التــونسة الأخـــرى! | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

التــونسة الأخـــرى!

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الثلاثاء 07 أكتوبر 2014 م على الساعة 17:31

 في بداية هذا الأسبوع، نظمت تونس ندوة دولية حول الاستثمار بإشراف من الحكومة، وبحضور قرابة ثلاثمائة شخصية من دول أجنبية. هذه الفعاليات التأمت تحت شعار: «الاستثمار في تونس الديمقراطية الناشئة». الشعار يذهب رأساً ليثير إشكالية «كلاسيكية» تتعلق بالعلاقة بين الديمقراطية والنمو الاقتصادي، إذ منذ أن وقف العلامة بن خلدون في «المقدمة» عن الربط بين الازدهار الاقتصادي ونمو الدول، وبين التقهقر وانحلالها، ظل هذا الانشغال هاجساً مستمراً للأدبيات المتعاقبة، سواء في علم الاجتماع أو علم السياسة. فالعلاقة بين «الاقتصادي» و«السياسي» كأفق للتفكير العلمي وللمساءلة ظلت من الاهتمامات القوية للعلوم الإنسانية والاجتماعية، بل وللفكر الفلسفي عموما، ولعل تبلور حقل معرفي واسع بكل استقلاليته الابستمولوجية والمفاهيمية، هو «الاقتصاد السياسي»، أكبر دليل على الترابطات العضوية بين الاقتصاد والسياسة كعالمين وكحقلين أو كمجالين لرهان السلطة أو كأفقين للمعرفة. وإذا كانت العلاقة، اليوم، بين التقدم السياسي والنمو الاقتصادي تبقى بالنسبة إلى علم السياسة، على العموم، غير مؤكدة، كما توضح العديد من التجارب التاريخية، فإنه في المقابل ليس ثمة يقين في كون تقدم الاقتصاد وجلب الاستثمارات وتطوير حالة من «اللبرلة» الاقتصادية كافٍ لوحده ليضمن- في السياسة- انتقالاً هادئاً من وضعية الاستبداد إلى أفق الديمقراطية.   الواقع أن تعقيدات التاريخ تتجاوز العلاقة الحدية التي تصورتها الإيديولوحيا الماركسية بين «العامل الاقتصادي» كمُحدِّد مركزي، وبين «العامل السياسي» كمجرد متغير تابع. بعيداً عن التعميمات النظرية، فإن التحدي التونسي يتعلق في العمق بالقدرة على إبداع صيغة جديدة تقطع مع نموذج طالما رعاه النظام السلطوي السابق، ينبني على فكرة أولوية الاقتصاد على السياسة، وهو الاتجاه الذي كثيراً ما سمّته بعض الأوساط المغاربية بخيار «التونسة»؛ خيارٌ كثيراً ما غازل استهامات منظري الاستبداد في بلدان مجاورة. وهنا، فإن إحدى حسنات الربيع العربي، قد تجلت بالضبط في انهيار الأسطورة التي رافقت هذا النموذج وأمثاله، إذ فضلاً عن أن فكرة التقدم الاقتصادي كبديل عن الديمقراطية فكرة شمولية في الأصل، فإنه إذا كانت قد توفرت لها بعض الذرائع الإيديولوجية في بعض التطبيقات الاشتراكية البيروقراطية، فإنها في الحالات العربية لم تكن تعني سوى تغييب الشعوب عن الجرائم الاقتصادية للنخب الحاكمة ولعائلاتهم، وهو ما جعل هذه الشعوب تعيش أسوأ ما في الاشتراكية البيروقراطية، دون حتى أن يتوفر لها «أحسن» ما في هذه التجارب.   إن النجاعة ليست بديلا عن المسؤولية، كما أن الفعالية ليست بديلا عن المراقبة، وعموما فما حدث من انفجارات العام 2011، أثبت أن ما يسمى بالتقدم الاقتصادي الذي تمت التضحية بالتقدم السياسي على حسابه، لم يكن سوى «وهم كبير» ساهم تواطؤ الغرب في صناعته، إذ لم تنتج هذه النماذج في النهاية سوى اقتصاديات هشة منخورة بالفساد.   وبالقدر الذي تقود فيه تونس، نيابة عن الشعوب العربية، تحدياً في السياسة ينهض على إقبار أطروحة القطيعة «الإثنوغرافية» بين الشرق وبين الديمقراطية، فإنها تخوض كذلك تحدياً مماثلاً، يتجلى في إنجاح التمرين المعقد للاقتصاد السياسي للربيع العربي. بذلك فهي تغامر بإبداع نموذج تونسي جديد، يزاوج بين السياسي والاقتصادي، بشكل يجعل «التونسة «هذه المرة حجة للديمقراطيين، وليست حجة عليهم!

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة