هولاند في الجزائر.. هل هي بداية لصفحة جديدة؟

هولاند في الجزائر.. هل هي بداية لصفحة جديدة؟

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الأربعاء 24 سبتمبر 2014 م على الساعة 3:50

  أدى وصول فرانسوا هولاند إلى الحكم في فرنسا إلى تغيير الكثير من الأشياء. فزيارة الدولة إلى الجزائر اليوم الأربعاء وغدا الخميس، هي الأولى للرئيس الاشتراكي إلى دولة مغاربية منذ انتخابه أولا، ثم جاءت قبل زيارته للمغرب. إذ في الوقت الذي كان الرؤساء الفرنسيون السابقون يختارون في أغلبهم المغرب دائما، كأول محطة لهم في زيارتهم إلى منطقة المغرب العربي، يعتبر هولاند من بين رؤساء الجمهورية الخامسة الأكثر دعما للجزائر. فلماذا هذا الاختيار؟ هناك أولا التاريخ الشخصي للرجل . فهو من مواليد 1954، سنة اندلاع حرب الجزائر، ابن أحد المدافعين عن الجزائر الفرنسية وأم يسارية ملتزمة سياسيا تدافع عن استقلال الجزائر، حتى أن النقاشات داخل المنزل حول هذا الموضوع كانت تدور في أجواء عاصفة. وقد اكتشف الشاب فرانسوا هولاند الحياة السياسية لبلده من خلال هذا النقاش حول موضوع غريب يحظى بالأولوية. وفي إطار دراسته بالمدرسة الوطنية للإدارة، أرسل إلى الجزائر لإجراء تدريب في سفارة فرنسا لمدة ثمانية أشهر، اكتشف فيها أن الآخر يسعى كذلك لأن يجد أجوبة عن أسئلته.   ثانيا، هناك منهجية وطريقة عمل هولاند، الرجل الذي لا يؤمن باليقين التام، والذي يبحث  دائما عن فهم كل شيء بتواضع، وصدق، ومن المدافعين عن استراتيجية الخطوات الصغيرة. فهو يتقدم سنتمترا بعد سنتمتر، ويرتكب في مساره أخطاء قليلة. وهكدا طلب مثلا قبل زيارته المبرمجة في 2008، عندما كان يتولى منصب الكاتب الأول للحزب الإشتراكي ورئيس جناح المعارضة، لقاء سفير الجزائر بفرنسا، ميسوم صبيح أحد المقربين من عبدالعزيز بوتفليقة. وتمت بينهما مناقشة طويلة، أوصى صبيح في نهايتها بوتفليقة مباشرة باستقبال هولاند. وقد امتد لقاء هولاند برئيس الدولة في الجزائر الذي كان مقررا له أقل من ساعة على مائدة العشاء لمدة أكثر. وكان تقدير قصر المرادية لهولاند إيجابيا، ولكن آنذاك لم يكن الجزائريون يتصورون أن هولاند سيصبح يوما ما رئيسا.   ثم جاءت مرحلة غزو قصر الإيليزي في سنة 2012. وقبل ذلك قام هولاند بزيارة أخرى سنة 2010 التقى خلالها بأحمد بن بلا أول رئيس للجزائر المستقلة. وخلال حملته الرئاسية، أدرك هولاند وكان الوحيد، الأهمية الانتخابية للرهان الجزائري، ووعد في حالة انتخابه الاعتراف «بالقمع الدموي» ليوم 17أكتوبر 1961 بباريس والذي خلف حسب المؤرخين، قرابة 200 قتيلا في صفوف الجزائريين المتظاهرين في العاصمة الفرنسية. وقد نفد وعده بمناسبة الذكرى الـ51 لهذا الحدث المؤلم.     غير جدير بالثقة ولكن، فبعد يومين فقط من استلامه لوظيفته، انخرط وزير الخارجية لورانس فابيوس في نوع من «المديح الحماسي» للمغرب، مما جعل مستشارا في الرئاسة الجزائرية يصر بأنه لا يجب انتظار أي تغيير في السياسة المغاربية لفرنسا، وأن الساكن الاشتراكي الجديد لقصر الإيليزي وحسبما يظهر، يتجه إلى الاستمرار أكثر في هذه السياسة. ولعل هذا ما جعل مستوى قلق الجزائريين يرتفع. فإذا كانت فرنسا منذ فترات طويلة تميل نوعا ما إلى جانب المغرب، فإنها تحرص مع ذلك دوما على نوع من «التوازن»، وأصبحت تحرص بشكل خاص على عدم إغضاب الجزائر التي لا تطالب بأكثر من ذلك.   ففي بداية ولايته الرئاسية الأولى، أوضح فرانسوا هولاند للجزائريين، من خلال رغبته بالقطع مع مرحلة الرئيس السابق ساركوزي، بأنه إذا كان «لشيراك أسبابه الشخصية لتقديم الدعم غير المشروط للمغرب، لأنه كان يعتبر نفسه شيئا ما الأب الروحي للملك محمد السادس، فإن الأمر معه سيكون مختلفا، إننا لا نتبع المغرب مطلقا في تحركه»، هكذا وعد هولاند الجزائريين ضمنا.    ستة أشهر بعد ذلك في خطاب ألقاه بطنجة، سيمسح محاولته في الإغواء بضربة يد. ففرنسا مازالت تميل إلى الجانب المغربي كما تؤكد ذلك بشكل قوي وعلني. وحسب الجزائر، فإن أسباب هذا الاختيار واضحة «العلاقات الاقتصادية بكل وضوح، ولكن أيضا واقع أن المغرب كان دائما حليفا وفيا ومن السهل على فرنسا التعامل معه»، يؤكد بدون سخرية، أحد وزراء بوتفليقة السابقين، قبل أن يضيف «الرباط لا تخلق مشاكل، أما نحن، فإننا مختلفون. فنحن حلفاء غير جديرين بالثقة بالنسبة لباريس».   وفي الواقع ، سواء تعلق الأمر بالاتحاد من أجل المتوسط، العزيز على ساركوزي أو التدخل في  شمال مالي، فإن الجزائر ليس من النوع الذي يمكن أن يتنازل بسهولة. «لا يمكن أن يلوموننا مع ذلك، لأننا نطرح الأسئلة الجيدة» يحتج ميسوم  صبيح. إن الاتحاد من أجل المتوسط هو النموذج الواضح للمنهجية الحماسية، ولكن غير الناجعة خلال فترة حكم ساركوزي، والتي انتهت بإغضاب الجزائريين الذين كانوا متضايقين من قبل، مما يسميه الفرنسيون «الدور الإيجابي للاستعمار» ومن الأحاديث الصاخبة الأخرى حول «استحالة الاعتدار». من أجل تقديم فكرته، فقد استشار ساركوزي بوتفليقة الذي كانت تربطه به على عكس ما يقال، علاقات شخصية جيدة، قبل أن يكلف هنري غيانو، مستشاره الخاص، باستكمال المشاورات. ويعلق بوتفليقة على ذلك بقوله «نحن متفقون حول المبدأ، ولكن أفضل الحصول على معلومات دقيقة أكثر حول المحتوى أو الأهداف ونريد إشراكنا في كل شيء». لم يسبق لساركوزي أن استجاب  لأي من طلباته، واختار استقطاب المصري حسني مبارك بتعيين بلده نائبة الرئيس ووعد تونس بأن تصبح مقرا للمنظمة الوليدة وكان منصب الأمين العام من نصيب المغرب، فيما خرجت الجزائر خاوية الوفاض.   وليس من المستبعد أن تسقط الجزائر في الأخطاء ذاتها مع هولاند، ولكن بعض المسؤولين الجزائريين يعتقدون العكس. «مع هولاند، يمكن أن نذهب بعيدا»يعتقد أصحاب القرار الجزائريين. فبوتفليقة الذي ستنتهي فترة ولايته في 2014، يريد أن يجسد الرئيس الذي قام ببناء علاقات قوية والذي تخلى عن بقايا الماضي مع فرنسا، تاركا هاته المكتسبات خالدة في وصيته السياسية. ويعرف هولاند إذن أن الوقت ضيق، وأن نافذة إطلاق النار أصبحت مهيئة. لذلك أسر لأحد مساعديه المقربين قائلا «يعي الرئيس بوتفليقة بأن عليه أن يسلم المشعل إلى جيل جديد ينتظر منذ فترة طويلة». بعبارة أوضح: إما أن يتم الحسم الآن أو لن يتم أبدا.   حوار وتوجد الجزائر في ظروف ملائمة للحوار. وبالرغم من ثروتها المالية غير المسبوقة، فإنها في حاجة لفرنسا ولمقاولاتها، لكن أيضا هي في حاجة ماسة إلى خلق مناصب عمل لمواطنيها ولنقل التكنولوجيا، أي هي في حاجة إلى التكوين. إن رئيس الحكومة الجزائرية عبدالمالك سلال، «الذي يسهل التفاهم معه» حسبما لا حظ هولاند خلال لقائه به في مالطة في 5 أكتوبر الماضي، منفتح أكثر من سلفه أحمد أويحيي المشهور بتشدده، خاصة أن  فرانسوا هولاند سيفرض إلى حد ما على الجزائريين السير إلى الأمام، لأنهم لن يكون لديهم في هاته الظروف أي مبرر أو عذر من أجل الإختباء وراء مواقفهم الدفاعية، كما كان عليه الأمر في الماضي. ألم يعبر بوتفليقة مؤخرا في حوار مكتوب، مع وكالة الأنباء الفرنسية عن أمله في إبرام «شراكة استثنائية لا يهم شكلها النهائي، لأن ما يهم هو مضمونها»؟. إن التغيير الذي تم انتظاره طويلا يوجد في بداياته، ولكن يمكن اعتبار هذا الأمر في حد ذاته إنجازا عظيما  زيارة فرنسوا هولاند الى الجزائر اليوم تثير مشاعر متناقضة على الصعيدين السياسي والشعبي اللذين تتنازعهما الكراهية والإعجاب بالقوة الاستعمارية الفرنسية السابقة، لكن أمالهما كبيرة برئيسها الحالي.   وازدانت شوارع الجزائر العاصمة وتلمسان، معقل الاسلاميين في الغرب الجزائري، بأبهى حللها، استعدادا لزيارة هولاند، وستمنح جامعة تلمسان الرئيس الفرنسي دكتوراه فخرية.   ولا ينقضي يوم من دون صدور تصريحات عن العلاقات بين الجزائر وفرنسا،  سواء كانت ايجابية أو سلبية, وتطالب بإعلان الندم أو تتحدث عن «صفحة مطوية لكنها غير ممزقة».   وفي الأيام الأخيرة، انتقدت عشرة أحزاب سياسية منها أربعة اسلامية «رفض السلطات الفرنسية الاعتراف والاعتذار والتعويض، ماديا ومعنويا، عن الجرائم التي ارتكبتها فرنسا الاستعمارية في الجزائر». واتهمت أيضا السلطات الجزائرية التي ترفض فرض هذا الاعتذار والتعويض بـ»التساهل».   وشدد الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة من جهته على المستقبل، على غرار هولاند، وأعرب في تصريحات لوكالة فرانس برس الأسبوع الماضي عن أمله في «علاقة قوية وديناميكية مع فرنسا».   وأضاف بوتفليقة، المقاتل السابق من اجل استقلال الجزائر التي تحتفل هذا الأسبوع بذكراه الخمسين، «يجب أن نستخلص العبر من تجربتنا السابقة لنصحح «بالافعال» مسار تعاون وشراكة ما زالا قابلين للتحسين».   إلا أن وزير الخارجية مراد مدلسي قال أخيرا إن من غير الممكن «تجنب» مسألة الاستعمار.   وربما كان الخميس محكا لهذه التوقعات خلال خطاب فرنسوا هولاند أمام أعضاء المجلس الوطني الشعبي ومجلس الأمة الذين اعدوا مشروع قرار ما زال في الأدراج لمطالبة فرنسا بالإعلان عن ندمها.   وقد أبدى هولاند عزمه على إلا «يحبس نفسه في نقاش لا ينتهي حول الماضي».   وفي إطار التطلع إلى المستقبل, شددت الصحف على الاتفاقات الخمسة عشر ومنها «إعلان مشترك» من اجل تعاون متعدد الوجوه، سيوقعه الرئيسان في احتفال رسمي بعد أشهر من المفاوضات. وخصصت له صحيفة الوطن ملحقا ضخما. ومن الملفات التي تمت تسويتها، إنشاء مصنع لشركة «رونو»، والتخلي عمليا عن مصانع «لافارج» للاسمنت وتعليم اللغة الفرنسية الذي يتراجع في الجزائر. لكن في ما يتعلق بتنقل الاشخاص لا تزال المناقشات مستمرة حول تعديل اتفاق 1968.   وخلال زيارته، سيكرم فرنسوا هولاند المناضل الجزائري من أجل الاستقلال «موريس ودان» في الساحة التي تحمل اسمه في وسط الجزائر العاصمة. وقد اعتقله المظليون الفرنسيون وعذبوه في 1957 واختفى منذ ذلك الحين، وما زالت أرملته تطالب بكشف الحقيقة حول مصيره. وقالت أول أمس الاثنين لوكالة فرانس برس إنها ستتسلم من هولاند كل الوثائق المتعلقة بهذه القضية.   وسيزور هولاند الذي يحبه الجزائريون ورحبوا بانتخابه في ماي الماضي، المقبرة اليهودية والمسيحية في العاصمة الجزائرية وسيضع باقة من الورد على نصب شهداء حرب الاستقلال على مرتفعات العاصمة.   وقد أجريت في الأيام الأخيرة عمليات ترميم لهذين الموقعين. وفي الجزائر العاصمة كما في تلمسان، كانت الحياة صعبة لسكان الأحياء المعنية الذين حرموا من توقيف سياراتهم ومن النوم بسبب الأعمال الكبيرة خلال الليل. وشكر احد هؤلاء السكان جميع الزائرين الأجانب «الذين لولاهم لأرجئت إلى ما لا نهاية عمليات رصف شوارع المدن وصيانتها

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة