القاضي غارثون الذي تحول إلى مؤسسة في إسبانيا متهم! | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

القاضي غارثون الذي تحول إلى مؤسسة في إسبانيا متهم!

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الأربعاء 24 سبتمبر 2014 م على الساعة 3:52

قبل سنوات قليلة كان بلتثار غارثون رأس حربة إسبانيا في حربها ضد الإرهاب والإرهابيين. ولم يكن يتردد في إعطاء الضوء الأخضر للتنصت على الهواتف والتدقيق في الملفات السرية. ولعله استسلم لنشوة اللعب على حافة القانون ولما استفاق وجد نفسه ليس في كرسي القاضي المحقق بل في قفص الاتهام الذي ياما وضعه العديد من الناس قاضٍ طموح، يعشق القفز في الفراغ، لا شيء يجمح رغباته في الشهرة عبر التحقيق في أثقل القضايا، ينعت القضاة بالكسل، لأنهم ينتظرون أن تأتيهم الحقيقة على قدميها إلى مكاتبهم، بينما يخرج هو للبحث عنها، يبيح التنصت على الهواتف والتدقيق في الملفات السرية، يعتقد أن حل المشاكل يتم عبر مواجهتها بالقرون مثل الثيران أي وجها لوجه وفي أقرب وقت.   لم يكن بالتثار غارثون من الشباب الثوريين أيام الدراسة في الجامعة بإقليم الأندلس، بل كان خجولا ومنزويا، يخطط بذكاء حاد ليكون قاضيا. كانت مواجهاته مع الشرطة الإسبانية أيام فرانكو قليلة، أولها عندما نزع رجال الشرطة قرنفلة من كتبه بعد مشاركته في مظاهرة القرنفل طلبا لإحقاق الديمقراطية في البلاد، وبدأ مساره بعد التخرج قاضيا مغمورا في محكمة «خايين» بالجنوب الإسباني، وهناك يروي في كتاب مذكراته أنه اصطدم ببيروقراطية قاتلة كادت تقضي عليه في نهاية ثمانينيات القرن الماضي. ومع مطلع عام 1987، كان على غارثون أن يقوم بقفزة كبيرة في الفراغ، قفزة غيرت تفاصيل حياته الرتيبة داخل ردهات محكمة «خايين»، فالخبر الذي أتاه يقول بقبوله للعمل كمنتدب للمحاكم بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية بمدريد. كانت سنه الصغيرة وتجربته المتواضعة لا تخولان له شغل هذا المنصب، لكن بعض من خَبِرُوه توسموا فيه خيرا، ولمسوا في عينيه ذكاءً متقدا كان سيُقبَر بين ملفات إقليم الأندلس الرتيبة.  كانت الأمور لحظتها تسير في اتجاه جديد بعدما قضى غارثون ست سنوات في محكمة خايين المهترئة، لقد جاءته الفرصة التي يحلم بها كل شاب طموح في سنه، سينتقل إلى مدريد للعيش والعمل في سن الواحدة والثلاثين وبعد ست سنوات من الخبرة فقط، إنه القدر الذي بدا مبتسما يومها لغارثون الذي اختير وهو في سن صغيرة، ربما كان للعبث علاقة بالأمر، أم هو القدر الذي بدا عبثيا في أيام فبراير تلك واختاره دون غيره لتلك المهمة، «لقد أوصى بي ايغناسيو سييرا، رئيس مفتشية المجلس العام للسلطة القضائية آنذاك».  داخل ردهات المحكمة الوطنية لمدريد سيكتشف غارثون تفاصيل حياة أخرى: لعبة القضاء ولعبة وسائل الإعلام اللتين تصبان في لعبة سياسية كبرى كانت ملامحها قد تشكلت في إسبانيا؛ الخارجة لتوها من حقبة الديكتاتورية ويدير دفتها الاشتراكيون بقيادة فليبي غونزاليث… كان الاشتراكيون وقتها بحاجة إلى قاضٍ يلمع صورة إسبانيا الجديدة، وكان غارثون بطموحه وذكائه ذلك القاضي، فهم أنه مؤهل للتحقيق في القضايا الكبرى، فهي الجسر الذي سيوصله ليكون قاضي إسبانيا الأول. وبدأ فعلا بالتحقيق في ملفات منظمة «إيتا» التي كانت شوكة في خاصرة البلاد، ثم اشتم رائحة الشهرة في ملف الديكتاتور الشيلي أرنستو بينوشي، وفجره، وكان لذلك وقعٌ مُدَوٍّ جعل اسمه ينتشر بين شفاه مذيعي أكبر القنوات التلفزيونية العالمية… لم يقنع بتحقيق العدالة على أرض إسبانيا، بل تجاوز حدودها بحثا عن شهرة في مختلف ربوع المعمور. وفي تلك الأيام البعيدة قدم له الاشتراكيون الكثير من الإغراءات ليركب سفينتهم، وكذلك فعل في فترة ما، كانت غايتهم أن يقدموه كصورة للديمقراطية الإسبانية الوليدة، وكانت غايته أن يكون قاضي إسبانيا الأول ويغطي بنوره كل قضاة البلاد… لكنه ترك سريعا سفينة اليسار بعدما بدأت الرياح تجري يمينا بشكل هز عرش الاشتراكيين.  لكل سياسي هفوة، وكانت موهبة غارثون بالذات في اقتناص الهفوات وتحويلها إلى قضايا، ركب اليمين، وانتزع القضايا الساخنة من بين أيدي زملائه في المحكمة الوطنية بالقوة لتتحدث عنه الصحف، فكل خطوة لغارثون تصلح موضوعا تفتتح بها نشرات الأخبار، ومع مرور السنوات أتقن التعامل مع الكاميرات وعدسات المصورين، وصارت هويته المفضلة هي خلق الخصوم، الخصوم الذين تكاثروا مع مرور الوقت كان جزء كبير منهم من القضاة الذين صاروا يهابون غارثون أكثر من هيبتهم للقانون، لقد تحول إلى مؤسسة تمشي على قدميها، تستمد قوتها من القانون الذي تسخره لخدمة طموحاتها اللا متناهية.   عندما وقعت أحداث الحادي عشر من شتنبر 2001، اقتنص غارثون الملف لكونه من القضايا التي تمنحه قوة وشهرة، وبدأ التحقيق إلى جانب الأمريكيين في ملف تنظيم القاعدة وبحث بالعدسة المكبرة عن امتدادات التنظيم في شبه الجزيرة الإيبيرية، خصوصا وأن محمد عطا أحد أهم انتحاريي القاعدة في الأحداث قضى فترة قصيرة بجنوب إسبانيا قبل تنفيذ أكبر هجوم ضد العم سام، ثم جاءت أحداث 11 مارس 2004 التي بدأ يحقق فيها أيضا، وقدم خدمة للأمريكيين باعتقاله ومحاكمته لأشهر مراسلي قناة «الجزيرة» تيسير علوني أثناء زيارته لإسبانيا لقضاء عطلته الصيفية عام 2003، وهو في ذلك يبحث عن محاكمة أشهر القنوات العربية التي عاكست خطة البنتاغون الإعلامية في حرب أفغانستان.  وهو يتصيد هفوات الآخرين، كان أعداؤه الكُثر ينتظرون منه زلة أو خطأ ما ليذيقوه من نفس الكأس التي أشربهم منها، وكان خطؤه السياسي الأكبر عندما نبش في ملف الحرب الأهلية معلنا اختصاص المحكمة الوطنية الإسبانية النظر في حالات الاختفاء القسري التي شهدتها إسبانيا خلال فترة الحرب الأهلية الإسبانية ما بين عامي 1936 و1939، وتلك التي عرفها نظام فرانكو طيلة أربعين عاما من حكمه، حيث كانت فيها أجهزته السرية والعلنية تختطف مناضلي اليسار والحزب الشيوعي، وبهذا القرار التاريخي كسر غارثون أحد أهم قواعد اللعب التي قامت عليها الديمقراطية الإسبانية بتبني قرار العفو وطي صفحة الماضي دون قراءتها. كان القرار الذي اتخذه غارثون يضرب في اليمين الإسباني مباشرة، وهو الجهة السياسية التي وفرت له غطاءً سياسيا خلال حروبه الكبرى، ونسي أنه سيسقط بذلك عن نفسه ورقة التوت، فكانت نتيجة قفزته تلك في الفراغ هي السقوط والارتطام على أرض صلبة.  بعد تفجر الملف الذي أزكم الأنوف، قرر المجلس العام للسلطة القضائية بإسبانيا عزل غارثون من مهامه القضائية صيف 2010، وهو القرار الذي كان منطقيا بعد قرار القاضي لوثيانو باريلا تسريع المحاكمة إثر مناورة غارثون بإعلانه الذهاب إلى العمل مدة ستة أشهر في محكمة العدل الدولية بلاهاي في خطوة منه للتملص من القضايا الملاحق بها في إسبانيا، واتخذ القرار بالإجماع من طرف القضاة الذين كانوا ينتظرون سقطة غارثون بفارغ الصبر.  خلال هذه الأيام بدأت محاكمة أشهر قضاة إسبانيا الذي دخل المحكمة، وهو يرتدي جبة القاضي، لكن القدر اختاره هذه المرة إلى الجلوس على نفس كرسي الاتهام الذي طالما استلذ بإجلاس خصومه عليه… ولم يعد بإمكانه الآن القفز في الفراغ مرة أخرى.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة