وجها لوجه: البصري: إما أن تتوقف عن الكتابة أو أرميك في السجن بنعلي: «سأبقى حرا وسأموت حرا» | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

وجها لوجه: البصري: إما أن تتوقف عن الكتابة أو أرميك في السجن بنعلي: «سأبقى حرا وسأموت حرا»

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الثلاثاء 12 فبراير 2013 م على الساعة 19:11

رن الهاتف، كان على الطرف الآخر من المكالمة صوت تفضحه لكنته الشاوية، رجل سلطة، عدو للكلمة المنفلتة من القالب، الرافضة للرقابة والتواقة للحرية، وزير داخلية وخصم لأي تحليل يضع بنية المخزن واقتصاد الريع تحت المجهر، ومباشرة دخل في الموضوع: «معاك البصري.. واش غدي تسالي ديك الكتبة ديالك خلاص، أولا غادي نديك الحبس؟»..   تحدي البصري لم تكن العلاقة بين الطرفين سلسة، وهذا أخف وصف يمكن أن نصف به العلاقة بين الطرفين، وبدا وزير الداخلية القوي لمدة ربع قرن من الزمان، متسلطا في كلامه، يٌستثار بكلمة، ولا يقبل بسماع الطرف الآخر.. ولم تعجب الراحل بنعلي والمثقف الملتزم طريقة كلام وزير الداخلية، لكن الأستاذ الجامعي الذي كان نصفه طنجاوي والنصف الآخر رباطي حافظ على هدوئه… حدث هذا في بداية التسعينيات حينما كانت كتابات المثقف الجريء والمستقل وتحليلاته العميقة والمناهضة لأشكال الريع والاستبداد والمنتقدة لسياسة وزارة الداخلية والسياسة العامة المتبعة، وتنادي بالديمقراطية والفكر الحر، (كانت) كافية لتحرك التهديد والوعيد.. إنها الرواية التي حكاها لنا في «أخبار اليوم»، رفيق الراحل إدريس بنعلي وصديقه شرف مسواك، أستاذ التعليم العالي في علم التسيير والتدبير. ماذا كان رد الراحل بنعلي الأستاذ المفكر للراحل وزير الداخلية؟ يجيب مصدرنا:  قال له: «سأبقى حرا وسأموت حرا..» وفي ظرف دقائق معدودة انتهى الكلام وانقطع الخط. هو الاقتصاد والسياسة، إذا أردنا أن نفهم الراحل إدريس بنعلي، هي لعبة السلطة والمال، لفهم السر وراء من كانوا يقتفون أثر كلماته التي تفك الشفرة بين الحكم والجاه والسلطة والصولجان..  هي التاريخ والجغرافيا التي كان يستوعب دروسها ويطوّعها لفهم وتفكيك اقتصاد الريع، وقراءة دسائس السلطة ومذابحها. يتوقف طويلا عند التاريخ، ولم ينس قط هالة الدين ولا أسباب النزول، وكان حذرا في الكلمات مستوعبا لتقاليد الحكام، ينتقد بأدب، ويفكك البنيات بذكاء وعمق سياسيين.. الرجل بغير جدال من أكبر المحللين الاقتصاديين المغاربة الذين عروا النظام الفيودالي بالمغرب، وثمة من يصفه من رفاق حزبه القدامى بخليفة عزيز بلال، ويقفون طويلا عند الموسوعة الفكرية التي ظل يتنقل بها في حديثه من أطراف المال والتدبير والتحليل الإقتصادي إلى الفن والأدب والشعر وصولا إلى التاريخ..   قال للراحل البصري «لا»، حينما كان الكل يخاف في بداية التسعينيات من رجل الشاوية القوي على عهد الملك الراحل الحسن الثاني. رفض الفرار  ويضيف شرف مسواك، أنه لم تمض إلا مدة قصيرة، حتى اتصل به محام صديق استعجله أن يغادر المغرب على عجل في انتظار أن تهدأ العاصفة، لأن ثمة أنباء عن احتمال إغلاق الحدود في وجهه، ولما تزامن استعداده للمشاركة في محاضرة بباريس، فقد انتقل إلى هناك.. لكن، بمجرد ما أنهى الأستاذ الجامعي مداخلته ورتب أوراق مهمته الباريسية، حتى ركب أول طائرة ليعود إلى المغرب! لأسباب كثيرة اصطدم الراحل بنعلي مع البصري، فقد طلّق حزب التقدم والاشتراكية، وانخرط في المجتمع المدني كمؤسس لجمعية بدائل سنة 1995 التي ترأسها في ولايتها الثانية، وقضى ورفاقه في جمعية بدائل الكثير من الوقت لإيجاد الطريق إلى عصرنة وتحديث المملكة، وقضوا ساعات من التفكير والتحليل للمساهمة في النقاش بين الأحزاب السياسية والملك الراحل الحسن الثاني لإنجاح تجربة التناوب. في السياق نفسه، أكد الأستاذ عبد العالي بنعمور لـ»أخبار اليوم» أن مشاكل الراحل بنعلي مع البصري لا تنتهي، وهي نفسها تلك التي عاشها حينما اقتسما معا عند تأسيس جمعية بدائل والمواقف التي اتخذتها في أكثر من محطة سياسية، إذ قال لنا بالحرف: «وقعت بيننا وبين البصري عدة مشاداة، فقد استدعتنا الشرطة مثلا في عهد البصري، بصفتنا ممثلي جمعية بدائل، في الوقت الذي خاض البصري بصفته وزير الداخلية حملة سميت حينئذ بحملة التطهير، وهو الاستدعاء الأمني الذي سبقه بلاغ وقعناه في جمعية بدائل، قلنا فيه نعم للتطهير، ولكن بشروط، أولها احترام حقوق الإنسان والعدالة، وثانيها أن لا يقودها أشخاص كانوا وراء الانزلاقات التي قيل إنها كانت محط تطهير، وقد رأى وزير الداخلية حينئذ في العبارة الأخيرة استفزازا له، لذلك أعطى تعليماته للتحقيق معنا، وهي الفترة التي كنت حينها رئيسا بجمعية بدائل…» كان يحضر لكتاب خصصه لتشريح الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، لذلك يقول الأستاذ عبد العالي بنعمور لـ»أخبار اليوم» بحسرة كبيرة: «إن موته خسارة كبيرة لنا وللمغرب، وقد حكوا لي أن آخر ما قاله وهو يتحسر على المرض الذي لم يمهله لإكمال كتابه الأخير عن الوضع الاقتصادي في الفترة الأخيرة، هو كالتالي: «آسف لأنني لم أكمل كتابي عن المغرب»» لم يمت الراحل بنعلي، حسب أصدقائه المقربين، هو حي يرزق، تاريخه، كتاباته، جرأته ومواقفه، كل هذا يتحدث عنه، وعبر ابنه اللامع الذي تخرج من أكبر المعاهد الباريسية ويعمل الآن في واحد من أكبر مكاتب الدراسات الأجنبية.. ستظل تلك الـ»أم.ممممم» التي يرددها بعد كل عبارة يقولها أبعد من الشك الديكارتي أقرب إلى القلق الدائم الذي كان يطرحه حول أكثر تحليلاته رصانة، وقد حرص دائما على أن يقدمها بتواضع باذخ الأناقة.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة