سلفيان يطاردان الهمة وبنكيران ويكشفان حكاية أحداث 16 ماي التي كان فيها "خير للمغرب" واسية الرجل! | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

سلفيان يطاردان الهمة وبنكيران ويكشفان حكاية أحداث 16 ماي التي كان فيها « خير للمغرب » واسية الرجل!

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم السبت 01 ديسمبر 2012 م على الساعة 10:36

في بداية هذا الشهر، وعلى هامش مراسيم دفن المصطفى الساهل، لفت انتباه بعض الصحافيين الحاضرين لتغطية جنازة السفير المغربي السابق بفرنسا، مشهد واحد: شخصان بملابس بسيطة، ولحيتين كثتين تقدما للسلام على فؤاد عالي الهمة، مستشار الملك، مطالبين إياه بمنحهما بعض الوقت لعرض تظلماتهما وشكواهما بغرض إيصالها إلى الملك. الهمة طلب منهما بأدب أن يقصدوا مكتبه في القصر، لكنهما ردا بأنه لن يُسمح لهما بالدخول، فطلب منهما انتظاره أمام باب المقبرة في انتظار انتهاء مراسيم الدفن.. إنهما سلفيان من المعتقلين سابقا في قضايا الإرهاب، وجدا نفسيهما تائهين بعد الخروج من السجن، بعدما تفرقت بهما السبل، وهما يصران على رد الاعتبار لهما بسبب الظلم الذي يقولان إنه لحقهما.   «فبراير.كوم»، حاولت الاقتراب من حياة هذين السلفيين: نور الدين الغرباوي، وابراهيم أبروك، فتبين أنهما يقضيان وقتهما في تعقب، ليس فقط الهمة، إنما أيضا عبد الإله بنكيران رئيس الحكومة، ومصطفى الرميد، وزير العدل والحريات. جلسنا مطولا مع المعنيين بالأمر واستقصينا في كل تفاصيل حياتهما قبل وبعد خروجهما من السجن، و تفاصيل حديثهما مع الهمة ولقاءاتهما بوزراء في الحكومة، وعلى رأسهم عبد الإله بنكيران رئيس الحكومة.     قصة مثيرة   كانا يلبسان جلبابين من الصوف، يقفان بجوار دراجة نارية متهالكة من النوع الصيني. يقول إبراهيم أبروك، الذي أمضى 8 سنوات في السجن «لا نفترق منذ أن أفرج عنا في أبريل 2011 ضمن مجموعة الفيزازي، الشاذلي والمرواني..» أبروك  من مواليد مدينة سلا سنة 1964، ذو أصل صحراوي من قبيلة الركيبات. يضيف «التقينا في سجن أوطيطة، وخرجنا في دفعة واحدة بعد أن تبقى لنا من مدة المحكومية أقل من شهر واحد. شغلنا الشاغل من الفجر إلى الليل هو البحث عن منافذ لإيصال تظلماتنا إلى المسؤولين».   يروي إبراهيم أبروك قائلا:»كنا في غاية السعادة عندما وصل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، واعتقدنا بلا ريب أن ملف المعتقلين الإسلاميين سيجد طريقه إلى الحل خلال أسابيع أو أيام فقط». مضيفا: «بعد أن طالت المدة كان علينا أن نتحرك لطرق كل الأبواب من أجل تسليط الضوء على وضعيتنا الاجتماعية المزرية».   يرجع بشريط الذكريات إلى الوراء فيتحدث عن اعتقاله  عقب أحداث 16 ماي 2003 :«كان الشيخ حسن الكتاني في «مسجد مكة»، الذي أقطن قريبا منه، وقد تعرفت عليه كخطيب جمعة في المسجد المذكور، وكانت علاقتي به طيبة. وفي إطار التكافل الاجتماعي، الذي يقوم به المسؤولون عن المسجد لمساعدة المحتاجين والأسر الفقيرة بمناسبة عيد الأضحى، سلمني الشيخ ظرفين بهما مساعدات مادية من مال زكاته وأمرني بتوزيعهما على بعض العائلات. وبعد أشهر من اعتقال الشيخ الكتاني في ظروف غامضة داهمني أربعة عناصر من الضابطة القضائية فأخذوني إلى مخفر للشرطة بسلا دون استدعاء رسمي مسبق..»   بعد أن خرج أبروك من السجن وجد والدته، التي بحثت عنه طيلة مدة اختفائه في كل كوميسيريات سلا والرباط، قبل أن يتطوع أحد السجناء بإخبارها بمكانه، (وجدها) في وضعية بين الحياة والموت. «كانت فقط تنتظر خروجي من أجل أن تسقط فريسة أمراض السكر والضغط، بسبب معاناة ثمان سنوات قضتها متنقلة بين الدار البيضاء حيث سجن عكاشة ومدينة سلا مكان إقامتها»، يقول ابراهيم. مضيفا «أسكن مع والدي في بيتهما الفقير، وانتقلت زوجتي  المصابة اليوم بمرض نفساني أشرف على هلاكها إلى البيت نفسه، مباشرة بعض اعتقالي بسبب عجزها عن تسديد ثمن الإيجار».   يتحدث عن أسرته فيتبدل لون وجهه، وتتغير نبرة صوته. ويتحدث عن اللحظات الأولى لاعتقاله «واقتحام الأمن لمنزله وأخد  أوراقه الثبوتية، مباشرة بعد اعتقاله، ثم عندما يشرف على البكاء يتوقف».    يتابع سرد الحكاية فيقول: «لم يشفع عندهم بكاء أبنائي الأربعة وصراخهم، فأخذوا أوراقي وأوراق زوجتي مثل عقد الزواج والحالة المدنية وصور الزفاف وهاتف نقال وبعض المال كان بحوزتنا. لقد خلف هذا المشهد المرعب استياء عميقا لدى الجيران وترك أخاديد نفسية لا تلتئم لدى أبنائي، واليوم عندما أتأخر قليلا في اللحاق بالبيت يعاودهم الخوف من أن يتكرر سيناريو اعتقالي مرة أخرى..»   كان أكثر ما يجعل جمله ممزقة غير مكتملة من قوة التأثر هو حديثه عن ابنه البكر. «ليت الأمر توقف عند المعاناة مع الفقر والذكريات السوداء لسنوات الاعتقال، فالابن، ذو 22 ربيعا، الذي تركته إلى السجن في عز مراهقته تبدل وأصبح شخصا آخر، «فلا صلاة ولا دراسة ولا صنعة أو حرفة، لقد أصبح منحرفا…»     بعد 10 سنوات   وفي اللحظة، التي كان فيها ابراهيم يعالج عسر الكلام وقبل أن يستسلم لدموعه، تدخل نورالدين فأنقذ الموقف، آخذا دوره في الحديث عن التهم الموجهة إليه وطريقة اعتقاله. بيد أنه بين الفينة والأخرى ينتقل إلى الحديث عن والدته ثم يرمي بنفسه في قصة أخرى. كان يبدو أنه لا يريد أن ينبش جثتها المدفونة في صدره.   بعد عشر سنوات من الاعتقال بالتهم نفسها التي طالت ابراهيم أبروك، المزداد هو الآخر بمدينة سلا سنة 1973، وجد أسرته الصغيرة مشردة. يحكي عن قصة اعتقاله، الذي هو مجرد سناريو مكرر لقصة صديقه. مضيفا « لا تزال زوجتي عند عائلتها، منذ أن توفيت أمي رحمها الله بعد اعتقالي».   أصيبت ابنته الصغرى بمرض لا يعرف من طبيعته إلا التوقف المدهش لنمو وزنها وقامتها عند سن جد مبكرة بسبب قلة التغذية. يقول: «لا تنمو عظامها ولا قامتها ولا أي عضو من أعضاء جسمها». مضيفا بصوت محشرج «ترددت عند الطبيب مرارا، وعندما علم بوضعيتي المادية وقصتي مع الاعتقال، قبل أن يعالجها بالمجان. غير أني توقفت عن طلب المستحيل، بعد أن أكد لي خلال الأسبوع الماضي أن ثمن دوائها يتعدى الـ200 مليون سنتيم. هذا يعني عندي شيئا واحدا أن : البنت ستبقى معاقة إلى الأبد».   ورغم أن الطبيب أعطاه فسحة من الأمل قد تنسد مع نهاية هذا الشهر، بعد أن تكشف التحاليل مدى نمو العظام، فهو غير متفائل بتاتا، لأن البنت لم تعالج عندما ولدت وهو في السجن، ولم تُلقح أيام كان ذلك ضروريا. ويعرف أن مهمة الطبيب أحيانا هي ضخ الصدمات بالتقسيط والتدرج، حتى لا يصاب المريض بالإحباط ومعيليه بالانهزام.   ولعل الشيء الوحيد المشترك بين ابراهيم ونور الدين، بالإضافة إلى تقاسم الزنازين والمعاناة داخل وخارج السجن، هو فقدان الوسط العائلي الذي كان يحتضنهم. ورغم تأكيد نور الدين أنه لا يزال يعيش بفضل ما تجود به أيدي إخوته وأنسابه، اعترف ابراهيم بأنه لم ير العائلة منذ خروجه من السجن، بسبب «خوفهم من المخزن». يقول: «إنهم يتصلون أحيانا ويعتذرون على أنهم منهمكون في العمل، وبعضهم يقول صراحة بأنه خائف».   ويحكي قصة وقعت له مع ابن عمه، الذي يشغل منصبا مهما في الصحراء، قائلا: «اتصلت به وكان لطيفا و«مصواب»، وبعد مرور أقل من ساعة اتصل بأمي وطلب منها بأدب أن أنسى مهاتفته وأن أمسحه من ذاكرته، لأنه يريد أن يعيش بسلام».     من بنكيران إلى الهمة   كانت شمس الظهيرة تسطع بيضاء على سفح الجبل حين وقف «سيزيف» لاهثا بالقرب من الصخرة، التي تدحرجت من يديه ونزل خلفها يعدو كالأرنب…أخذها ومسح العرق في جبينه ثم نظر إلى أعلى فتنهد بأسى وإعياء محاولا مرة أخرى…   مثل هذه الأسطورة اليونانية يعيشها اليوم كل من ابراهيم ونور الدين، لكن على الطريقة المغربية وبشكل مغاير قليلا يحتفظ لها دوما بمعنى التحدي والوصول ثم الاخفاق ومعاودة التحدي مرة أخرى.   يضعان هدفا لتحركهما من أجل «صيد ثمين»، ثم يبدءان في النبش حتى يحققا الهدف، من حيث المبدأ، ثم يخفقان في تحقيق المبتغى، ويعاودان التحدي مرة أخرى بوسائل جديدة. يقول ابراهيم: «حظيت بعد الكثير من المحاولات اليائسة باستقبال بنكيران وأحطته علما بكل معاناتي، منذ يوم اعتقالي إلى لحظة لقائه، وكان يطلب مني أن أصبر وأنتظر، لأن الحكومة تسير خطوة خطوة إلى الأمام في اتجاه حل كل الملفات العالقة بالتدرج»، مضيفا بسخرية: «ما تزال جملة قالها لي بنكيران تطن في ذاكرتي عندما خاطبني قائلا: «كان في أحداث 16 ماي بالدار البيضاء خير».    «لم أفهم لحظتئذ ما هو الخير الذي أتى به ذلك الحدث الأليم، إلا إذا كان طبعا يعني وصول العدالة والتنمية إلى السلطة، عقب سلسلة من المضايقات التي تعرض لها الحزب، وأكسبته تعاطفا جماهيريا واسعا. في المقابل، تعرضنا نحن لشتى أنواع التعذيب والتنكيل بدون أن نقترف أي جرم في حق أي شخص» يعلق إبرهيم ساخرا.   بعد فشل اللقاء الأول مع رأس الحكومة، كان من الضروري التوجه إلى صديق السلفيين أيام المعارضة، ومحامي المعتقلين، وزير العدل والحريات الحالي مصطفى الرميد. «استقبلنا الوزير وبعد أن عرضنا عليه ملفينا، كان يطالبنا هو الآخر بالانتظار حتى يصفو المناخ السياسي الداخلي والخارجي، وقد اعتبرنا ذلك بمثابة رفض للتعاطي مع مطالبنا، لأنها شروط تعجيزية في وقت يعرف حق اليقين كم واحدا منا ظلم وعُذب بغير وجه حق».   «ولما كنا نتحدث معه حول المعتقلين الإسلامين، واطلاعه على الملفات أيام كان في هيئة الدفاع، أكد لنا بأنه في وضعية جد حرجة بحيث لا يستطيع حتى إطلاق سراح المعتقل الاسلامي المدعو «أبو الحنا» في سجن أيت ملول، وهو معتقل مصاب بمرض السرطان».   ولم يكن الرميد يخفي، على حد تعبير نور الدين الغرباوي، توجسه من تحمل مسؤولية حل ملف ما يسمى بالسلفية الجهادية، «حيث أكد لنا مرارا أنه مستعد لحل الملف، لكن بشرط حصول توافق عام بين كل التيارات السياسية في المغرب، لأنه كما قال لنا، لا يريد تحمل مسؤولية أي عملية انتحارية مستقبلية، قد يكون بطلها أحد السجناء السابقين في إطار ملف السلفية الجهادية».   ويعلق نور الدين الغرباوي على ذلك بالقول: إن «الرميد تغير كثيرا، منذ دخوله إلى الحكومة، فهو الذي كان المدافع عن المعتقلين الاسلاميين، واعترف مرارا بأنهم يتعرضون للتعذيب والاغتصاب في السجون. فلماذا لا يضع الملف ضمن أولوياته، خاصة وأنه يعرف أننا أبرياء؟».   وفي الوقت الذي قرر فيه إبراهيم ونور الدين نفض أيديهم من حكومة عبد الإله بنكيران، لا يزالان يتمسكان ببعض الأمل في الوعود التي قدمها لهما مدير ديوان رئيس الحكومة، جامع المعتصم، «على الأقل أسمعنا كلاما طيبا ووعدنا خيرا»، يقول إبراهيم أبروك.   لكن تظل المناضلة الحقوقية آسية الوديع، التي استطاعت أن تفي بوعدها بإطلاق حوالي 360 سجينا في ملف السلفية الجهادية سنة 2005، محط تقدير واحترام كبيرين. يقول نور الدين «آسية الوديع بعد الله هي التي ساعدتنا في وضعيتنا ووعدتنا وعد الرجل وقد صدقت رحمها الله».   وبسبب انسداد الأفق، قرر السلفيان أن الوجهة والملف والتعويض والاندماج ستكون وجهة خاطئة إذا اتجهت إلى مكان آخر غير القصر. وفي هذا الاطار، كان لقاؤهما مع فؤاد عالي الهمة، الذي وعدهما بلقاء خاص للحديث عن وضعيتها، قبل أن يسلمهما رقم هاتفه الشخصي .   يقول نور الدين، «عندما اتصلنا به طلب منا مدير ديوانه أن نكتب كل مطالبنا في رسالة ونوجهها لديوانه، وقد كتبنا رسالة قصيرة نطلب فيها شيئا واحدا وهو لقاء خاص، ونحن ننتظر الأستاذ الهمة أن يتفرغ من مشاغله الكثيرة». ويعتبر إبراهيم بدوره أن «الهمة هو الوحيد القادر على إيصال تظلماتنا إلى الملك، وإن لم نفلح هذه المرة، فالتحدي المقبل هو تحين الفرصة للقاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، حتى يعلم ما أصابنا ويصيبنا من جراء الظلم والحيف».

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة