الربيع العربي يشحذ همة «البدون» في الخليج

الربيع العربي يشحذ همة «البدون» في الخليج

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الأربعاء 24 سبتمبر 2014 م على الساعة 3:50

  قال عبد الخالق، البالغ من العمر 35 عاما، «كان قرارا صعبا حقا. تركت بلدي وأسرتي.. أمي وأبي وأخواتي في الإمارات وسافرت وحدي الى بلد غريب يتكلم لغة مختلفة وله عادات مختلفة لا أعرف فيه أحدا». وأضاف متحدثا الى رويترز بالهاتف من بلد طلب عدم تحديده «كانت أول مرة أدخل فيها المطار وأركب طائرة. اعتدت على رؤية الطائرات فقط وهي تحلق فوق رأسي».   كان ترحيل عبد الخالق ممكنا لأنه «بدون» وهي كلمة تعني أنه لا يحمل جنسية ولا يمكنه شغل وظائف حكومية أو تلقي رعاية طبية أو تعليم بالمؤسسات الحكومية رغم أنه ولد في الامارات وعاش بها طيلة حياته. عبد الخالق واحد من خمسة نشطاء سجنوا لانتقادهم حكام الامارات العام الماضي لكن صدر عفو عنهم بعد ذلك. وقال انه لم يوجه له أي اتهام عندما سجن مرة أخرى في مايو ايار قبل ترحيله الذي أرجعه مسؤولون بالامارات لأسباب أمنية.   مواطنة صعبة   والطرد أمر نادرا ما يتخذ مع البدون في الإمارات لكن قصة عبد الخالق تعد مؤشرا على محنة عشرات الآلاف ممن لا يحملون جنسية في ظل قوانين المواطنة الصارمة في دول الخليج العربية حيث ينعم المواطنون برعاية اجتماعية كريمة. ومع تعالي الأصوات المطالبة بالإصلاح في منطقة الخليج اجتذبت حقوق البدون اهتماما جديدا. قالت منى كريم وهي نشطة في مجال حقوق البدون نشأت في الكويت وتقيم في الولايات المتحدة «كان تحركنا نابعا بلا شك من الربيع العربي». وأضافت «قبل عام 1986 لم يكن البدون يشعرون بالتمييز ضدهم.. فبينما كانوا محرومين من الحقوق السياسية والسكن كانوا يتلقون تعليما ويحصلون على وثائق ووظائف. وبعد ذلك تقلصت الحقوق شيئا فشيئا».   مطالب البدون   ولا يدعو المطالبون بحقوق البدون في المنطقة الى سقوط الحكومات لكن التغيير الذي يجتاح المنطقة شحذ همة الكثيرين منهم للسعي لمزيد من الحقوق.   قال عبد الخالق الذي يدير مدونة «إماراتي بدون» وينشط على موقع تويتر للتواصل الاجتماعي «نطالب بحقنا في العيش وحقنا في المواطنة. لا نريد أرضا ولا مالا وانما نريد فقط الحق في أن نكون مواطنين».   وأضاف «هناك أناس عاشوا في الإمارات 40 أو 50 سنة وولد اباؤهم وأجدادهم في البلاد ومع ذلك مازالوا بدون». وترجع أصول كثيرين من البدون في الخليج إلى قبائل البادية التي اعتادت على التنقل في المنطقة بلا قيود أو الى مهاجرين غير عرب لم يتقدم آباؤهم أو أجدادهم بطلبات للحصول على جنسية وذلك في مرحلة اكتشاف النفط عندما تأسست دول الخليج الحديثة في القرن العشرين.   البدون سبقوا الدول   ولم يتم تسجيل الآلاف عندما تأسست دول المنطقة وبعضها من خلال قوى غربية وأحيانا في أوقات متأخرة كستينات وسبعينات القرن الماضي وانتهى بهم الامر بعدم وجود أي صلة قانونية تربطهم بأي دولة أو اغفال تسجيلهم لاسباب دينية أو عرقية أو قبلية.   وكثير من عديمي الجنسية غير مسجلين في سجلات المواليد ونظرا لأنهم لا يحملون وثائق هوية رسمية فانهم لا يستطيعون السفر غالبا ولا العمل في وظائف عامة. ويولد أبناؤهم بدون أيضا ولا يحصلون في الغالب على تعليم حكومي ولا يتلقون رعاية صحية في مؤسسات تابعة للدولة. وقالت مورين لينتش من المرصد الدولي لحالات انعدام الجنسية وهي جماعة بحثية «انعدام الجنسية في أنحاء الخليج ناجم عن عدة عوامل منها التمييز وعدم الرغبة في اقتسام الموارد المالية».   وتقدر الأمم المتحدة عدد البدون في السعودية بنحو 70 ألفا وفي الكويت بنحو 93 ألفا. ولا تتوافر لديها أرقام بالنسبة للإمارات لكن نشطاء يقدرون العدد بما بين 10 آلاف و50 ألفا. ويقول مسؤولون بالإمارات أن العدد أقل من خمسة آلاف.   وتقول السلطات بالخليج ان كثيرين من عديمي الجنسية «مقيمون بشكل غير قانوني» من بينهم مهاجرون أخفوا أو أتلفوا جوازات سفرهم للمطالبة بالجنسية والاستفادة من المزايا المتاحة للمواطنين.   وفي عام 2008 أنشأت الإمارات هيئة لتسجيل من لا يحملون وثائق هوية لتقييم حالتهم. وكان من بين المتطلبات أن يظهر من أخفوا جوازات سفرهم هذه الجوازات كخطوة أولى لتقييم حالاتهم وتحديد من هو مؤهل للحصول على المواطنة. وتقول سلطات الامارات انه يجري تطبيق القوانين على الجميع على حد سواء.   وقال متحدث باسم وزارة الداخلية في الإمارات إن الحكومة تلتزم دائما بهذه القوانين واللوائح وتطبقها. وأضاف أن كثيرين من البدون تقدموا وكشفوا عن بلدهم الأصلي ومن ثم أسقطت الحكومة عنهم كل العقوبات المترتبة على اقامتهم بالامارات بصورة غير قانونية.   ومنحت السلطات الجنسية للمئات منذ عام 2009 طبقا لوسائل إعلام محلية.   وبالكويت جهاز مكلف بالنظر في طلبات المواطنة هو الجهاز المركزي لمعالجة أوضاع المقيمين بصورة غير قانونية.   وقال صالح السعيدي مدير الشؤون الاعلامية بالجهاز ان هناك شروطا لاستحقاق الجنسية الكويتية أهمها هو أن يكون الشخص مسجلا عام 1965. وأضاف أن من بين الشروط الاخرى خلو السجل الجنائي من أي جرائم. ويتهكم النشطاء على ما يرونه مبررات بلا سند.   تخوين البدون    وقالت منى كريم وهي في منتصف العشرينات من العمر «رغم أن البدون قاتلوا في المقاومة الكويتية (أثناء الغزو العراقي) وماتوا في حروب فإنهم يتعرضون للتمييز ضدهم من قبل الدولة وكثير من المواطنين ممن يقولون إنهم خونة لهم جذور عراقية».   وأضافت «أصبحت القضية قضية عنصرية بعد أن كانت من قبل قضية بيروقراطية واجحاف من الحضر ضد القبائل».   ونظرا لعدم وجود وثائق أساسية بحوزتهم لا يتمكن كثير من البدون في الخليج من امتلاك منزل أو سيارة ولا يستطيعون العمل الا في القطاع الخاص وبأجور متدنية في حين يعجزون عن الحاق أبنائهم بالمدارس الحكومية. ويعاني كثيرون منهم الفقر.   وقال أحد البدون ويعيش في السعودية مستخدما اسما مستعارا هو محمد العنيزي «أحيانا تقبل المستشفيات أوراقنا وأحيانا لا تقبلها». وفر العنيزي من الكويت مع أسرته عام 1990 بعد الغزو العراقي وهو يعيش بالسعودية منذ ذلك الحين.   وقال «الحكومة تعد دائما بتحسين وضعنا لكن هذا لا يحدث أبدا. حتى زعماء قبائلنا لا يفعلون شيئا. عندما وصلنا من الكويت أثاروا ضجة كبيرة لكنهم الان يتجاهلوننا.»   البلوش القادمون من الشرق   في إمارة رأس الخيمة بدولة الامارات يعيش مئات من البدون من قبيلة البلوش في مبان خرسانية متربة وذات أسقف منخفضة أو في مساكن متداعية في مشهد لا يتوقع القادمون الى بلد ترتفع به ناطحات السحاب المبهرة وتنتشر الجزر الصناعية أن يروه.   وترجع أصول قبيلة البلوش الى منطقة بين باكستان وايران. وبعض أبنائها حصلوا على جوازات سفر صادرة من جزر القمر التي قال سفيرها بالامارات زبير الاهدل لرويترز ان بلده ينتهج سياسة منح «مواطنة اقتصادية» لمن يستثمر فيه من أي مكان في العالم بما في ذلك البدون.   وبينما وقفت نساء من البلوش على مقربة يتحدثن بمزيج من اللهجات الايرانية والباكستانية قال رجل يدعى أحمد انه حصل قبل عام على جواز سفر صادر من جزر القمر ويأمل أن يؤدي ذلك الى حصوله على جواز سفر اماراتي في نهاية الامر.   غير أن جماعات حقوقية تقول ان حيازة جواز سفر أجنبي قد تضعف قدرة البدون على الحصول على جنسية البلد الذي نشأ به وتجعله عرضة لاجراءات أمنية قاسية كالطرد.   وقالت سارناتا رينولدز من جماعة اللاجئين الدولية «هذا يجعلهم بقسوة شركاء في طرد أنفسهم ويعطي الحكومة مبررا جيدا لطردهم.» وأضافت «طرد البدون من وجهة نظر الحكومة أقل تكلفة وربما يأتي بعائد جيد سياسيا.»  

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة