هكذا تعرض صحافي مغربي للتفتيش والاستنطاق البوليسيين ليشاهد فيلم إسرائيلي بإيطاليا! | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

هكذا تعرض صحافي مغربي للتفتيش والاستنطاق البوليسيين ليشاهد فيلم إسرائيلي بإيطاليا!

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الخميس 26 ديسمبر 2013 م على الساعة 12:15

ما يزيد عن أسبوع من المشاهدة والنقاش بشكل يومي، في رحاب تظاهرة عالمية من حجم « تي إف إف »، قد يقارب حصيلة مادة دراسية لدورة جامعية. هناك في مهرجان تورينو الدولي للسينما (انظر المقال السابق)، يلتقي الأستاذ والتلميذ في مجال السينما، النقد والميديا المتخصصة في الفن السابع…فيكون السؤال سيد الموقف في حلقات النقاش والندوات الصحفية، الكل متعطش للمعرفة والمعلومة…  ولكن !!! لأول مرة ألمس أن المخابرات أيضا تهتم بالمعلومة السينمائية، لدرجة « الاستنطاق » بشكل مباشر عن اختيارك الفني، في فضاء مهرجان سينمائي عالمي، بل وتمضي « الأجهزة » في استقصاء رغبتك من عدمها حول مشاهدة فيلم معين؟. كنت أعتقد أن المخابرات تهتم فقط بالصحافة السياسية. على الأقل هذا ما بدا لي في تجربتي الصحفية بالمغرب.  لأول مرة أتعرض لتفتيش، واستنطاق من طرف الشرطة الإيطالية السرية « ديكوص »، حصل ذلك في اليوم الأخير من مهرجان تورينو، بطريقة « هوليودية » وتمييزية، حينما أوقفني شرطيان سريان رفقة صديقتين إيطاليتين، مباشرة بعدما ترجلت بصحبتهما خطوتين، قبالة مبنى سينما « ماسيمو » وراديو « لاراي »، مغادرا الفضاء المهرجاني، رافضا مشاهدة الفيلم الإسرائلي « عربية » (الذي برمج للعموم مجانا في الساعة السابعة، على هامش فعاليات « تي إف إف »، بمناسبة الشراكة الإسرائيلية الإيطالية كما عنون ذلك المنظمون)، ومفضلا العودة للقاعة السينمائية، إلى حدود الساعة الثامنة لمشاهدة « كلوب سندويش »، الفيلم المكسيكي، الفائز بالجائزة الكبرى للمهرجان.  حينما استوقفني الشرطيان السريان من جهاز « ديكوص »، كان أحدهما قد وجه نظراته الثاقبة نحوي، عارضا بطاقته المهنية صوب وجهي، بشكل مباغث، على شاكلة الأفلام الهوليودية. المراقبة الأمنية من طرف الشرطة أمرعادي، وضروري جدا للحفاظ على أمن أي مجتمع، وهذا مألوف على الخصوص في المطارات، لكن يصبح الأمر غيرَ عادٍ حينما يتم اختيارك من « دون الناس »/ بين مجموعة معينة، (جمهور السينما، والصحافيين)، وسط فضاء مهرجاني وأمام قاعة سينمائية، بسبب عرض فيلم له علاقة بإسرائيل، وبطريقة « هوليودية »، قد تحدث في المرء « إرهابا نفسيا »، بل وتزرع كثيرا من الشك في قيم الحرية، التي يروج لها الساسة الغربيون.  ينتابك إحساس غير جميل حينما تتجاوز المراقبة الأمنية، مسألة التعرف عن هويتك إلى مستوى الاستنطاق والسؤال عن اختيارك الفني، وهو ما عشته حينما سألاني رجلُي الشرطة الاستخباراتية « ديكوص » لثلاث مرات متكررة: هل ستشاهد الفيلم؟ في إشارة إلى الفيلم الإسرائلي « عربية ». أطلق الشرطيان سراحي في وقت وجيز، رفقة الصديقتين الإيطاليتين، اللتين عبّرتا لي عن أسفهما لما وقع، وكانتا غير مصدقتين للحادث، في فضاء مهرجان عالمي للسينما من حجم « تي إف إف »…حينها لم أصدر أي تعليق، كان لي ما يكفي ولله الحمد من المقاومة الداخلية، لامتصاص غضبي، (الذي أحتفظ لنفسي بترجمته سلميا، عبر الكتابة والتعبير الفني، في المكان والزمان المناسبين) ومرد ذلك أن رصيدا من المناعة الذاتية تكَوّن لديّ، بعدما عشت قبل سنة تجربة تمييزية عنصرية، مؤسساتية، كانت قاسية، ونافعة، غيرت بعضا من نهج وإيقاع حياتي، لكن كما يقول المثل الدارج « الدقة اللي ما تقتل كتقوي ». ترسخت لدي قناعة مفادها أن أصعب « سلاح » لمواجهة الشر هو الخير، حتى يغلب الخير الشر، تعلمت كيف أن الاعتزاز بالهوية الأصلية واحترام هويات الآخرين أقوى « سلاح » في « بلاد الغرب »، وكيف يمكن أن « تحتج » في الوقت والمكان المناسبين (ليس بلغة الانتقام ولكن لأجل رد الاعتبار للكرامة). قبل حادثة المداهمة الأمنية التمييزية التي تعرضت لها، وخلال ليلة الحفل الختامي للمهرجان الدولي للسينما بتورينو، احتشد جمهور من الطلبة، كان بعضهم من القياديين قد انفلتوا من قبضة العيون الأمنية، وقصدوا منظمي المهرجان، حيث باغتوا قاعة الحفل احتجاجا على السياسات العمومية، اتجاه الشأن الطلابي، حينها كان المدير الفني للمهرجان، المخرج العالمي باولو فيرزي، ذكيا مع الموقف، حيث سمح لأحد الوجوه الطلابية البارزة بإلقاء كلمة احتجاجية، أمام المسؤولين المحليين، الجهويين، والحكوميين، بحضور وزيرة الاندماج « سيسيل كينغ ».  هكذا تمكن المخرج فيرزي من إنقاذ الموقف. أنجح الحفل الختامي للمهرجان، وروج له كثيرا عبر الصحف الإيطالية، من خلال مبادرته التي امتصت غضب الطلبة، حينما ألقوا الكلمة الاحتجاجية، وانصرفوا لحال سبيلهم، محققين هدفهم بإسماع صوتهم أمام ضيوف متمييزين في عوالم السياسة، الفن والصحافة… أما أنا (على الأقل لحدود الآن) فقد اقتنصت فرصة الإضراب العام الذي نظمته حركة 9 دجنبر بإيطاليا، التي تحمل تاريخ الحدث، وجدت نفسي في ذلك اليوم، – بعدما كانت وجهتي المكتبة الجامعية – مغروسا وسط حشد جماهيري بقلب مدينة تورينو (النقطة الساخنة بإيطاليا)، هناك بـ »بياتسا كاستيلو »، تناولت المكرفون، وألقيت كلمة مقتضبة بصفتي مهاجرا مغربيا، أمام جماهير إيطالية، أغلبهم شباب، أحثهم فيها على قيمة الحرية لانتزاع المطالب، وكأني قادم من أمريكا، وهكذا ومن حيث لا أشعر بجّلت حركة 20 فبراير، وعرّجت على الربيع « العربي » / « الديمقراطي »، حتى كاد يعتقد البعض أني أحد الثوار الذين أسقطوا بنعلي… شرعت في تحميسهم وزدت…  فانطلقت التصفيقات في الساحة الكبرى، وكأني تشيكيفارا زمانه، وحسبت نفسي أجيد لغة دانتي، بل وأحسن من أبنائه… يا لا تواضعي !!!     استرسلت في الحديث (برّدت غدايدي)، أحث الجماهير للتعبير عما يخالجهم، وما يحسونه من تضييق في الحريات، وجدت نفسي أحن إلى أيام الجموع العامة و »جذبة » المؤتمرات الشبيبية بالمغرب. أخذت « أغازل » النساء، الحَكم الفصل في الميدان، ولكثرتهن بين حشود الجماهير في ساحة « كاستيلو »، كنت « أخطب » ودهن متسائلا: أين هي حقوق المرأة؟ هل أنتم راضون عن استمرار العقلية الذكورية في إيطاليا؟ كيف يعقل أن يستمر التمييز في الشغل، وتكون المرأة دائما هي الضحية (كانت صيحات النسوة وتصفيقاتهن قد زادت في توريطي، وزعمت أني أخطب)،  حينها اقتنصت الفرصة مذكرا بقصة حديثة العهد لطالبة مغربية، محجبة، كانت قد تلقت جوابا تمييزيا/ عنصريا، ردا على طلبها للعمل من إحدى الشركات، ومما ورد في الإجابة أن: « المهنة المطلوبة لا يمارسْنها النساء في السعودية، وأن الشركة في حاجة فقط للذكور » هل هذا يليق ببلد « الحركة الإنسية »؟. تعالت التصفيقات ومعها زادت ورطتي في « الخطبة »، وشرعت أترصد مخرجا لإنهاء مداخلتي بأقل الخسائر اللغوية.   عدت للحديث عن الحرية، وقلت: (وهنا بيت القصيد) إنها ليست بتلك الصورة التي ارتسمت في ذهني عن الغرب، قبل أن أحل بإيطاليا، وإنه من العار أن تختار الشرطة السرية شابا أجنبيا من بين جمهور مهرجان تورينو الدولي للسينما، أمام قاعة سينمائية لتسأله عن اختياره الفني. أين هي الحرية يا بلد الجمال والفن؟ الحرية ليست شعارا بل إحساس؟ وزاد « هدير » التصفيقات… يا لا تواضعي !!!   حينما كنت أرقن الأسطر الأخيرة من هذه المقالة، في المكتبة الجامعية بتورينو، باغتتني حسناء جميلة، بابتسامة جذابة، تغري العين، ليس لي بها أي سابق معرفة، شرعت تسألني – دون أن تقدم نفسها- عن: اسمي، وصفتي و…ونسيت أن تسألني عما أكتب؟ غير أنها من جانب آخر، ساعدتني لأختم المقال، مُنهيا قصة « خطبتي »، التي ألقيتها أمام الإيطاليين عن « الحرية »، وإن ضقت درعا من طريقة أسئلة « الحسناء »، التي اقتحمت خلوتي دون استئذان، وساهمت في تعميق سؤالي عن الحرية في بلاد « رومية »، خصوصا حينما سأخبركم أن كثيرا من أصدقائي الإيطاليين اليساريين، عاتبوني على الكلمة التي ألقيتها في ساحة « كاستيلو »، أمام عدسات الصحفيين، قائلين: إني كنت أتحدث وسط النازيين، أبناء موسوليني، وإن الجماهير التي كانت محتجة في الساحة كلها من « اليمين ». والحقيقة إنْ صح كلام أصدقائي « اليساريين »، (الذين هم من الحزب الحاكم)، لا يمكن سوى أن يورطوني مرة أخرى لأعود و »أخطب » وسط « النازيين »، لجلب ودهم للأجانب/ الإيطاليون الجدد، الفئة المجتمعية التي ظلت لسنوات ورقة انتخابية يشيطنها اليمين، ويمجدها اليسار. الحرية في تقديري المتواضع يا سادة، أن لا يفرض عليك أحد رقابته الأمنية أو وصايته السياسية. الحرية إحساس، وليست شعار.    

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة