انفراد:امتحان الملفات التي تؤرق الملك:الثروة والفساد والتنزيل الدستوري والعدالة والجهوية | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

انفراد:امتحان الملفات التي تؤرق الملك:الثروة والفساد والتنزيل الدستوري والعدالة والجهوية

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الأربعاء 24 سبتمبر 2014 م على الساعة 3:53

لم يكن أحد يعتقد أن تكون سنة 2011 سنة عاصفة في تاريخ حكم الملك محمد السادس. كل شيء بدأ حينما هبت رياح الربيع العربي إلى المنطقة التي عاشت عقودا على هامش الديمقراطية والحريات والحقوق. لم يكن أحد يتصور أن تنهار أنظمة بسبب شرارة بدأها شاب تونسي صرخ بأعلى صوته في وجه الفقر والذل، فانهارت تونس بن علي الذي ولى هاربا، فتلتها مصر بمحاكمة أول رئيس عربي في التاريخ الحديث، ثم جاء الدور على ليبيا العقيد القذافي فاليمن … وهكذا دواليك إلى أن وصلت هذه الشرارة إلى بلادنا، فكان لها أن تتنقل بين ظهرانينا بطريقتها الخاصة. ولدت حركة 20 فبراير، ونزل الشباب إلى الشارع، ورُفعت الشعارات، وهي نفسها التي آمن بها جيل قضى نحبه بعد استقلال البلاد، فامتلأت الشوارع والأزقة في أزيد من أربعين مدينة وقرية، ولم يكن الشعار الذي وحد المئات من التظاهرات ليس إلا الديمقراطية، والذي لم يكن يعني أيضا سوى الدستور الفاصل للسلطات، والضامن للحريات والحقوق، والمتجه صوب الملكية البرلمانية، والتي تضع بدورها خيطا فاصلا واضحا بين السلطة السياسية والثروة، وهو ما يستوجب قواعد جديدة في عالم الاقتصاد الذي ظل محتكرا لعقود، ولن يكون ذلك قابلا للتحقق إلا إذا وضعت خارطة الطريق هاته في سياق بناء دولة المؤسسات والحقوق والعدالة الاجتماعية … باختصار شديد، كانت المملكة أمام برنامج يمتد من السياسة إلى الاقتصاد ويصل إلى الإعلام أيضا، والخيط الرابط بين هذا وذاك ليس إلا الحرية التي يجب أن يتنفسها المغاربة هنا هناك. لم يتأخر الملك في الرد، وأعلن عن الدستور الجديد، وهو الذي صفق له جزء كبير من النخبة السياسية، وفيما اعتبر أكثر تقدما من دساتير الملك الراحل الذي حكم البلاد بقبضة من حديد حوالي أربعة عقود، تراجع شباب 20 فبراير عن التأييد … ثم جاءت الانتخابات التشريعية، وخرج إخوة بنكيران منتصرين، وتراجع حزب الدولة إلى الوراء، وبين هؤلاء وأولئك، صفق الجميع لنزاهة الانتخابات، فبدأت معركة في تشكيل أول حكومة ملتحية في عهد المملكة … وبقية القصة تعرفونها… لقد عاشت مملكة محمد السادس الربيع العربي بطريقتها، لا كل المطالب التي رفعها الشارع تحققت، ولا ظلت البلاد في نفس الوضع الذي كانت عليه قبل 20 فبراير و9 مارس من السنة الماضية، لا نحن في الوضع الأسود الذي عاشته البلاد في عهد الملك الراحل، ولا نحن في الصورة الوردية الزهرية الجميلة … نحن بين هذه وتلك، ولذلك عادة ما يُطرح السؤال الأهم: كيف السبيل إلى الخروج من وضع المنزلة بين المنزلتين؟ ‫ »‬فبراير.كوم » تسلط الضوء على الملفات الملتهبة التي تؤرق الملك محمد السادس في الذكرى 13 لجلوسه على العرش. معيقات صناعة الثروة كانت أقوى اللحظات التي عاشتها البلاد في السنة الماضية، وقبيل تشكل حركة 20 فبراير، شروع القصر في تخليه الجزئي عن مساهماته القوية في الاقتصاد الوطني، وقد قرأ البعض هذه الخطوة بداية عهد جديد في تنزيل مبدأ فصل السياسة عن الثروة، وفتح المجال لمبادئ المنافسة والاجتهاد بدل التحكم والاحتواء، بعدما أوصلت السياسة الاقتصادية لأربعين سنة في العهد القديم البلاد إلى السكتة القلبية، لذلك أيضا بدأ الشعور بالاطمئنان للمستقبل يتسرب إلى باقي الفاعلين في المجال، لكن ما كل القضايا تباشر بالأماني، ولذلك وجدت البلاد نفسها في عمق الأزمة الاقتصادية التي هزت العالم منذ ثلاث سنوات، وقد جعلت اليوم الدولة والحكومة يقيمان ألف حساب لما سيأتي في المستقبل، وقد اضطرت الحكومة إلى تعديل أهدافها بشأن نسبة النمو ـ مثلا ـ وهو الذي يفضي مباشرة إلى مستوى الثروة التي سيتم تشكيلها، وذلك بالتخفيض من معدل النمو من 5‪.‬5 في المائة، إلى 4‪.‬2 في المائة، وقد تضطر مستقبلا إلى مراجعة هذا الرقم من جديد، وتضطر أيضا إلى إعادة النظر في نمط الاقتصاد الوطني، وهو ما لمح إليه وزير الاقتصاد والمالية في الحكومة نصف ملتحية، وهي إشارة تُحيل بدورها على إمكانية اللجوء إلى سياسة التقشف، وكل ذلك لا بد أن ينعكس على المستقبل. التنزيل الديمقراطي للدستور:أم القضايا أم القضايا التي ستُلقي بظلالها على السنة المقبلة من تدبير الشأن العام، ولمَ لا السنوات القادمة، ليست إلا تنزيل الدستور،  والمثير في هذه القضية التي ستضع الحكومة أمام أكثر من امتحان، ليس إلا المضمون الديمقراطي الذي يجب أن تعطيه الحكومة للقوانين التنظيمية العالقة في الوثيقة الدستورية. لقد كانت أول مواجهة حول مضمون التنزيل الديمقراطي للدستور، بمناسبة بلورة مشروع القانون التنطيمي للتعيين في المناصب السامية، وقد عاش الفرقاء السياسيين حلقات متسلسلة من صراع ساخن حول المضمون الديمقراطي لهذا المشروع، خصوصا حينما انتهى هذا الصراع إلى تمكين عبد الإلاه ابن كيران بالتعين في  1181 منصب في المؤسسات العمومية بصفته رئيسا للحكومة، مقابل 37 مؤسسة عمومية فقط يعين رؤساؤها الملك. وعلى الرغم من ذلك ظل الفرق كبيرا بين عدد المؤسسات التي يعين فيها الملك وبين تلك التي يعين فيها رئيس الحكومة، فقد غلب جزء من المعارضة كفة رأي مؤداه أن القانون التنظيمي أفرغ الدستور من روحه الذي جاء ليكرس مسؤولية السلطة التنفيذية ـ الحكومة ـ في الإشراف على المؤسسات العمومية للإدارة، وذلك حينما استثنى 37 مؤسسة لها دور استراتيجي في التنمية العامة للبلاد، من إشراف رئاسة الحكومة وبقية وزراءها. إن التنزيل الديمقراطي لللقوانين المتضمنة في الدستور سيكون من أكبر القضايا التي  ستجعل المواجهة بين الحكومة والمعارضة مفتوحة على مصراعيها، وإذا كان القانون التنظيمي الخاص بالتعيين في المناصب السامية (كان) حلقة أولى في هذه المواجهة، فإن الآتي من القوانين التنظيمية سيزيد من حجم المواجهة، والتي لا تعني في الحقيقة إلا مواجهة بين مقاربيتن ستتضح معالمهما بقوة أثناء تنزيل القوانين التنظيمية المرتبطة ـ مثلا ـ بالأمازيغية، والمناصفة، والأسرة … إنها قوانين تدخل ضمن فلسفة حياة بمرجعيات وأفكار وتصورات، وليست بنود تقنية، ولم يسبق أن كانت كذلك. محاربة الفساد وسياسة « عفا الله عما سلف » إنه الورش المفتوح منذ استقلال البلاد، منذ أزيد من خمسين سنة والفساد والمفسدين يوضعون تحت مجهر البحث والتدقيق عن الآليات الكفيلة بالحد من هذه الظاهرة التي استنزفت الكثير من أعمدة وبنيان الاقتصاد الوطني، وقد اجتهدت بعض الحكومات في مواجهة هذه الآفة، بالإجراءات القانونية والقضائية تارة، وبالإجراءات الإدارية تارات عديدة، ولكن دون جدوى، والأرقام الوطنية والدولية على هذا المستوى تؤكد أن المشوار ما يزال طويلا، ولن يكون بالتأكيد مفروشا بالورود. لقد قضت حكومة عبد الرحمان اليوسفي جزءا من عمرها في في محاربة الرشوة والفساد وتخليق الحياة العامة، ولكن الشبكات التي تشكلت في عقود لم يكن بالإمكان تدميرها في سنوات، ثم جاء الدور على حكومة جطو وبعدها حكومة الفاسي، وشعُر البعض أن المعول الذي كان يضرب بقوة لهدم جبل الفساد أصبح ناعما، إلى أن كُتب على العدالة والتنمية رئاسة الحكومة التي تشكلت وفق أول دستور في عهد الملك محمد السادس، ولأن فسلفة الإخوة انبنت بالأساس على « المعقول » الذي لا يعني لديهم غير إيفاء كل ذي حق حقه، والذي لا يمكن أن يتحقق إلا إذا تمت مواجة الفساد والمفسدين، فقد حصل حزب العدالة والتنمية على الرتبة الأولى في أول انتخابات تشريعية تجري وفق أول دستور في عهد الملك محمد السادس، لكن بنكيران فاجأ الجميع، حتى من قبل بعض من أعضاء حزبه، حينما أعلن عن فلسلفته في محاربة الفساد، وهو يجهر أمام مشاهدي قناة الجزيرة بـ »عفا الله عما سلف »، في ما يخص المفسدين في الماضي، وبأن »الله هو الذي سينتقم من المفسدين » فيما يتعلق بالمفسدين في المستقبل. لم يكن يُتوقع أن تصبح سياسة بنكيران في محاربة الفساد تتقاطع كثيرا مع فلسفة الإفلات من العقاب، وأن تتحول كل تباشير الحملة الانتخابية، ومنها حجم الثروات التي يمكن أن تُجنى من محاربة الفساد والمفسدين، إلى غبار يطير في الهواء. بين العدالة الانتقائية والعدالة العادلة يُحسب لمملكة محمد السادس الدفع بملف حقوق الإنسان إلى أبعد مداه، ولعل تشكيل هيئة الإنصاف والمصالحة والكشف عن العديد من الحقائق، ومنها المقبرة الجماعية لضحايا الأحداث الاجتماعية الدامية لسنة 1981، خير دليل على صدقية الدولة في الانتقال إلى مصاف الدول العريقة في مجال حقوق الإنسان، كما يُحسب لها بداية تنزيل أحد المبادئ التي جاءت في الوثيقة الدستورية الجديدة، من حيث ربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو الذي قاد بعضا من كبار المسؤولين إلى القضاء، وعلى رأسهم خالد عليوة، عضو المكتب السياسي سابقا للاتحاد الاشتراكي، والوزير الشهير في حكومة التناوب التوافقي بقيادة الاتحادي عبد الرحمان اليوسفي، كما هو الحال بالنسبة إلى عبد الحنين بنعلو الذي كان يقود المكتب الوطني للمطار، قبل أن يلتحق بهما نور الدين الإبراهيمي، والثلاثة متهمين في قضايا تبديد المال العام، مع الإشارة إلى أن القضاء لم يقل كلمته في ملفاتهم بعد …  لكن، هذه التطورات التي عاشتها مملكة محمد السادس في الآونة الأخيرة، لا تمنع من من بروز بعض المؤشرات التي توحي بحدوث نوع من التراجع الملحوظ في مجال الحقوق والحريات، ومن ذلك تواتر المقاربة الأمنية في التعاطي مع بعض التظاهرات والاحتجاجات السلمية في مختلف المدن، والتي خلفت وراءها ضحايا… وهي نفسها المقاربة التي أغضبت بعضا من وزراء العدالة والتنمية. الجهوية المتقدمة والمملكة الفيدرالية من المؤكد أن صورة المملكة ستتغير كثيرا حينما يُشرع في تنزيل مشروع الجهوية المتقدمة التي حسمتها لجنة عزيمان في السنة الماضية، ولذلك سيكون هذا الملف من أكبر الملفات الموضوعة على مكتب الملك محمد السادس، خصوصا أن المشروع لا يتوقف عند بناء مجالس جهوية لتسيير شؤون الجهات الإثنى عشر بعدما كانت في التجربة السابقة 16 جهة، بل إنه يصل إلى إعادة ترتيب بنية الدولة إلى ما يشبه المملكة الفيدرالية. لقد جاء المشروع الجديد بصلاحيات جديدة للجهات، ومنح رئيسها الذي ينتخب، لأول مرة، بالاقتراع العام المباشر، صلاحية الآمر بالصرف، واشترط عدم جمع الرئيس بمهام نيابية أخرى، وذلك للتفرغ للمهام الاستراتيجية الجديدة، كما اشترط تمثيل المرأة بثلث مقاعد المجالس الجهوية، ومنح هذه المجالس موارد مالية إضافية بالرفع من نسبة الضريبة على القيمة المضافة والضريبة على الشركات … ويستمد المشروع أهميته أيضا من حيث الأجوبة التي قدمها للسؤال الوطني الكبير، حيث اقترح تقسيم الأقاليم الجنوبية إلى جهتين، سيكون لهما مجلسين بأعضائهما ورؤسائهما ومواردهما المالية … وصلاحيات واسعة لتدبير شؤون الساكنة. إنه صيغة من صيغ تنزيل آليات الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب رسميا كحل لقضية الصحراء العالقة منذ أزيد من ثلاثة عقود. المشروع كبير إذن، وتحدياته أكبر، وسـتبرز هذه التحديات على السطح حينما يُشرع في تحديد تاريخ الانتخابات الجماعية المقبلة، والتي يُفترض أن تجري أطوارها في السنة المقبلة، لأن هاته الأخيرة مرتبطة بتنزيل مشروع الجهوية المتقدمة، وتفترض إعداد العديد من مشاريع القوانين التنظيمية المرتبطة بالانتخابات الجماعية وبالجهات أيضا، ولأن أي ربح سياسي لرهان الانتخابات الجماعية ينعكس على رهان الانتخابات الجهوية، فقد يعرف الرهانين مواجهات سياسية بين الفرقاء قد تتطلب تحكيما ملكيا.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة