الوديع يراسل والدته ثريا السقاط في ذكرى وفاتها: أحن إلى شعر أمي وهي تضع زينتها قبل أن تجالس ديوانها

الوديع يراسل والدته ثريا السقاط في ذكرى وفاتها: أحن إلى شعر أمي وهي تضع زينتها قبل أن تجالس ديوانها

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الأربعاء 19 فبراير 2014 م على الساعة 1:23

    تعود إلى ذاكرتي صور لا إبهام فيها أو غموض. فلم يكن منزلنا يخلو من الكتب. كانت الكتب تمثل أشياء تدخل في طبيعة ما يحيط بي. وكنت وأنا ابن السابعة من عمري، غالبا ما أرى والدتي ثريا وهي منهمكة في قراءة كتاب بشغف لا مثيل له. وأعجبُ ما كان يثير فضولي هو أنها كانت تضع كامل زينتها قبل أن تجلس للكتاب في انهماك كأنه الصلاة. وكنت أتحاشى وأنا أراها على حالتها تلك، أن أقلق راحتها. فالأمر – ما دام يتطلب كل هذه الطقوس – لا بد وأنه على قدر من « الخطورة » غير يسير. كنت أسترق إليها النظرات وأختزنها في ذاكرة الصبا وأنا لا أدري أنني كنت أختزن بعض أجمل ذكريات الكهل الذي سأصيره في يوم من الأيام. غير أنني اكتشفت ولعها بالشعر اختلاسا. كنت نائما ذات مساء، فاستيقظت فجأة على صوتين: صوت والدي وهو يقرأ أبياتا شعرية لنزار قباني فيما فهمت بعد ذلك، وصوت والدتي وهي تردد « الله! يا سلام! ». بقيت في مكاني قابعا أسترق السمع لتلك المناجاة. كان والدي يتوقف مرة بعد مرة ليتيح لثريا ترديد إعجابها المؤثث بضحكات استحسان قصيرةٍ مستزيدة. حدث ذلك في نهاية الخمسينات حين كان المغرب يرتشف سنوات الاستقلال الأولى غير عابئ بسنوات الجمر الآتية ركضا كسنابك فرس ضارية. وكانت تلك أول مرة أحس فيها بسلطة الشعر عليها. ولا أدري هل كان ذلك من دوافع غوايتي. فقد بدأت مبكرا في كتابة الشعر، وكانت ثريا أول قرائي أو قلْ أول مستمعيَّ. كنت أكتب بيت الشعر وأعدو نحوها لأسمعها إياه وأنا أنتظر رأيها بتوجس وأمل. والحق أنها شجعتني بلا هوادة. كنت أشعر بالفرحة تغمرني كلما أشارت علي بالمزيد. فكأن حكمها عليَّ كان يمثل الكلمة الفصل في استمراري في الكتابة أو الانقطاع عنها.  وظل الأمر على حالته طويلا وبقيت أفعل نفس الشيء حتى وأنا داخل السجن وظلت هي على عهدها كما كانت منذ كان عمري في حدود التاسعة يوم كتبت أول بيت لي. كانت أول قرائي وصرت فيما بعد أول قرائها. بدأت ثريا تطلعني على قصائدها وأنا بعد في سجن القنيطرة المركزي. وقد استفدنا من الزيارات التي كانت تقوم بها إلينا كل أسبوع طوال عشر سنوات إلا حين كان يقعدها المرض الذي عصف بحياتها قبل الأوان. كان لنا حيز من الزمن نظل فيه رأسا لرأس بعد أن حقق المعتقلون السياسيون مطلب « الزيارة المباشرة » أي الزيارة بدون شبابيك. أسمعتني ثريا أولى قصائدها واستكانت إلى ما كان  لي من ارتسامات أو ما كان يبدو لي من ملاحظات. لقد كانت تلك الجلسات التي استمرت حتى بعد خروجي من السجن، لحظات لم نطلبها من الزمن ولم يبخل بها علينا. كانت كمثل الهدايا الآتية من مجرات أخرى، هكذا دون أن نحتسب …وستظل على حرصها على الكتابة إلى أن أصدرت ديوانها الوحيد « أغنيات خارج الزمن »  ولعلها كانت تعني الزمن الذي اختطفناه من هدير ما كان يحيط بنا طوال عقود بكاملها…    الحقيقة،لا زلت أحن إلى جلسة ثريا للكتاب، وإلى جلستها وهي تُسمعني آخر ما كتبته، حنينا لا رادَّ له ولا سلوى.                        

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة