاسلكي، لذلك لم نكن نود أن نخطئ بشأن هوية الجثة التي كانت أمامنا. بدأت في تذكر جميع المهام التي ينبغي علي أن أتمها. لقد كانت جثة ذلك الشخص تشير إلى أنه كان طويل القامة. تصورت أن طوله يصل تقريبا لحوالي متر وثلاثة وتسعين سنتيمترا. يتطابق هذا الأمر مع أوصاف بن لادن. لقد كان الذكر البالغ الوحيد الذي يعيش بالطابق الثالث بالمبنى. يتطابق هذا الأمر مع المعلومات الاستخباراتية. كان الشخصان اللذان يقومان بخدمته في نفس الأماكن التي قالت لنا وكالة المخابرات المركزية بأننا سنجدهما بها. يتطابق هذا الأمر مع ما قمنا بتنفيذه لحد الساعة. جففت دمائه كلما نظرت إلى ملامح وجهه المشوهة، كانت تأخذني عيني نحو أنفه. لم يتعرض الأنف لأي أذى، وكان يبدو مألوفا بالنسبة إلي. أخرجت كتيبا من بين عدتي، وشرعت أقارن الصور المركبة التي أمدتنا بها المخابرات. كان الأنف النحيف والطويل يتطابق مع الصور. كانت لحيته شديدة السواد، ولم يكن هناك أي آثر للشعر الأبيض الذي توقعت رؤيته على وجهه. «سنتكلف أنا ووالت بالجثة»، قلت لتوم. «حسنا»، رد توم. أخرجت أداة التصوير التي جلبتها معي، والقفازات البلاستيكية، وشرعت في أخذ بعض الصور، بينما كان والت يستعد لأخذ مجموعة من عينات الحمض النووي. كان وايل، الذي يجيد التحدث باللغة العربية، بداخل الغرفة كذلك. كان يقوم بالعناية بجرح السيدة التي كانت تصرخ فوق السرير. علمنا فيما بعد بأن اسمها كان هو «أمل الفتاح»، الزوجة الخامسة لبن لادن. لست متأكدا من التوقيت الذي تعرضت فيه للإصابة، لكن الجرح كان صغيرا جدا. يمكن أن تكون قد أصيبت بشظايا الرصاص، أو ارتداد النيران. «لدينا كم هائل من الملفات الحساسة بالطابق الثاني»، سمعت أحدهم ينادي عبر جهاز التواصل اللاسلكي الخاص بالفريق الذي ينفذ المهمة. «سنحتاج إلى مزيد من الرجال هنا». وبينما كان توم يهم بمغادرة الغرفة، سمعته يقول على شبكة التواصل اللاسلكي الخاصة بالقيادة العسكرية «هناك إمكانية أن يكون لدينا شخص مصاب بالطابق الثالث. أكرر هذا الأمر وارد فقط، لسنا متأكدين بعد». أخرج والت من بين عدته كيسا مملوءا بالماء، وشرع في رشه شيئا فشيئا على وجه الرجل. بدأت بعدها في تجفيف الدماء من على وجهه، بالاستعانة بأحد الشراشف التي كانت موضوعة على السرير. بدأ وجه الرجل يبدو لي مألوفا شيئا فشيئا كلما أزلت الدماء عنه. لقد كان يبدو أصغر سنا مما توقعت. كانت لحيته سوداء، كما لو أنه صبغها. استمررت في التفكير مليا في عدم ظهوره كما توقعت أن أراه. كان من الغريب جدا رؤية مثل هذا الوجه المألوف عن قرب. لقد كان الشخص الممدد أمامي هو المسؤول الرئيس عن المعارك التي خضناها خلال العقد الأخير. لقد كان القيام بتنظيف الدماء عن وجه المطلوب رقم واحد في العالم أمرا لا يتقبله العقل. لكنني كنت مضطرا لفعل ذلك لأجل أخذ بعض الصور له. كان ينبغي علي التركيز على المهام التي أقوم بها. في هذه اللحظة، كنا في حاجة لصور ذات جودة عالية. قد ينتهي المطاف بهذه الصور بأن تصبح إحداها الأكثر مشاهدة في العالم. لذلك لم أكن أرغب في العبث بأي شيء. تفجير المروحية بعدما وضعت الغطاء جانبا، أخرجت آلة التصوير التي استعملتها في السابق لأخذ آلاف الصور خلال السنوات القليلة الماضية، وبدأت في تصوير الجثة. لقد تعلمنا جيدا كيفية أخذ مثل هذه الصور. لقد كنا نقوم بمهام المحققين بمسرح الجريمة على امتداد سنوات طويلة بأفغانستان. أخذت الصور الأولى للجثة بأكملها. بعدها جثوت على ركبتي بالقرب من رأسه، والتقطت بعض الصور لمنطقة الرأس. بعدما سحبت لحيته نحو اليمين ثم الشمال، أخذت مجموعة من الصور الجانبية. كنت أريد حقا التركيز على الأنف. ولأن لحيته كانت شديدة السواد، كانت الصورة المميزة التي التقطتها له هي تلك التي صورتها من الجانب. «يا صاح، قم بفعل شيء ما لكي تبقى عينه مفتوحة،» قلت لوالت. انحنى والت بالقرب من الجثة، وقام بجذب جفن العين إلى الخلف، كاشفا بذلك عن عينه ذات اللون البني. استخدمت عدسة التكبير في الكاميرا، وقمت بأخذ صورة سريعة بينما كانت عينه مفتوحة. بينما كنت أقوم بتصوير الجثة، كان وايل برفقة السيدتين والأطفال بالشرفة. تحت المكان الذي كنا به، كان زملائي يجمعون جميع الحواسيب، وبطائق الذاكرة، والمذكرات، ومقاطع الفيديو التي عثروا عليها بالمكان. وفي الخارج، كان علي (مترجم وكالة المخابرات المركزية)، والفريق الأمني يعملون على صد جميع الجيران الذين انتابهم الفضول. وعلى جهاز التواصل اللاسلكي سمعت مايك يتحدث عن مروحية «البلاك هاوك» التي تعرضت لحادث الاصطدام. «فريق المتفجرات، استعدوا للقيام بالتفجير»، قال مايك. علمت انطلاقا مما سمعته عبر جهاز التواصل اللاسلكي، بأن الجندي المكلف بالتفجير والجندي المتخصص في وضع المتفجرات، كانا في طريقهما نحو باحة المبنى. «يا صاح، أمامنا عملية تفجير ينبغي علينا تنفيذها»، قال الجندي. «حسنا، تلقيت هذا الأمر»، رد الجندي المتخصص في وضع المتفجرات. شرع في إخراج القنابل الناسفة، وفي وضعها على جنبات الطابق الأرضي للمسكن الرئيس. «ما الذي تفعله؟» قال الجندي الآخر عندما رأى التقني المختص يقوم بإخراج القنابل. لقد نال الارتباك قسطا كبيرا من الجميع. «لقد قلت لي بأنه علي الاستعداد لأجل القيام بتفجير المكان، أليس كذلك؟» «نعم، ولكن ليس المنزل»، رد الجندي. «سنفجر المروحية». «عن أية مروحية تتحدث؟» كان التقني المتخصص في وضع القنابل يظن بأن الجندي كان يقصد الاستعداد لتفجير مسكن بن لادن. كان ذلك الأمر إحدى خطط الطوارئ التي تدربنا عليها أثناء المناورات الأولية.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة