عالم الجيل الجديد من بارونات المخدرات

عالم الجيل الجديد من بارونات المخدرات

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الأربعاء 24 سبتمبر 2014 م على الساعة 3:51

قبل أسابيع قليلة، غادر بارون المخدرات «م ش» الملقب بـ»الطاحونة» زنزانته بالسجن المحلي بطنجة، وهو الذي كان محكوما ب 15 سنة نافذة، قبل أن يخفّض حكمه في مرحلة الاستئناف،  ليستفيد بعد ذلك من عفو جزئي، قبل أن يغادر السجن في الأسبوع الأول من  فبراير الماضي. في آخر المطاف لم يقض «الطاحونة» سوى ست سنوات وراء القضبان، وخرج تاركا وراءه عددا غير قليل من بارونات المخدرات المشهورين بمنطقة الشمال، وعلى رأسهم الشريف بن الويدان، والمفضل أكدي الملقب بـ «طريحة»وغيرهما ممن يوصفون بـ «الرعيل الأول» الذين عملوا في مجال التهريب الدولي للمخدرات. ومنذ 12 من أبريل لسنة 2011، وهو التاريخ الذي اعتقل فيه «طريحة» بعد مغادرته لحفل زفاف إحدى أقربائه، لم يحدث أن سقط بارون مخدرات شهير بمنطقة الشمال، مما طرح أكثر من علامة استفهام حول هذا الأمر. أين اختفى هؤلاء ؟ وهل انتهى زمن «الرعيل الأول» ؟، وإذا انتهى فعلا  فكيف يمكن تفسير استمرار عمليات التهريب وارتفاع وثيرتها بمختلف الوسائل والطرق؟ أين اختفى الرعيل الأول؟ «المهربون الكبار لم يختفوا، بعضهم مازال في السجن، والبعض الآخر  متابعون، لكنهم خارج تراب المملكة، وعدد مهم منهم يعيشون حاليا في فيلات فاخرة في الجنوب الإسباني»، يقول مصدر مقرب من «الطاحونة». ومع ذلك، فلا ينفي هذا المصدر أن يكون جزء مهم من «الرعيل الأول» من مهربي المخدرات قد فضل ترك هذا الحقل ومزاولة نشاطات أخرى. ويقول إن الذين كانوا ضمن اللائحة السوداء، وبالخصوص أولئك الذين تم اعتقالهم في حملة 1996، بدوا وكأنهم «تابوا» وغيروا وظيفتهم وتحولوا إلى مقاولين ومنعشين ومهتمين بمجال العقار ! نشاطات للتمويه؟ ولكن ما هي الأسباب التي جعلت هؤلاء يتوقفون عن عمليات التهريب الدولي؟ لم يتردد هذا المصدر الذي فضل عدم الكشف عن هويته، في الرد عن هذا التساؤل بتساؤل آخر: «ومن قال إنهم توقفوا عن عمليات التهريب ؟». صمت قليلا ثم تابع موضحا استفهامه: «هناك بعض البارونات الذين  توجهوا إلى العقار حتى يصرفوا الأنظار عنهم، وبعضهم فتح مقاه فاخرة حتى يوهم الناس والمسؤولين على حد سواء، أنه  مشغول بمشاريعه الاقتصادية». وبالفعل، فمن يزور طنجة ستغمره صور عشرات المقاهي الفاخرة أصحابها بارونات مخدرات سابقين، وهذا الأمر بات معروفا حتى لدى المسؤولين الأمنيين والقضائيين. والمثير أن بعض هؤلاء المالكين لهذه الأماكن الفاخرة التي تزين عددا من شوارع مدينة البوغاز يعيشون خارج المغرب، وبعضهم الآخر مازالوا يعيشون وراء القضبان سواء بطنجة أو بالدار البيضاء. ويرى متتبعون لملفات التهريب في الشمال أنه ما دامت المخدرات تصل إلى ال»كوفي شوبس» بهولندا، وهي تلك المقاهي التي يباع فيها الحشيش علانية في ذلك البلد و يتم تزويد جزء مهم منها عبر بارونات الشمال، فذلك «يؤكد أن عمليات التهريب مستمرة، والبارونات مازالوا يشتغلون لكنهم بالتأكيد أبدعوا أشكالا جديدة في عمليات الترهيب». جيل جديد إن المحسوبين على «الرعيل الأول» من مهربي المخدرات، لم ينتهوا إذن، لكنهم تراجعوا بشكل كبير، وساهمت في ذلك الأحكام التي كانت تصدر في حقهم، إذ يزيد معظمها عن 10 سنوات. وهذا الأمر عبّد الطريق لجيل جديد من البارونات الكبار، هؤلاء كانوا إلى عهد قريب مجّرد «حمالة»، حسب وصف أحد المصادر، لكنهم اليوم أصبحوا أرقاما صعبة في معادلة التهريب الدولي للمخدرات. وتختلف طريقة عمل هؤلاء المهربين الجدد، الذي برزوا بالأساس قبل سنتين، عن تلك التي كان يتّبعها «الرعيل الأول». فهم يستعينون بوسائل جديدة في التهريب، أبرزها الطائرات والمروحيات التي تخترق الأجواء المغربية وتقوم بنقل المخدرات إلى الأراضي الإسبانية بالخصوص. في السابق كان بارونات المخدرات يعتمدون بشكل كبير على «الزودياك» أو القوراب التي يستعملها الأفارقة حاليا في الهجرة إلى اسبانيا، لنقل المخدرات إلى الضفة الأخرى، وكانوا يستفيدون بشكل كبير من ضعف المراقبة، وقد «تكون الطريق معبدة» في بعض الأحياء ، حسب المصدر المطلع الذي صاحب هذه العبارة  بحركة من  يديه وتعبير بوجه في دلالة لا تخطئها العين. وسائل متطورة اليوم ومع تشديد المراقبة في السواحل، فإن الصف الثاني أو المهربين الجدد، أصبحوا يلجؤون إلى الجو تارة وإلى مراكب الصيد التقليدي تارة أخرى لتهريب المخدرات. مصدر من داخل ميناء طنجة كشف لـ «أخبار اليوم» أن السيارات التي تدخل إلى الميناء محملة بمؤونة البحارة لا تخضع للمراقبة عادة ، وهذه النقطة يستغلها المهربون بشكل جيد. سيارة المؤونة تدخل إلى حيث يرسو المركب، ويقوم العمال بنقل المواد الغذائية، وهم أنفسهم من يحمل هذه المخدرات داخل المركب الذي ينطلق اتجاه المياه الدولية، وهناك تسلم المخدرات إلى مراكب الصيد الإسبانية التي تعمل على نقلها إلى البر في إطار شبكة منظمة، والكل يتقاضى مقابلا ماليا حسب المهمة التي يقوم بها. المهربون الجدد يلجؤون أيضا إلى شركات النقل الدولي، حيث تستغل الشاحنات في  عمليات التهريب، وهذا الأمر أيضا أصبح معروفا، وسبق وأن جرى إيقاف سائقين مغاربة واسبان بعدما تم ضبط مخدرات داخل شاحناتهم. وكشف مصدر من داخل الميناء، أن الكميات التي يقوم البارونات الجدد بتهريبها ليست هي نفس الكميات التي كان يهربها «رجال الرعيل الأول» ويضيف المصدر:» أولائك كانوا يهربون المخدرات بالأطنان، أما المهربون الجدد فكمياتهم لا تتجاوز 100 إلى 200 كليوغراما». نفس المصدر عاد ليؤكد أن سر نجاح المهربين الجدد يمكن بالضبط في اعتمادهم على الكميات الصغيرة والخفيفة، و بالمقابل تدفعهم هذه الطريقة إلى الرفع من وتيرة العمل التي قد تصل إلى عمليتين في الأسبوع. من جهتها، تقول مصادر قضائية إن عمليات التهريب عبر الدراجات البحرية «جي سكي» أخذت في الارتفاع بشكل كبير، وغالبا ما يكون المهربون الجدد، وراء هذه العمليات لأنهم يعتمدون على الكميات الصغيرة وذلك حسب وسيلة النقل. ومهما تكن العمليات التي يقوم بها المهربون الجدد، فإن فرص التهريب في عهد «الرعيل الأول»، ورغم بدائية وسائل التهريب نسبيا، فإنها قد لا تتكرر، حتى وإن استعمل الجيل الجديد من البارونات وسائل متطورة مثل المروحيات والطائرات. والسبب وفق مصدر أمني رفيع، هو اشتداد المراقبة الامنية، والتنسيق المتزايد بين المغرب واسبانيا في مجال مكافحة التهريب الدولي للمخدرات.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة