الأسواني ولورنس يضعان الثورة المصرية تحت المجهر | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

الأسواني ولورنس يضعان الثورة المصرية تحت المجهر

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الأحد 14 أكتوبر 2012 م على الساعة 22:33

علاء الأسواني: انتخاب محمد مرسي رئيسا للجمهورية، تم تحت مراقبة جيش يملك دائما زمام السلطة. ينبغي فهم أن الإخوان المسلمين يشكلون حالة نادرة لمستوى الانتهازية السياسية. فمنذ ظهورهم سنة 1928، لم يتوانوا عن بيع أنفسهم للسلطة لقاء الظفر بآلاف الامتيازات، قبل أن يلقى بهم في المزبلة حين تنعدم فائدتهم. هكذا، كان وضعهم مع فاروق وناصر والسادات. حاليا أيضا، لم يترددوا في الرهان على مصلحتهم ضدا على مصلحة ثورة لم يساهموا فيها. مع ذلك، أعتقد أن المشكلة لاتكمن أساسا في الإسلاميين بل في العسكريين، فهم الذين يرسمون اللعبة ويعيدون صياغة قواعد الدستور، وفق مايحلوا لهم. ظننت أنهم في البداية سيعملون ما في وسعهم كي ينجحوا أحمد شفيق الوزير الأول السابق في عهد مبارك، الذي تلاحقه مع ذلك 35 سنة من الفساد، ونترقب جميعا محاكمته. غير أن انتصار الإخوان المسلمين، يبرهن بالتأكيد على جوهرية استبعاد النظام القديم. لا شك أنها مرحلة مهمة، فالإسلاميون بوعودهم الوهمية، سيتحملون عبء سلطة لن تتأخر في الإساءة إلى سمعتهم. هنري لورنس: نعم، فراغ شعار «الإسلام هو الحل» سيتجلى أخيرا بشكل واضح، لحظة مواجهة الأزمة الاجتماعية والاقتصادية والمالية. فالحكومات الجديدة التي أفرزها الربيع العربي، اصطدمت على الفور بالواقع. لقد كانت سنة 2011 مسرحا لثورة حقيقية، بيد أنها تختلف جذريا عن ماوقع سنة 1789 في فرنسا أو 1917 في روسيا، مادامت لم تستند على أي مشروع طوباوي، بل ولم تسائل من جديد عادات المجتمع وأبنيته. لقد عشنا في واقع الأمر ما أسميه «ثورة محافظة».  يتعلق الأمر بخلق التوافق لأول مرة بين المجتمع والسلطة. وبما أن المجتمعات العربية إسلامية، فنجاح الإخوان المسلمين والإسلامين بشكل عام، يستند أولا على هذا التوافق غير المسبوق بين الشعب والدولة. دون نسيان أن الإسلاميين شكلوا المعارضة الأساسية لمبارك الذي اضطهدهم. إنها إذن لحظة تنتمي إلى «الإخوان المسلمين». لكنها ليست إلا مرحلة من تطور سيتواصل امتداده بلا توقف. علاء الأسواني: بخلاف أغلب أصدقائي المثقفين، كنت مقتنعا بأن مصر ستعرف ثورة. لكن حينما حدثت، تملكني الاندهاش! لقد دعا بعض الشباب إلى التظاهر في ساحة التحرير خلال ذلك اليوم، أي 25 يناير 2011. وقلت في نفسي، سيكون الأمر كالمعتاد، مجرد تظاهرة صغيرة، لذلك، قبل أن أذهب إلى عين المكان ارتأيت أولا الانكباب على إنهاء فصل من روايتي الجديدة. لكن، عندما وصلت إلى الساحة مع بداية المساء، لم أصدق مارأيت: تجمع لما يناهز مليوني مصري تقريبا! على الساعة الواحدة صباحا، أقدمت الشرطة على رش الساحة بالغاز. التجأت، صحبة ثلاثين من الشباب، للاختباء داخل فناء عمارة، وقلت لهم: «لقد كانت تظاهرة جيدة، لنلتق ثانية غدا، لكن في مكان غير ساحة التحرير، كي نموه الشرطة». غير أنهم اعترضوا على كلامي بحدة: «لا، لن نعود إلى منازلنا، سنظل هنا !». بل، تناول أحدهم الكلمة: «أبلغ من العمر 29 سنة، أنا عاطل عن العمل، وليس في مقدوري الزواج. أنا بلا قيمة تذكر، ومستعد للموت في سبيل الإطاحة بمبارك». ثم انفجر باكيا. حينئذ، أدركت بأنها ثورة، وكل شيء أضحى مهيأ كي يأخذ أقصى احتمالاته. هنري لورنس: مثل الجميع، لم أكن أترقب شيئا. كمؤرخ، عجزت عن التكهن بالمستقبل. وبالتالي ماذا أفعل في الجامعة، ينبغي أن أكون في البورصة. تبقى الإشارة إلى أني علقت في مناسبات عديدة على التقرير الأخير لبرنامج الأمم المتحدة حول التنمية في العالم العربي، الصادر سنة 2009. سواء تعلق الأمر، بنسبة الأمية أوالانخفاض المفاجئ لمعدلات الولادات ابتداء من سنة 1995، وتطور البنيات المجتمعية وارتفاع مؤشر التنمية البشرية، وكلها معطيات أظهرت غياب أي تنافر بين المجتمعات العربية والديمقراطية. بل هناك هوة٬ بصدد الاتساع بين الدولة /المجتمع والأنظمة السياسية. لهذا٬ فإني أشبه الربيع العربي بزلزال جيولوجي: لقد تراكمت المواد الطاقية٬ وبقيت تحت ضغط شديد ثم تحررت فجأة. لذا جاءت تضحية التونسي محمد البوعزيزي بمثابة الهزة الارتدادية القوية التي خلقت مفعولا أوليا أدى إلى سلسلة تفاعلات جرفت كل شيء في طريقها. لكن حتى أكون صادقا وعلى غرار أغلب التحليلات، فإني أموضع مسألة الارتقاء الديمقراطي في أفق سنة 2030. علاء الأسواني: إنه حظ كبير أن تعيش ثورة. هي تجربة فريدة وخالدة. في السابق حينما كنت أتكلم عن الموت، لم يتجاوزهذا المفهوم بالنسبة إلي إمكانية مجردة وفكرة بعيدة الخطر. لكن خلال ثلاث مناسبات، شاهدت أشخاصا يموتون أمامي. ذلك أن قناصة مبارك٬ كانوا يطلقون الرصاص عشوائيا صوب الرؤوس. مع هذا السياق٬ ينتقل الموت من مستوى الفكرة إلى شيء تعيش معه. وأتساءل: لماذا يواصل الأشخاص زحفهم أكثر فأكثرعوض أن يتراجعوا؟ لم يكن وضعا عاديا. لكن ذات يوم، حينما عدت إلى عيادتي، باعتباري طبيبا للأسنان، حيث أعقد كل ظهيرة ندوة صحافية، صادفت مقالة نفسية نبهتني إلى أنه في خضم ثورة ما٬ تحل «النحن» محل «الأنا»، بحيث يتوقف الشخص عن الاهتمام بأمنه الذاتي ويعيش مثل عضو داخل جماعة. الحقيقة الوحيدة التي تصير معتبرة لديه هي السير وراء الحركة الثورية إلى غايتها. لقد استعملت دائما كلمة «شعب»، لكن فقط خلال تلك الـ18 يوما فهمت دلالتها الجوهرية. لقد توحد الشعب بساحة التحرير. هنري لورنس: هناك شعار ناصري٬ تردد صداه مرة أخرى في ساحة التحرير.» إرفع رأسك»! لكنه أخذ دلالة مختلفة؛ فخلال حكم ناصر٬ تعلق الأمر بالكرامة الوطنية في مواجهة الاحتلال الأجنبي، بينما صار يمثل سنة 2011 كرامة كل واحد في علاقته بالدولة. علاء الأسواني: كان المصريون مرضى على المستوى الاجتماعي. لأن العيش في كنف سلطة ديكتاتورية يعتبر واقعا مخالف للطبيعة. ولأني طبيب، أدرك أن جميع أعضائك ستعاني، خلال فترة مرضك، اختلالا في توازنها. لكن مع الثورة، تجلت الطبيعة الحقيقية المتسامحة للمصريين: لقد ضمت ساحة التحرير أقباطا ومسلمين٬ يحمي بعضهم البعض الآخر٬ وتمكن النساء من النوم في الساحة بكل طمأنينة. في السابق، كنت أتحسر على عجز المصريين عن الاشتغال بكيفية جماعية. فجأة٬ رأيتهم ينظمون أنفسهم على مستوى توفير المواد الغذائية والأمن وكذا الإعلام….وبعد سقوط مبارك شرع آلاف الأشخاص في تنظيف الشوارع٬ بينما كانوا فيما مضى يلقون بالقمامة كيفما اتفق. مما يعني٬ أننا الآن ننتمي إلى بلد يجب أن يكون نقيا. لذلك٬ فالبعد الحالي للصراع السياسي ليس منتهى الأشياء؛  لقد حدث التغيير على مستوى أكثر عمقا. هنري لورنس: أخبرني صديق مؤخرا أنهم كانوا في خضم ثورة حقيقية، لأن رفض السلطة قد لامس مجموع مجتمع العلاقات الأسرية والمقاولات والقرى. تحقق الكثير، وبعد أن هدأ شعار «الشعب يريد..» أضحى اليوم بوسعهم القول «أمتلك حقوقا». يبقى فقط كيف يمكن أن يترجم المعطى الجديد إلى مقتضى سياسي، الأمر معقد، لكنه تطور مثير بدأ للتو. علاء الأسواني: لقد وجدت نفسي ذات يوم في مواجهة أحمد شفيق خلال ندوة تلفزيونية. خلال لحظة من اللحظات٬ فقَد أعصابه وتوجه إلي قائلا: «لكن من أنتم؟». السؤال الضمني هو :»كيف تتجرأ على أن توجه إلي أسئلة؟» .فأجبته: «أنا مواطن مصري ومنذ اليوم، لكل مواطن الحق في أن يحاسبكم، لأنكم تشتغلون عنده». ازداد حنقه. يبدو بديهيا، أني وضعت أصبعي على عمق المشكلة. فيما بعد، سيؤاخذ علي البعض سلوكي: «إنه في مرتبة أبيك. فكيف سمحت لنفسك بمخاطبته بتلك الطريقة؟». لا. إنه ليس أبي، وينبغي لنا التخلص من هذه الرؤية الرجعية. هنري لورنس: ما تأكد في الواقع، هو أن الحرية هي هوية المصريين، لقد امتلكوا بأنفسهم هذه الثروة المتمثلة في الديمقراطية، ولم تفرض عليهم من الخارج. تشير دلالة الربيع العربي إلى كونية حقوق الإنسان. فهي ليست امتيازا غربيا أبدعه الأوروبيون فقط خدمة لمصلحتم الشخصية. وقد فوجئت، وأنا أتابع نمو الرؤى النقدية التي تزايدت مؤخرا، ليس فقط في تونس أو مصر، لكن أيضا في بلدان الخليج. إنه وضع جديد كليا، فلأول مرة بدأنا نسمع خطابا من قبيل: «ركائز الإسلام خاطئة». علاء الأسواني: ينبغي إدراك أن النزعة الاسلامية هي بمثابة طعم خارجي، لقد كانت جدتي مسلمة، ورعة، لكنها كانت تصوت دائما لأكبر حزب سياسي خلال حقبتها، وقد كان علمانيا دون أن تتصور في يوم ما أن الدين يختلط بالسياسة. الإسلام لم يحدد شكل الدولة، لكنه وضع مبادئ عامة للعدالة. ماحدث، أنه بعد حرب 1973 اضطر أغلب المصريين إلى الهجرة نحو السعودية قصد العمل، بحيث عوملوا مثل الكلاب. ولكي يحتفظوا لأنفسهم  بقليل من الكرامة، تبنوا الإسلام القروسطي للوهابيين. ثم عادوا إلى البلد بمفاهيم رجعية جدا، لاسيما فيما يتعلق بالمرأة. لكن من وجهة نظر الثقافة المصرية، فالأمر خال تماما من أي معنى. هنري لورنس: إلى غاية سنوات التسعينات، روج الإخوان المسلمون لرؤية تناهض الحداثة، وهي أن القيم الديمقراطية، بحسبهم، ترتبط بمؤامرة غربية، في إطار أهداف الحملات النابولية التي تتوخى تقويض الثقافة العربية الأصيلة. والحال، أنه إذا كان هذا الخطاب لازال يتقاسمه الجيل القديم، الذي تتحدر منه أغلب الرموز الحالية، فقد تراجعت هيمنته شيئا فشيئا. لأن أغلب المفكرين الإسلاميين انخرطوا حاليا في محاولة التوفيق بين الإسلام والحداثة. بوسعهم، في هذا المجال الاستناد على عمل إصلاحيي نهاية القرن التاسع عشر، مثل محمد عبده، الذين مهدوا قبل ذلك لانتقال السياسة المعاصرة إلى الفكر الإسلامي. لكن مرة أخرى، الأساسي هو أن شعار»الشعب يريد» ضرورة ينبغي أن يستجيب لها الحكام كيفما كانت ألوانهم وأطيافهم.  واقعيا، إذا كان الانطلاق الاقتصادي يمر عبر السياحة، فلا يوجد إذن من خيار ثان غير التساهل مع محلات بيع الخمر والسماح للنساء كي يخرجن إلى الشارع بأذرع مكشوفة. في تونس كما مصر، لاتعتبر الشريعة مطلبا راهنا، واستفزازات السلفيين يمكنها بالأحرى أن تفرض على الإخوان المسلمين، المتواجدين في السلطة، إعادة تمركزهم. علاء الأسواني: كنت في الواقع مندهشا جدا، عندما استدعاني الإخوان المسلمون كي أتكلم عن روايتي «شيكاغو 2007) استعصى علي تخيل أن الأمر يتعلق حقا بالأدب، غير أن الأمر كان حقا كذلك. لقد كانوا أبناء شخصيات تنتمي إلى تيار الإخوان المسلمين، هم لم يختاروا قدرهم، لقد آمنوا بالرؤية الليبيرالية، وبالفعل تعاشر كثير منهم معنا في ساحة التحرير. هنري لورنس: لكي نحيط جيدا بالربيع العربي، يتحتم علينا التوجه إلى المستقبل، لأن التاريخ يعلمنا أن الأحداث الجوهرية تشكل الذاكرة الجماعية لجيل بأكمله. نستحضرماي 1968 الذي لازال إلى الآن يثير السجالات. وهذا هو الجوهري. فالجيل الذي خلق الثورة العربية سيبقى إلى غاية 2050. ستكون هناك ارتدادات ومقتضيات متعارضة، ثم مسارات سريعة، لكنها ستحيل دائما على تجربة 2011. لقد ميز»بيغي» فيما يخص قضية دريفوس  Drefus بين الرمزي والسياسي. الصراع من أجل العدالة يمثل الرمزي الذي تدهور حتما مع السياسي. لكن الرمزي لا يختفي قط. علاء الأسواني: أنا متفق. إذا ناضلت وحزنت جدا، فلأنه بدا لي أن الثورة المضادة قد قضت على الطموح الثوري لسنة 2011. مع ذلك،  يأخذ تفاؤلي الشديد مدى طويلا. المهم أن النقلة قد حدثت، وما يتجلى حاليا من خوف حيال التغيير يعتبر أمرا واردا. إن الثورة تنتمي إلى المستقبل. هنري لورنس: نقطة أخيرة، يبدو لي على الأقل أن التعتيم يحتل لدينا أيضا مساحة كبيرة. نعيش حاليا في أوروبا وأمريكا الشمالية انتشارا واسعا لـ»إسلاموفوبيا» مرعبة، بحيث أظهر الربيع العربي في قسم منه خطأ تلك الأطروحات. ولكي نعبر عن هذا التصور بطريقة أخرى، نقول إن يناير2011 قد محا شتنبر 2001. فاعتداء إسلاميي القاعدة ضد القوة الغربية الأولى كان قد أشعل في المقابل حربا ضد الإرهاب، والتي هي، مثل كل حرب على الإرهاب، خلفت خسائر بشرية أكثر من الإرهاب نفسه. لكن الربيع العربي، أشارإلى نهاية هذه الوضعية، وبيّن أن المسلمين في غير حاجة إلى ذلك، فهم قادرون على الصراع من أجل الحرية وليس عدمية التخريب. وربما سيتفق المؤرخون ذات يوم، على أن القرن الواحد والعشرين ابتدأ فعلا، ليس مع الاعتداء على مركز التجارة العالمي، لكن مع الربيع العربي.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة