الوديع: حيرني الحكم الصادر على التكفيري أبو النعيم وهؤلاء يطبعون مع القتل

الوديع: حيرني الحكم الصادر على التكفيري أبو النعيم وهؤلاء يطبعون مع القتل

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الخميس 20 فبراير 2014 م على الساعة 11:29

حين أنظر إلى أمر ما يقع عندنا أشعر كأنني أعيش في زمان آخر. زمان كان فيه قطع الرؤوس شيئا « طبيعيا » لا يستنفر إلا المتحلقين المتعطشين لبرك الدم ، للتملي بطلعة السياف قبل الالتفات إلى الرؤوس المقطوعة. وعلى بشاعة هذا المنظر القروسطوي، فإنني أعتقد أن ما هو أخطر من القتل هو خلق المناخ المسوّغ للقتل. وأخطر من المناخ المسوغ للقتل، تبني المنطق المحفز عليه. وأخطر من المنطق المحفز على القتل هو المبرر « الديني »: التكفير. ما الذي يسمح لي أنا الإنسان الفرد أن أرى في شخص آخر مشروع قتيل يستحق الموت غيلة بسبب اختلافه عني؟ ما المبرر الأخلاقي الذي يجعل ذراعي قابلة لأن ترتفع ثم تهوي على شخص آخر من أجل سلبه حياته؟ لقد وهبت الحياة للبشر متساوين. وُهبوا البصر والسمع والتمييز والقدرة على صنع مصيرهم بأيديهم. ووهبوا طاقة الإرادة والفعل وابتكروا في مسيرة حياتهم الطويلة القيمَ التي تؤسس لحياتهم وتفرز الخير من الشر والحسن من القبح، وجاءت الأديان للمساهمة في إضفاء المعنى والبعد الروحي على حياتهم تفاديا للامعنى. وأدركوا أن حياة الأفراد لا تستقيم إلا داخل الجماعات البشرية، مما يحتم وضع الأسس التي يجب أن تتمشى عليها الجماعات إياها، فابتكروا مفهوم المسؤولية الفردية عن الأفعال التي يأتونها لكي يكون للمحاسبة معنى واكتشفوا أن هذه المسؤولية عن أفعالهم لا تستقيم إلا مع الحرية التي هي أساس كل فعل ووضعوا – بناء على ذلك – القوانين لمعاقبة من يخرج على إرادة الجماعة عن طريق القانون والمؤسسات… ورغم أن هذه الحصيلة قد تعبت في بنائها الأجيال ولا زالت، فإنه يكفي أن يرتفع صوت بيننا يتهم شخصا في إيمانه ويعتبره خارجا عن الملة في نظره، ليضرب كل هذا الإرث عرض الحائط. وقد رأينا في تاريخنا كيف سقط ضحايا كثر من جراء ذلك، فهل سوف نصمت ونطبع؟ والأنكى من كل ذلك أن يتعلل الداعي إلى القتل بأن مبرره في ذلك هو أن صوت السماء معه وأن الله من وراء قصده. وأنه يقيم شرع الله. ونحن نرى كيف يبدأ المسلسل في بلدان أخرى. حيث تلتف الدائرة شيئا فشيئا حتى يتم « التطبيع » مع الأمر ويصبح شيئا عاديا يدخل في حكم العادة. ذلك أن قتل « الكافر » على يد « المؤمن » قرار لا يأتي دفعة واحدة، بل يختمر في ذهن صاحبه على مهل حتى يصبح الإقدام على القتل مجرد تطبيق لشرع الله وتعبيرا عن إخلاص المرء لدينه، بل واجبا من واجبات الإيمان الديني. ولا بد هنا من التأكيد على كون تسويغ جريمة القتل هذه هي نتيجة حتمية لعملية الشحن الوجداني والتبرير البطيء، يتحمل مسؤوليتها كل من ينشر دعوات الكراهية وهم متدخلون عدة: منهم عدد من خطباء المساجد وعدد من السياسيين الذي يقدمون عملهم السياسي كجواب على ما يهدد الإسلام من طرف « أعدائه » ومنهم المشتغلون عشوائيا في الفضاء العمومي. حيث يتم تفصيل لائحة « الأعداء » على المقاس: الخصوم السياسيون والمفكرون والنشطاء المدنيون. إن أوضاع المحيط الجهوي للمغرب يبرز بما لا يدع مجالا للشك أن المسار الذي تؤدي إليه دعوات الكراهية وخيم. فنحن نرى بفضل ما تتيحه وسائل الاتصال الحديثة نماذج من ذلك لا يمكن لكل ذي عقل ووجدان أن يصمت عنها. لقد رأينا بأم العين على اليوتوب مشاهد تقشعر لها الأبدان ويشيب لها الولدان. مشاهد الذبح والسحل والتهام الأعضاء البشرية وتكسير الجماجم والتعليق إلى أعلى والرمي من شاهق… ولمن لم يرها بعد أتمنى له ألا يراها أبدا لا على اليوتوب ولا في الحياة. لذلك فإن كل مشتغل بالشأن الديني أو الشأن العام يجب أن يدرك مقدار مسؤوليته. إن كلمة صغيرة في فم خطيب في مسجد أو متدخل في مهرجان يمكن أن تصبح قنبلة تنفجر في وجه الجميع أو خنجرا يجز عنقا أو يطعن صدرا في مكان القلب… وإنني لمتحير من الصمت المطبق لعدد من الأقلام المحسوبة على الصف الإسلامي، من صمتها عن إدانة تلك المجازر البشعة التي تنفر من المسلمين وتجعل أمة الإسلام مرادفة للقتل والوحشية في عالم لم تكن شعوب البشرية وأديانها وثقافاتها معنية أكثر من اليوم بالتعايش والتسامح والمرحمة. يجب الإقدام اليوم وبلا تأخير على إطلاق النقاش العمومي الصريح والواضح الذي يجب أن يفضي إلى تجريم كل قول أو فعل أو إيحاء تكفيري أيا كان مصدره، ولنا في الجوار التونسي قدوة حسنة… لكل هذا وذاك فإنني، مع احترامي لهيئة القضاء، لا يمكن إلا أن أعبر عن غضبي وارتيابي العميق من منطق الحكم الصادر في قضية التكفير الأخيرة…    

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة