موخيكا..بائع الأزهار الذي أصبح رئيسا للاوروغواي

موخيكا..بائع الأزهار الذي أصبح رئيسا للاوروغواي

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم السبت 12 يوليو 2014 م على الساعة 13:00

بعد إن كان في السابق بائع إزهار ومناضلا ثوريا وسجينا أصبح خوسيه البرتو موخيكا الذي يناهز الثمانين عاما، اليوم رئيسا للاوروغواي وشخصية عالمية، وتعود شهرته إلى أسلوب عيشه المتقشف وخطاباته المناهضة للمجتمع الاستهلاكي. فقبل بضعة أشهر من نهاية ولايته اسر لوكالة فرانس برس في منزله المتواضع الكائن في ضواحي مونتيفيديو وتحمل جدرانه بقع الرطوبة ولا تتجاوز مساحته 45 مترا مربعا، « إنني ناكر للجميل، علي إن أؤمن بالله. لأنني مررت بفترات عسر ويسر، واليوم عمري يناهز الثمانين ». وموخيكا الذي خط الشيب شاربيه يستقبل زواره بدون مظاهر بهرجة وتعليقاته عن إحداث الساعة الدولية يضعها في خانة فلسفته عن حب الأخر أو طبيعة « الجنس البشري » والمخاطر التي يواجهها في سباقه الجنوني إلى الربح. وان كان متميزا في خطاباته التي يهاجم فيها المجتمع الاستهلاكي، فان القانون الخاص بتنظيم سوق القنب الهندي هو الذي جعل « أفقر رئيس في العالم وأكثرهم سخاء » كما تصفه الصحافة الدولية وجها نجوميا عالميا. وفي موضوع المجتمع الاستهلاكي وتدهور البيئة يقول موخيكا بأسف رغم انه مؤيد لمشاريع منجمية او مرفأية مثيرة للجدال، « لم اكتشف شيئا، أنها حقيقة ساطعة. لكن هناك عجز الدول الكبرى التي تعيش بالتفكير في مصالحها الوطنية وبمن سيفوز في الانتخابات المقبلة ». لكن في ظل ولايته من خمس سنوات -الانتخابات الرئاسية مرتقبة في أكتوبر المقبل- اعتمدت الاوروغواي البلد الصغير في أميركا اللاتينية المقدر تعداده السكاني بنحو 3,3 ملايين نسمة، أيضا نصوصا رائدة في المنطقة مثل زواج مثليي الجنس أو السماح بالإجهاض. وما زال الرئيس الذي اشرف على نهاية مسيرته المهنية, ينظر نحو المستقبل. وقال في هذا السياق « اعتقد إننا (حكومته) كنا دوما حساسين لطريقة النظر إلى العالم الجديد، إلى الشباب ». ورغم انه معروف بتواضعه عادة فانه لا يتردد في تقديم نفسه كمثال. واسر مازحا « هل رأيتم كيف إن المرشحين إلى الرئاسة لا يضعون ربطة عنق ? أتذكرون إن أول برلماني لم يضع ربطة عنق كان إنا »، معبرا عن سروره بان الطاقم السياسي الحديث « يتحرر بعض الشيء ». كما أن « بيبي » موخيكا لم يتردد من اجل مثله العليا بشأن الحرية في إغضاب مواطنيه بقبوله استقبال ستة معتقلين من سجن غوانتانامو الأميركي « كرجال أحرار »، وكذلك نحو مائة لاجئ سوري معظمهم من الأطفال. ولم ينس سنوات الاعتقال التي أمضاها في سجون الحكم الدكتاتوري (1973-1985) لاكثر من 13 عاما تعرض خلالها للضرب والاذلال حيث وضع في زنزانة معزولة لتسع سنوات لم ترافقه أثناءها سوى الحشرات محروما حتى من القراءة لسبع سنوات. كانت « أسوأ سنوات حياتي » على حد تعبيره. وللصمود أمام مثل هذه المعاملة « لا بد أن يكون المرء فطريا بالمعنى الذكي للعبارة, فالإنسان حيوان صلب جدا ». وبعد وصوله إلى حافة الجنون جاء الخلاص في نهاية المطاف مع السماح له « بقراءة الأبحاث العلمية وبالكتابة ». ولعل حبه للخطابة ظهر من تلك الفترة. وقال هذا المناضل الدائم المتزوج من ناشطة ثورية سابقة أصبحت اليوم عضوا في مجلس الشيوخ، « قد أكون رجل إيمان في الجوهر (…) أدرك قيمة الإيمان الديني على الأرجح لأنني املك عقيدة سياسية ». وهو يرفض التقيد بالتقاليد كما يرفض « لعب دور الرئيس، كان ينبغي أن يكون لدي ثلاثة أو أربعة خدم يتبعونني. وما كنت لاستطيع النهوض ليلا بثيابي الداخلية للذهاب إلى المرحاض ». ويعتبر اليوم انه خرج أكثر قوة من أخطاء وم آسي الماضي. وقال موخيكا الذي كان مناصرا للكفاح المسلح في السابق « لست اسفا على الاطلاق على ما عشته والا لما كنت تعلمت بهذا الشكل. في الحياة نتعلم من الالم اكثر بكثير من الاخفاقات ». وكان موخيكا في صباه يبيع الازهار في الاحياء الميسورة في مونتيفيديو, جاذبا السيدات المسنات اللواتي كن يكرمن مفقوديهن, وذلك قبل ان ينضم الى حركة التحرير الوطني « التوباماروس » في ستينات القرن الماضي. لكنه يعتبر اليوم « ان الحرب وسيلة وحشية تعود الى ما قبل التاريخ. فايا يكن سبب الحرب فانهم هم انفسهم الذين يدفعون الثمن, الاكثر ضعفا ». وعشية مغادرته الرئاسة يرى ان « في كل مرحلة من التاريخ البشري يجب السعي الى تعلم امر ما ونقله الى الذين سيأتون ». وقال « ان ذلك يستحق العناء ان نعيش حياة مليئة. يمكن ان تسقط مرة, مرتين, ثلاث مرات او حتى عشرين مرة, لكن تذكر ان بامكانك النهوض مجددا وبدء حياة جديدة. (…) ان المهزومين هم اولئك الذين يتوقفون عن النضال, الموتى هم الذين لا يناضلون من اجل العيش ». وفي ساعة الحقيقة يعترف بانه ياسف لامر واحد وهو انه لم ينجب اولادا. وخلص هذا « الابن لسيدة صلبة وشديدة القوة » الى القول « كرست نفسي لتغيير العالم. فلم انجح ومر الزمن ». وتابع مبتسما « ربما لا أزال تحت تأثير الوجه النسائي (الامومي)، وجه نسائي كان يرفع كيسا من 50 كيلو (من الاسمنت) ويحمله على ذراعه ». وفي الغرفة المجاورة كان يسمع صوت غسالة مشغلة ليندمج مع طقطقة الخشب في المدفئة. ويعتزم هذا العاقل المسن مطمئنا من الآن فصاعدا إن يفعل « ما يفعله الأسلاف، إعطاء نصائح لا يأبه لها الجميع ».

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة