حكاية الصورة التي فتحت عيون العالم على مغاربة الأقبية المظلمة

حكاية الصورة التي فتحت عيون العالم على مغاربة الأقبية المظلمة

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الإثنين 07 يناير 2013 م على الساعة 11:46

يومان قبل نهاية السنة الماضية، دمعت عيون عديدة وهي تطالع صورة زوجين في أرذل العمر يعيشان في قبو مظلم في أقاصي جبال الأطلس. البعض اختار صورة العجوزين صورةً للسنة لثقل الرسالة الإنسانية التي حملتها ولكثرة المشاعر التي حركتها داخل وخارج المغرب. وبعد أيام قليلة من البحث تحول الزوجان إلى «مشاهير»، حيث عرف اسم الزوج وهو عزيز نبشير والزوجة المقعدة الطاهرة. وصارت أيادي الخير تتحرك في كل الاتجاهات بمدينة خنيفرة، حيث يعيشان من أجل مد يد العون، لكن العين بصيرة واليد قصيرة، يقول فاعلون جمعويون بالمدينة. قضية وطنية بدأت حكاية الزوجين عزيز نبشير والطاهرة بصورة انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وصارت في لمح البصر قضية إنسانية، بل قضية وطنية بالنسبة لبعض الشباب. أول أمس الخميس، تحولت الصورة إلى وسيلة خلاص، حيث أدى انتشارها إلى تحريك مبادرات مختلفة، أهمها مبادرة مدير شاب من مراكش غيّر، في 24 ساعة، ملامح الصورة القاتمة بقبو مظلم إلى صورة تسلسل إليها شيء من البياض والصفاء.   فقد حط رشيد المناصفي، مدير شركة للأمن الخاص بمدينة مراكش في ساعة مبكرة من يوم الخميس الماضي بحي الباطوار في قرية كروشن، في إقليم خنيفرة، بعدما شاهد كباقي المغاربة الصورة المؤلمة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، غير أن الواقع كان أفظع بكثير من رسالة الصورة، يقول المناصفي، مضيفا «عندما شاهدت الصورة بكيت لدقائق، لكن عندما رأيت أصحابها مباشرة مازلت أبكي إلى الآن». العجوزان، عزيز والطاهرة، نموذج مصغر لما يعيشه آلاف المغاربة المحرومين في صمت بعيدا عن دائرة الضوء. فالطاهرة، امرأة مقعدة لم تتحرك من مكانها منذ 10 سنوات، حتى أن جلدها التصق بالأرض العارية حيث تتمدد فوقها ليل نهار. أما الزوج عزيز فهزل جسمه وفقد بصره، وبقي يحضن زوجته داخل القبو المظلم إلى جانب الجرذان والصراصير وغيرها من الحشرات. لمسة دفء حاول الجيران أكثر من مرة أن يمدوا يد المساعدة، لكن ظروفهم لم تكن أحسن حالا، فالناس هناك يعيشون معاناة يومية مع البرد والجوع، ويقتسمون كؤوس الشاي والخبز فيما بينهم يوميا، إذ لا طعام لهم ولا وجبة غيره. الزوجان عزيز والطاهرة، لهما ابن وحيد، وهو يعاني من اضطرابات نفسية مما عمق مأساة العائلة، التي بقيت أجسامها تتآكل من شدة البرد والجوع والعفن. في الأسبوع الماضي، ابتسمت الطاهرة لأول مرة، فمنذ زمن بعيد لم تسمع صوتا غير صوت زوجها المبحوح، لأول مرة تحس بالحركة داخل قبوها، تحس بالدفء الذي عانقته بسبب صورة انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي. يوم الخميس، سمحت الطاهرة لنفسها بأن تحمل وأن تعبر عن ذلك، وكان أقسى حلمها مؤلما كما كانت صورتها الأولى. يقول رشيد المناصفي «سألتها ماذا تريدين؟ فأجابتي بفرح: أريد أن آكل دانون!». جزء من الحقيقة بصعوبة بالغة حمل رشيد بمساعدة بعض شباب المنطقة الطاهرة. كانت كومة عظام وزوجها كذلك. نقلوهما إلى مكان آخر في انتظار تنظيف وتجهيز قبوهما. طوال اليوم تكثفت الجهود وتوحدت الأيادي لإضفاء لمسة دفئ على بيت عزيز والطاهرة. حركة دائبة في كل الاتجاهات، الصباغ ينكب على تلميع القبو، ونساء الحي اجتمعن من أجل تنظيفه من أزبال تراكمت فيه لسنوات. يقول رشيد «وجدنا فئرانا ميتة وحشرات وبرغوتا»، مضيفا بألم «كيف نسمح لأنفسنا أن نعيش وننام بسلام وبنو جلدتنا يموتون وتأكل أجسادهم الرطوبة والجوع». وأكد رشيد أن»الصورة التي تم تناقلها تبقى صورة ولا تحمل سوى 70 في المائة من الحقيقة». هي صورة بدون رائحة، يقول «حيث أن ملامسة الواقع تجعل الإنسان يبكي دما عوض الدمع». الموت في صمت وقد اختار رشيد أن ينجز ألبوم صور لعزيز والطاهرة، يقول إنه «ليس للتباهي، بل لأوجه رسالة إلى الجميع أنه كلنا يمكننا أن نفعل شيئا… لا يمكن أن نبقى دائما ننتظر من يبادر أو أن نتجمع ونتقف من أجل ألا نتفق في النهاية، فكل واحد منا يمكن أن يكون دول لوحده وأن يقوم بأي مبادرة بسيطة فهي فاعلة ولها دلالة». ساعتها فقط، يؤكد «يمكننا أن ننتقل من مرحلة الشعارات إلى مرحلة التنفيذ». صورة الطاهرة وعزيز قبل أن تحرق قلوب ملايين المغاربة حرقت قلوب جيرانهما، حيث بادرت جمعية بالمدينة إلى جمع تبرعات من أجل مساعدة العائلة، لكنها لم تستطع أن تتجاوز سقف 1200 درهم، وكان عليها أن تقسمها بين عائلات عديدة تعاني ظروفا مشابهة، وفي النهاية توقف كل شيء. رسالة الشاب رشيد الذي قضى جزءا من حياته في الخارج، يقول «دعوا الحكومة تعمل، لكن فلنعمل نحن أيضا ولا نقف عند حدود النقد لإنه لن يغير من الواقع شيئا»، أما رسالة الطاهرة وعزيز فكانت «التفتوا وتوغلوا في أقاصي المغرب، فنحن نموت في صمت».

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة