أبو حفص: سأكون موجعا وسأحكي لكم قصة والدي الذي أبكاني

أبو حفص: سأكون موجعا وسأحكي لكم قصة والدي الذي أبكاني

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الأحد 09 مارس 2014 م على الساعة 12:52

  تثاقلت يدي وهي تخط ما أكتبه اليوم….وتوقفت قريحتي عن إمدادي بما يمكنني مشاركتكم به في هذه الحلقة الأخيرة من حديثي عن السيد الوالد….ذلك الحديث الذي لم ينته ولا زال في الجعبة الكثير…وما سبق لم يكن إلا خربشات من وحي هذه الأزمة التي يمر ونمر معه جميعا بها….   لذا فاعذروني إن شاب التلعثم كلامي…والركاكة عباراتي …و التيه حروفي…..لكنها لغة الألم….لغة الانكسار….لغة التحسر و التأسف…..لست مسؤولا عما قد تسببه لكم قصة اليوم من ألم في قلوبكم….و لا على الغصة التي ستخنق حلوقكم….و لا على الدموع التي ستنسكب على خدودكم…الظالم هو المسؤول …المعتدي هو المتحمل…….إليكم قصة المكافأة….هكذا كوفئ الرجل الذي بذل كل ما يملك…نعم (كل) بكل ما فيها من عموم لوطنه و أمته….هكذا كانت الجائزة لرجل اشتغل بصحة الناس و جروحهم ثلاثين سنة….دفعنا فيها نحن أسرته غالي الأثمان….إليكم القصة باختصار:   في مثل هذا اليوم بالضبط من شهر مارس عام 2003….كانت بداية اعتقالي بمقر الشرطة الوطني المعاريف بالبيضاء…لست هنا لأسرد تفاصيل ما وقع…لكن أشد المشاهد إيلاما كان هو وقوف والدي بلحيته البيضاء على باب المخفر كما أخبرني بعض الحرس…يسائلهم عن مصيري وما هم فاعلين بي…يرجوهم في إمدادي بكيس من الطعام اقتناه من المطعم المجاور وهم يرفضون ذلك و يمتنعون….كان تخيل المنظر قاسيا علي….قضيت تسع سنوات من السجن وكانت مثل هذه المناظر أشد إيلاما على قلبي…لا يعادلها إلا يوم سمعت أن والدتي أغمي عليها عند باب المحكمة عند سماعها خبر الحكم علي…أو يوم سقوطها بعد دفعها من أحد عناصر التدخل السريع يوم شاركت في إحدى الوقفات الاحتجاجية….مثل هذه المشاهد توهن أشد الناس عزيمة و أصلبهم مراسا…   نقلت إلى سجن سلا…و في اليوم الأول لوصولي كان والدي هناك من أجل زيارتي….لا زلت أذكر شرر الغضب المتطاير من عينه و هو يرمق القفة التي أعدتها على عجل..لكنه وجدها غير كافية لإدخالها على معتقل حديث عهد باعتقال…تعلمت الوالدة الدرس وكانت قففها فيما بعد تطعم جيوشا و ليس أفرادا…في طريق عودته إلى بيته يفلت من الموت بأعجوبة بعد أن كادت شاحنة أن تدهسه…   بعد تسعة أيام بالضبط….كان الخبر الذي زعزع أركاني و هز كياني….لقد اعتقل الوالد الكبير…لم أصدق بداية ما سمعته…قبل أن تأتيني الأخبار اليقين…اتهم الرجل الذي وهب حياته لإحياء الناس بقتل الناس …اتهم من كان عاش حياته يداوي جروح الناس بجرح الناس…تحولت بطولته لإنقاذ حياة الناس في جبال أفغانستان إلى جريمة جنائية…و أضحت موائده الحاتمية التي كان يقصدها من يعرفه و من لا يعرفه إلى تجمعات إرهابية…و هكذا تتحول البطولة إلى صك اتهام…في أبئس تمثيلية و أشنع مسرحية….   إلى سجن عكاشة ثم إلى عين البرجة…..أتتبع وأنا بسلا و عائلتي بين السجنين كل جديد عن الرجل العظيم المتقدم في السن …المريض بداء السكري…الخبر الذي هزني من جديد دخوله في إضراب عن الطعام …يااااله…أعلم أن الرجل يملك من العناد ما يجعل قراره جديا…و له من الإصرار ما سيجعل صحته في خطر أكيد….و كذلك كان…ستة عشر يوما لم يذق فيها متناول الانسولين طعاما….حتى السجان حكى لي فيما بعد عن تلك الأيام بإعجاب بالغ….   وقعت أحداث السادس عشر من ماي..و فقدت كل خبر عن الشيخ المضرب عن الطعام….و نقلت إلى جناح الإرهاب…حيث عزلنا عن العالم عزلا تاما….لا زيارات و لا جرائد و لا تلفزيون و لا مذياع….كانت نافذتنا الوحيدة لتلقي الأخبار هي زيارة المحامين ….نودي علي للقاء الأستاذ توفيق مساعف…و ياليتني ما خرجت……   عشر سنوات……استطاع القاضي أن يصدر الحكم….استطاع أن يدين الرجل الذي أمامه بلحيته البيضاء …و سمته الظاهر…و نوره البارق….أن يدينه بقتل البشر…و هو الذي عاش من أجل البشر….عشر سنوات من السجن للرجل الذي جاوز الستين….قضاها راكعا ساجدا منفقا باذلا معطيا….كدت الوقوع في حالة إغماء…عدت إلى ثقيل الخطوتين إلى زنزانتي الانفرادية…أسندت رأسي إلى الجدار…و بكيت…و بكيت…و بكيت….كادت الحجارة الصلبة التي تبنى بها السجون أن تتفتت ذلك اليوم من شدة ما بكيت…..   شاع الخبر بين زملائي في الزنازن المجاورة…سيطر الحزن الشديد….استغرب السجانون من هدوء الممر دون أوامر و لا تعليمات…..لا تسمع إلا بكاء و أنينا و دعاء….أما أنا فطول الليل …أبكي …و أبكي…و أبكي….   نقلنا من سجن سلا إلى سجن عين البرجة…مع سوء الوضع هناك…و حشرنا مثنى و ثلاث في قبور موحشة و ضيقة…ومرحاض بلا حائط…و طعام مقرف…و انقطاع عن العالم…مع كل هذا وما هو أسوأ منه…أخذني الفرح كل مبلغ…نسيت و تناسيت كل ما يحيط بي من محنة…تكفيني نظرة من والدي و إليه و لتفنى كل الدنيا بعد ذلك…   حللنا بسجن عين البرجة…و ضعنا ف القبور…و قلبي لا يتوقف ترقبا للقاء…لكن لا شيئ يوحي بإمكان ذلك…حتى الهواء لا يسمح لنا باستنشاقه فكيف بلقاء كهذا…حاولت السؤال لم يجبني أحد…تشجع أحدهم فأخبرني أنه حتى الحلم بمثل هذا اللقاء ممنوع….عدت إلى سجني وتأملت فيما يحيط بي من جدارن…و بكيت…وبكيت…و بكيت…..   كان قرار حرماني من رؤية الوالد جازما و صارما و مقصودا…ليس بيني و بينه إلا أمتار معدودة…و السجان يقف بيني و بينه…بعد الخيبة الكبيرة …علمت أن والدي استثني لظروف صحية من قرار حرماننا من زيارة العائلة…فقلت هذه الفرصة…على الأقل نظرة إليه ولو من بعيد وهو يمر إلى غرفة الزيارة…و حين كان الموعد ….فوجئت بالموظف يأمرني بالتزام مكاني في الزنزانة…أغلقها علي بإحكام لمدة قليلة…ثم عاد لفتحها…..حتى رؤية عن بعد كانت ممنوعة…حتى لمحه بالبصر يمشي جريمة منكرة……..بكيت …وبكيت …و بكيت…  

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة