ابنة الشعب التي سكنت قلب الملك

ابنة الشعب التي سكنت قلب الملك

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الأربعاء 07 أغسطس 2013 م على الساعة 10:29

«لست ملكة، أنا أميرة، لا توجد ملكة في المغرب، يوجد فقط ملك»، هكذا كان رد الأميرة للا سلمى البالغة اليوم خمس وثلاثون عاما على بعض المارة على هامش رحلة لأسوان المصرية في سنة 2006 والذين نادوها بالملكة. لعل هذا هو سر شعبية الأميرة للا سلمى التي تتميز بقدرتها على الحفاظ على مكانتها وعلى مزيج جيد بين الشهرة والتواضع والتقاليد والعصرنة. إحدى عشرة سنة بعد زواجها من الملك، تلك الفتاة التي كانت توصف بابنة الشعب المتكتمة والخجولة تمكنت من الاستحواذ على مكانة متميزة في الفضاء العمومي والقيام بدورها على أحسن وجه مما جعلها تحصل على لقب السيدة الأولى. زوجة وأم ومسؤولة جمعوية وأميرة تمثل المغرب في عدة مناسبات، هكذا أصبحت للا سلمى سفيرة المغرب العصري حيث أصبحت النساء أخيرا يلعبن أدوارا مهمة. عندما تزوج يوم 21 مارس من سنة 2002 بفتاة من الشعب اسمها سلمى بناني، زعزع  الملك محمد السادس التقليد المعمول به في النظام الملكي المغربي. لأول مرة تظهر زوجة عاهل البلاد ويتعرف عليها المغاربة وتحمل لقب «صاحبة السمو» الذي كان حكرا على أبناء وإخوة وأخوات الملك. هكذا افتتحت الأميرة للا سلمى عهدا جديدا، وصار جميع المغاربة يتساءلون عن الدور الذي سيصبح منوطا بها. التشبث بالعادات والتقاليد رأت الأميرة للا سلمى النور في فاس سنة 1978، في كنف أسرة من الطبقة المتوسطة. والدها أستاذ، فقدت والدتها ولم تتجاوز سن الثالثة من العمر حيث اضطرت للالتحاق بجدتها التي تكلفت بتربيتها في أحد الأحياء الشعبية في الرباط… عمل القصر على تأطير الطلات الإعلامية الأولى للأميرة، وظهورها إلى جانب زوجها وابنها الأمير مولاي الحسن لسن صورة النظام وإعطاء بعد إنساني للصورة المقدسة والبعيدة للملك. لا يعيشون في القصر، ولكن في إقامة خاصة بدار السلام، حي تابع للعاصمة الرباط. لأول مرة يرى المغاربة من خلال الصور، الملك العطوف والرقيق تجاه ابنه وزوجته. وبالرغم من منزلتها الجديدة، حرصت الأميرة للا سلمى، على عدم تغيير طباعها وعاداتها، فهي تأخذ ابنها بشكل منتظم لزيارة جدتها، الأمر الذي أثار دهشة جيرانها القدامى، كما أنها تفضل أن تسوق سيارتها بمفردها في أحياء وأزقة العاصمة، جميع من التقوها يتذكرونها كسيدة طيبة وبسيطة ومحترمة من طرف الجميع. غير أن الأميرة للا سلمى ليست محكومة بالانغلاق والقيام بدورها كأم محبة وزوجة كتومة. فمثلها مثل شقيقتها الطبيبة، أكملت الأميرة دراستها العليا بنجاح كبير، وجميع أساتذتها يتفقون على أنها كانت تلميذة وطالبة متميزة وذكية. فبعد حصولها على الباكالوريا بميزة حسن من ثانوية الحسن الثاني، قضت سنتين في الأقسام التحضيرية في ثانوية مولاي يوسف قبل أن تلتحق بالمدرسة الوطنية العليا للاتصالات السلكية واللاسلكية التي تعد من أهم مدارس الهندسة في المملكة. محاربة السرطان … القضية التي شغلت الأميرة كما هو الحال بالنسبة إلى السيدة الأولى في جميع البلدان، رغبت الأميرة في أن تستثمر جهدها في نشاط  خيري؛ فبعد تفكير طويل في موضوع محاربة السرطان، القضية التي تشغلها وتهمها كثيرا لأسباب عائلية، تم في سنة 2005، إنشاء جمعية للا سلمى لمحاربة السرطان، المشهود لها بالعديد من الإنجازات والنجاحات. «فيما يتعلق بمحاربة السرطان، يمكن أن نقول إن الأمر أثّر كثيرا في الأميرة لدرجة أنه يمكن الجزم أن للا سلمى ما بعد الجمعية، ليست نفسها التي كانت ما قبل إنشائها» يوضح الناشر نور الدين عيوش، الذي يشغل صفة عضو في مجلس إدارة الجمعية. الأميرة عينت سفيرة النوايا الحسنة للمنظمة الدولية للصحة، وفي سنة 2010 حصلت على جائزة الميثاق بباريس التي سلمها إياها الطبيب الشهير ديفيد خياط المختص في الأمراض السرطانية، وفي سنة 2011 جعلتها المجلة الشهرية البريطانية «دوميدل إيست» ضمن لائحة أكثر خمسين شخصية مؤثرة في العالم. «الأميرة لا تفضل أن تبقى حبيسة الدور الشرفي، بل إنها تنظم بشكل منظم الاجتماعات مع الفاعلين في مجال الصحة والمجتمع المدني، تناقش خطط العمل وتعطي التعليمات، كما أن لها قدرة كبيرة على تعبئة المنظمات غير الحكومية والمتطوعين وأيضا الممولين» تشرح الأستاذة فوزية لمسفر، عضوة مجلس إدارة الجمعية. الأميرة تقوم بدور فعال ومهم جدا من خلال الجمعية التي تحمل اسمها وقد تدخلت بنفسها لدى مختبرات «روش» حتى يتمكن المغاربة ذوو الدخل المتوسط من الحصول على العلاجات اللازمة لهم. قريبة من الشعب في مارس من السنة الجارية رأى المغاربة الأميرة للا سلمى وقد تمددت على أحد أسرة مركز تحاقن الدم وهي تقوم بمنح دمها في إطار الحملة التي أطلقها الملك للتبرع بالدم؛ وفي يونيو رأى الجميع صورة الأميرة إلى جانب طفلة فقدت شعرها بسبب العلاج الكيمائي. في بلد حيث يحظى قطاع الصحة بسمعة سيئة وحيث مرض السرطان كان يعتبر إلى وقت قريب عارا، كان للحملات الإعلامية دور مهم في ترك بصمة في وعي المغاربة، وقد أصرت الأميرة على أن تكون الوصلات التوعيوية التي بثثتها وسائل الإعلام بالدارجة المغربية حتى تصل إلى أكبر عدد من المغاربة. الأميرة كانت لها الجرأة أيضا في الخوض في مواضيع يعتبرها البعض «طابو»، ففي يوينو من سنة 2011، وفي اجتماع لزوجات الرؤساء والملوك في الأمم المتحدة والذي خصص لمناقشة داء السيدا، أخذت الأميرة للا سلمى، الكلمة حيث أكدت على أن الناس لربما يتحاشون الحديث عن قضايا تتعلق بالمخدرات والدعارة والتوجهات الجنسية، مضيفة «لكن حين يتعلق الأمر بالمرض وحياة الإنسان، فإن الدين لا يكون عائقا، بل بالعكس، أظن أنه يمكن أن يساعد في هذه الحالات»… في يناير من السنة الجارية، فوجئ المتواجدون في ساحة جامع الفنا بالأميرة رفقة ولي العهد الأمير مولاي الحسن والأميرة للا خديجة حين توجهوا إلى مكان قريب من مقهى «أركانة»، وكأي أسرة مغربية وبدون حراسة خاصة قريبة منهم، قاموا بالتجول في الساحة قبل أن يجلسوا إلى مائدة أحد باعة الحلزون ليتذوقوا الوجبة الشعبية الأكثر شهرة لدى المغاربة.  سفيرة للمغرب هذا، وقامت الأميرة أيضا بتمثيل الملك في العديد من المناسبات سواء في المغرب أو خارجه، كما سبق لها ترؤس العديد من المهرجانات وحفلات العشاء الرسمية، والتقت بزعماء من أنحاء العالم، من إمبراطور اليايان إلى ملك التايلاند، مرورا برئيس الأرجنتين، كما استضافت بصفة خاصة الزوجين نيكولا ساركوزي وكارلا بروني، في إقامتها الخاصة، كما سبق أن استضافت الأمير تشارلز وزوجته كاميلا. كما أنها نظمت وشاركت في لقاءات عديدة للسيدات الأوائل في إفريقيا وفي السياق نفسه، أعلنت في يونيو الماضي عن توزيع الدواء على الأطفال المصابين بالسرطان في الغابون وبوركينا فاسو والكوت ديفوار والسنغال ومالي. لتتمكن من القيام بهذا الدور الدبلوماسي المهم، مرت الأميرة من تدريب في «الإتيكيت» في بريطانيا وألمانيا كما حسنت مستواها في اللغتين الإنجليزية والإسبانية. كما أن الملك لعب دورا مهما في تكوين الأميرة الجديدة. ففي حوار خص به مجلة «باري ماتش» سنة 2003، أسرّ الملك لمحاوره أنه كان يكلف الأميرة للا سلمى بـ»الكثير من الأشغال»، والمثير أنه وفي ذلك الوقت قيل إن الملك كان يختار بنفسه الأزياء التي تظهر بها الأميرة في طلاتها الرسمية. أميرة الأناقة لا يمكن الحديث عن الأميرة للا سلمى دون الحديث عن أناقتها البالغة، فخلال أحد عشر عاما، تمكنت الأميرة من تحديد أسلوب خاص بها يمزج بين العصرنة واحترام التقاليد. اعتمدت ماكياجا خفيفا، وتسريحة شعر بسيطة. تنتقي أزياءها من كبار دورالأزياء الباريسية، كما أنها ترتدي القفاطين المغربية الأصيلة التي ميزتها خلال حضورها في حفل زفاف ولي عهد اللوكسمبورغ والأمير وليام وكيت ميدلتون، ما جعل الصحافة العالمية تحيي اختياراتها وأناقتها البالغة ما جعل قراء مجلة «هيلو» يختارونها الضيفة الأكثر أناقة في الحفلين. الأميرة تعشق السفر، فهي تتنقل غالبا رفقة طفليها أو بعض المقربات منها، وقد سبق لها أن زارت بشكل غير رسمي إيرلندا والصين ومصر، كما أنها عاشقة لليونان التي قضت فيها عطلة الصيف مرتين على الأقل. الأميرة المستقلة تحرص خلال جولاتها في إطار سفرياتها خارج المغرب على التملص من الحراس اللصيقين، أما حين لا تكون الأميرة مرفوقة بطفليها خلال رحلاتها فهي لا تكف عن الاتصال بالهاتف لتسأل عن حالهما، إنها أم وزوجة وأيضا أميرة مفردة ومميزة.   * عن «jeune afrique « بتصرف

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة