قاتل بن لادن: كنت في المكان الصحيح | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

قاتل بن لادن: كنت في المكان الصحيح

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الأربعاء 26 سبتمبر 2012 م على الساعة 13:10

تحدث الطيار أولا. قاموا بأخذ الجميع في جولة لاكتشاف مسار الرحلة من جلال آباد إلى مبنى بن لادن بأبوت آباد. تحدثوا كذلك عن الاتصالات التي ستجرى عبر أجهزة التواصل اللاسلكي، وأي أمور طارئة قد تظهر أثناء الرحلة. وفي الأخير، قام قائد كل فريق هجوم بالنهوض وهم بشرح تفاصيل المهمات الفردية التي سيتولى فريقه تنفيذها. «سيقوم فريقي بالنزول من «تشالك وان» فوق باحة المنزل، سنبحث عن أي أخطار وسنؤمن ج 1، ثم سنقوم بعد ذلك بتعزيز صفوف باقي الفرق المتواجدة داخل أ1،» قلت. ركزت معظم الأسئلة التي ألقاها المسؤولون حول الفريق الذي سيؤمن المحيط الخارجي للمبنى. كانت لديهم الكثير من المخاوف حول الطريقة التي سيتعامل بها ذلك الفريق مع أي فضوليين محتملين. «ما هي الخطة التي ستتبعونها إذا تواجهتم مع عناصر الشرطة المحلية أو الجنود؟» سألوا قائد الفريق. «سيدي، سنقوم بالتخفيف من حدة التوتر قدر الإمكان»، قال أمامهم. «سنستعين في البداية بالمترجم الفوري، وبعد ذلك سنستعين بالكلب، ثم أضواء الليزر التي تراها العين المجردة. وفي نهاية المطاف سنلجأ إلى القوة إذا رأينا بأن لاشيء من ذلك ينفع». ولدى الاقتراب من نهاية الاجتماع، طُرح سؤال حول ما إن كانت هذه المهمة للقتل أم لا. قام محامي لم أستطع أن أعرف إن كان من وزارة الدفاع أو البيت الأبيض بالتوضيح أمامنا بأن الأمر لم يكن يتعلق بعملية اغتيال. «إذا كان أعزلا ورافعا ليديه، فلن تقوموا بإطلاق النار عليه»، ردد على مسامعنا. «أنا لن أقوم بالتوضيح لكم كيفية إنجاز عملكم. ما نريد أن نوضح لكم هو أنه إذا كان لا يشكل أي خطر عليكم، فستقومون حينها باعتقاله». بعد إنهاء تلاوة البيان، ركبنا المروحيتين وحلقنا للقيام بهجمة سريعة. كنا سنقوم بشن هجوم على مجسم مبنى بن لادن فيما كان المسؤولون سيقومون بمتابعة ما يجري. لقد كانت تلك هي العقبة الأخيرة. كنت أدرك بأنه كان يتوجب علينا القيام بذلك، لكننا أحسسنا بالغرابة حينما علمنا بأنه سيتم تتبع كل خطوة نقوم بها. أحسسنا وكأننا وسط حوض للسمك… لدى اقترابنا من الهدف بدقيقة واحدة، قام قائد فريق الطيران بفتح الباب وقمت بوضع رجلاي في الخارج. لدى إمساكي بالحبل، استطعت رؤية بعض المسؤولين بالقرب من الهدف ينظرون نحونا باستعمال مناظير الرؤية الليلية. وبينما أخذت المروحية تحوم فوق المكان الذي سنقوم بالنزول فوقه، أثارت أجنحة المروحية زوبعة من الغبار والأحجار، كادت أن تصيب بعض المسؤولين ما دفعهم للهرب إلى الجهة المقابلة. ضحكت بيني وبين نفسي عندما شاهدت بعض النساء يترنحن بسبب ارتدائهن لأحذية ذات كعب عالي. مر التمرين حتى نهايته بدون أية مشاكل. «هل تعتقد بأننا سنتلقى الضوء الأخضر؟» سألني تشالري بعد إنهائنا للمناورة التجريبية. «لا أدري، ليست لدي أدنى فكرة،» قلت له. «أنا لا أستطيع حبس أنفاسي». قمنا برحلة جوية سرية في اليوم الموالي. كنت على أهبة الاستعداد للذهاب. لم يكن هناك أي شيء آخر نستطيع فعله الآن سوى الانتظار. لحظة الانتظار كانت الشمس في وقت المغيب عندما قمت بالكشف عن بطاقة هويتي أمام الحارس بقاعدتنا العسكرية بـ»فرجينيا بيتش». رأى الشارة الموضوعة خلف زجاج سيارتي لدى اقترابي منه، وسمح لي بالعبور. مررت بالقرب من صف طويل من السيارات كان أصحابها متوجهين إلى منازلهم بعد قضاء يوم العمل. جئت مبكرا بساعات عدة عن موعد رحلتنا، لكنني كنت متعبا بسبب الانتظار. لقد كان أسبوعا طويلا قضيناه داخل منازلنا. عندما نقضي وقتا طويلا بمنازلنا، نجد صعوبة كبيرة في الانتظار. تزامنت تلك العطلة مع عيد الفصح، لذلك دعوت أقاربي لقضاء بعض الوقت معي. لدى لقائنا، لم أستطع أن أقول لهم أي شيء حول المهمة التي أقوم بها. فعندما كانت أمريكا تحتفل بعيد الفصح، كنا نخفي أكبر سر في حياتنا. بعد إنهائنا للمناورة التجريبية بغرب البلاد، أصبح الآن إصدار قرار تنفيذ المهمة ملقى على عاتق المسؤولين السياسيين بواشنطن. قمنا برحلة إضافية إلى ولاية «نورت كارولينا» لأجل القيام بمناورة أخيرة فوق المبنى، قبل عودتنا وعلمنا بأننا تلقينا الأوامر أخيرا بالتحرك لأجل القيام بالتربص بجلال آباد بأفغانستان. كنا جد مشككين في الأمر. لم يكن أي أحد منا يقفز من الفرح، حيث كان الجميع بصدد استيعاب الخبر، والاستعداد لهذا الأمر كلٌّ بطريقته الخاصة. كنا على الأقل على مقربة من القيام بالنزول بالمروحيات فوق المبنى. قمت بركن سيارتي وأخذت معي حقيبتي. استطعت أن أرى بعضا من زملائي في الفريق يتوجهون نحو المقرات. كنت متأكدا من أن كل واحد منهم كانت تساوره نفس الأفكار. «يا للهول، لا أستطيع أن أصدق أنهم وافقوا على قيامنا بالمهمة». أعتقد بأن عددا كبيرا منا كان على اقتناع بأنه لا توجد إمكانية لحدوث مثل هذا الأمر. كان ذلك الأمر بطريقة ما عبارة عن آلية دفاع نفسية. ففي حالة ما إذا تم الاستغناء عنا في آخر دقيقة، لن ننزعج من ذلك الأمر بشكل كبير. «نعم، لا أصدق أي شيء. سأصدق الأمر فقط عندما نستقل الطائرة متوجهين نحو الهدف،» قال لي والت، بينما كنا نمشي سويا متوجهين إلى داخل المبنى. «هذه الرحلة التي سنقوم بها توضح بأن هناك حظوظا كبيرة لكي يقوموا بإرسالنا لتنفيذ المهمة»، قلت له. تسريبات من خلال القيام بنقلنا إلى قاعدة عسكرية جديدة، كانوا يغامرون بانكشاف المزيد من التسريبات حول ما نقوم به. كان فريق قيادة الفيالق التي ننتمي إليها على يقين تام بأن شيئا ما يجري التخطيط له. إن مجرد انتقال فوج عسكري بهذا العدد المحدود كان سيثير العديد من التساؤلات، خصوصا لدى وصوله إلى قاعدة باغرام العسكرية في مناوبة غير مبرمجة في وقت سابق. داخل غرفة الفريق، كان زملائي يأكلون آخر وجبة خفيفة لهم قبل بداية الرحلة الطويلة. كان البعض منهم واقفا بالمكان من أجل الحديث فقط. كنا نرتدي جميعا سراويل جينز، وأقمصة تشد بالأزرار. كان ذلك هو اللباس الذي نختاره أثناء السفر. كنا نبدو مثل أشخاص ذاهبين لقضاء عطلتهم. إذا كنا قد حملنا معنا بعض المعدات الرياضية، بدل البنادق ومناظير الرؤية الليلية، فقد يعتقد من يرانا بأننا فريق رياضي محترف. وباستثناء المعدات التي سنستعين بها في تنفيذ المهمة، لم أجلب معي الكثير من الأمتعة الخاصة، حيث اكتفيت ببضعة ملابس، وعدة الاستحمام، ونعل خفيف. كانت الخطة تقضي بالسفر جوا، وقضاء يومين للتعود على الأجواء، ثم القيام بتنفيذ المهمة في الليلة الثالثة. أخذتنا الحافلات بسرعة من قاعدتنا العسكرية نحو مطار قريب. كانت تقف على إسفلت المطار طائرة بوينغ عسكرية رمادية اللون من نوع «C-17 جلوب ماستر 3». كانت محركاتها تدور، بينما كان فريق من القوات الجوية يقوم بمراقبة حالة الطائرة قبل تحليقها في الأجواء. كان فريق الميكانيكيين المسؤول عن المروحيات قد استقل الطائرة. وبالقرب منها كان فريق من وكالة الأمن القومي، وفريق من خبراء وكالة المخابرات المركزية واقفين في انتظار ساعة الرحيل. بينما قمنا بالجلوس في أماكننا، أحسسنا براحة المكان، كأننا جلسنا به لمرات عديدة. كانت تلك هي الطريقة نفسها التي نتبعها لدى ذهابنا في مهمات خارجية. داخل بطن الطائرة، كانت معداتنا ومعدات فريق قيادة المروحية مشدودة إلى الأرضية، وكانت الكراسي مصففة على امتداد الجدران. قذفت بحقيبة الظهر الخاصة بي فوق الأرضية، وأخذت أبحث عن مكان أربط فيه أرجوحتي الشبكية المصنوعة من النيلون الأخضر. لدى بحثي داخل مكان الشحن عن مكان أعلقها به، رأيت زملائي يزحفون مثل النمل في جنبات الطائرة بحثا عن مكان مريح لأجل التمدد والاسترخاء. لقد كنا خبراء في جعل الرحلة الجوية مريحة لأقصى حد ممكن. وضعت أرجوحتي بين حاويتين كانتا مملوءتين بالمعدات. بعض الزملاء قاموا بالاستلقاء فوق الحاويات أو في الأماكن الفارغة بين الكراسي ومنطقة الشحن. أما البعض الآخر فقد قام بملء أفرشة للتخييم بالهواء، لكنني كنت واحدا من القلة الذي استعملوا الأرجوحة الشبكية. كان الجيش يزودنا بها خصيصا للمهمات التي نقوم بها وسط الأدغال، لكنني كنت أفضلها لأنها كانت تبقيني بعيدا عن برودة السطح. كانت أمامنا رحلة ستدوم تسع ساعات سنتوجه خلالها نحو ألمانيا، وبعد استراحة قصيرة سنقضي ثمان ساعات أخرى جوا لأجل الوصول إلى قاعدة باغرام. كان الحصول على أكبر قسط من النوم خلال الرحلة الجوية أمرا ضروريا. مائة بالمائة! طلب منا فريق القوات الجوية العودة إلى كراسينا لأجل وضع حزام السلامة قبل إقلاع الطائرة. كان الكرسي الوحيد الشاغر بالقرب من جين، الخبيرة ضمن وكالة المخابرات المركزية. لدى تثبيتي لحزام السلامة، شعرت بالطائرة تسير نحو منطقة الإقلاع. بعد بضعة دقائق، ازدادت سرعة الطائرة وطارت بسرعة نحو السماء. بعدما استوت الطائرة في الأجواء، شرع بعض الرجال في تناول الأقراص المنومة والاستلقاء استعدادا لهذه الرحلة الطويلة. لم أكن متعبا، لذلك شرعت أتجاذب أطراف الحديث مع جين. رأيتها في السابق عندما كنا بولاية «نورت كارولينا»، لكننا لم نستطع الحديث بشكل مطول لأننا كنا بصدد التخطيط للعملية. كنت متحمسا جدا لسماع رأيها حول ما يجري لأنها كانت واحدة من أهم الخبراء الذين شاركوا في عملية البحث عن بن لادن. «بصراحة،» سألتها. «ما هو احتمال أن يكون ذلك الشخص هو أسامة بن لادن؟» «مائة بالمائة»، ردت علي بجرأة كبيرة. اشتغلت جين لفائدة وكالة المخابرات المركزية لدى تخرجها من الجامعة، واشتغلت على ملف بن لادن خلال الخمس سنوات الأخيرة الماضية. تدرج العديد من الخبراء في الوكالة في الاشتغال ضمن الفريق المكلف بملف بن لادن، لكنها بقيت في منصبها وفعلت كل ما في وسعها للاستمرار به. بعد المكالمة التي أجراها الكويتي، قامت بالاشتغال بشكل حثيث لتجميع كل المعطيات حول بن لادن. لقد فاتني اليوم الأول من التدريب، حين قامت جين بالكشف عن الطريقة التي تمكنوا من خلالها من العثور على أسامة بن لادن بمدينة أبوت آباد. وعلى امتداد الأسابيع التي تلت فترة التدريب، كان الجميع يعود إليها للحصول على أي أجوبة استخباراتية تخص هدفنا بأفغانستان. لقد سمعنا في الماضي العديد من الأشخاص يرددون «نحن متأكدون مائة بالمائة»، وفي كل مرة كان ذلك الأمر يزعجني. «كوني حذرة بخصوص هذا الموضوع،» قلت لها. «عندما يقول لنا عناصر المخابرات بأنهم متأكدون مائة بالمائة، ينكشف لنا فيما بعد بأن تلك النسبة لا تتجاوز عشرة في المائة. وعندما يقولون لنا عشرة في المائة، يكون ذلك بمثابة واحد في المائة». ابتسمت، من دون أن تنزعج من أقوالي. «لا، لا،» قالت بعد ذلك. «نحن متأكدون مائة بالمائة». «نعم مائة بالمائة كما حدث سنة 2007»، رددت عليها.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة