عبد الكريم الخطابي.. المنفي بعد نصف قرن من الرحيل

عبد الكريم الخطابي.. المنفي بعد نصف قرن من الرحيل

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الخميس 07 فبراير 2013 م على الساعة 19:41

تحلّ  ذكرى مرور نصف قرن بالتمام والكمال على رحيل أحد أبرز وأشهر شخصيات مغرب القرن العشرين، والذين ارتبطت اسماؤهم بمقاومة الاستعمار، لكن الاستقلال لم يحمل لهم أمجادا ولا عرفانا داخل المملكة. بطل الريف وأسد المجاهدين و»أمير» الجاهدين، أفنى حياته في حمل السلاح ومواجهة الاحتلالين الفرنسي والإسباني، معبئا جيشا غير مسبوق تاريخيا، مؤلفا من قبائل الريف المغربي، لكنه مات مُبعدا شبه منفي في العاصمة المصرية القاهرة، حيث يرقد جثمانه إلى اليوم. الذكرى تحلّ مع صخب المواجهات العنيفة التي شهدتها ضواحي مدينة الحسيمة بين قوات السلطات العمومية وأبناء المنطقة المستمرين في زراعة نبتة «الكيف». تحلّ الذكرى وقطاع واسع من أبناء منطقة الريف والمنحدرين منها، يحملون رواسب من ماض أليم، تحوّلت فيه المنطقة الشمالية من المملكة إلى إقليم شبه منبوذ. رواسب تؤجّجها بعض الحوادث من قبيل إقدام السلطات الأمنية على إزالة صورة للزعيم الريفي محمد بن عبد الكريم الخطابي من السياج المحيط بملعب المسيرة لكرة القدم بمدينة آسفي، والتي قام بتعليقها بعض من أبناء المنطقة بمناسبة مباراة فريق شباب الريف الحسيمي، مع فريق أولمبيك آسفي، وهو ما أثار موجة من الغضب والاحتجاج، وصل مداها إلى المؤسسة التشريعية، حيث وجه النائب البرلماني محمد بودرا من فريق الأصالة والمعاصرة سؤالا كتابيا عاجلا إلى رئيس الحكومة، مستنكرا ما أقدمت عليه السلطات الأمنية ومستغربا عدم برمجة الحكومة لبرنامج وطني لتخليد الذكرى الخمسينية لرحيل الخطابي. فما هي قصة هذه الشخصية التي مازالت صورتها تثير حفيظة السلطات الأمنية وتدفعها إلى نزعها من على الأسوار، كما لو كانت تمثل تهديدا للأمن والاستقرار؟ ما حقيقة مواقف الـ»أمير» الراحل مع الملوك العلويين وسلطاتهم؟ ولماذا لم يتمكّن من العيش فوق الأرض التي ناضل من أجل استقلالها، ولا أتيح له أن يُدفن في ترابها؟   «جمهورية الخطابي» أفرد الكتاب الأول الذي أصدره المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، حيزا كبيرا من جزئه المخصص للمقاومة القبلية ضد الاستعمار، لموضوع المقاومة التي قادها، في منطقة الريف، محمد بن عبد الكريم الخطابي. وبعدما سرد الكتاب الكيفية التي قاد بها الخطابي المقاومة الريفية وهزم كلا من إسبانيا في مرحلة أولى، ثم فرنسا في مرحلة ثانية، قال إنه قام بتوظيف نجاح المقاومة وإعطائها بعدا جديدا، «حين أدرك أنه لا ينبغي أن تقف حركته عند طرد المستعمر، وإنما عليها أن تعتمد إصلاحات في أوساط القبائل الريفية، كما تستلزم ذلك شروط المواجهة وتحقيق الانتصارات، انطلاقا من توحيد القبائل، بغية إخضاعها لسلطة مركزية واحدة، حسب رأيه». سلطة مركزية قال الكتاب إنها تمثلت في إقامة مؤسسات وأجهزة كفيلة بملء الفراغ الذي أحدثه انهيار سلطة المخزن المركزية. «وعلاوة على المجهود الحربي، فإن الخطابي قد أقام إدارة ممركزة تتضمن مجموع المؤسسات اللازمة لتنظيم شؤون القبائل وتسييرها، فعيّن وزراء وقوادا وقواد حرب وأمناء وقضاة وما إلى ذلك». ورغم اكتفاء الكتاب في البداية بهذا الوصف دون تسميته، إلا أنه عاد في فقرة لاحقة ليتحدّث عن «جمهورية الريف»، حيث كانت التطورات التي حصلت في المنطقة الشمالية في السنوات الأولى للاحتلال، قد عجّلت بـ»التقارب العسكري بين فرنسا وإسبانيا، لاسيما بعد استقالة ليوطي وتعويضه بالماريشال بيتان، على رأس جيوش الاحتلال. وكان الهدف النهائي هو سحق «جمهورية الريف». كما تضمّن الكتاب نشر صورتين لورقتين نقديتين من العملة التي كان الخطاب قد اتخذها ونسبها إلى «بنك حكومة الريف»، وهي العملة المسماة «ريفان». تخطيط واستراتجية سرعان ما ستتبخّر بعد تحالف الجيشين الفرنسي والإسباني ضد قائد المقاومة الريفية، «وقد أدت المشاورات وعمليات التنسيق إلى القيام بعمليات عسكرية واسعة ضد المقاومة الريفية. وإذا أخذنا بعين الاعتبار انعدام التكافؤ البيّن في ميزان القوى، فإنه كان من الطبيعي أن تسفر هذه الاستراتيجية عن استسلام قائد المقاومة، وهو ما وقع يوم27 مايو 1926، قبل أن يتم نفيه إلى جزيرة لاريونيون». عملية نفي الخطابي استمرّت عشرين سنة، قبل أن يوقفها تدخّل رموز وخلايا المقاومة المغربية المستقرة في العاصمة  المصرية القاهرة، ليتم تخليصه من قبضة المستعمرين أثناء نقله في اتجاه فرنسا، وإيصاله إلى مصر عام 1947، حيث عاش منفيا في حياته وبعد موته. منفي رغم الاستقلال ورغم الموت انتهاء الحماية الفرنسية والإسبانية على المغرب، واستعادة المملكة لسيادتها الكاملة على ترابها، لم تكن نهاية لهذا «المنفى» المصري لزعيم الريف. بل إنه ورغم ما تأكد تاريخيا من علاقات طيّبة جمعته بالملك الراحل محمد الخامس، ظلّ رافضا لفكرة العودة قبل التصفية النهائية والكاملة للاستعمار ومظاهره. «لقد سالت كثير من الدماء فيما مضى، ولا تزال تسيل والنتيجة حتى الآن صفر، وذلك بسبب هؤلاء الانهزاميين أو السماسرة الذين يقفون دائما في طريق نجاح الكفاح»، يقول الزعيم الراحل في أحد حواراته الصحفية التي أجراها عام 1962، مضيفا أنه يطالب «الانهزاميين والفرنسيين أن يكفوا عن المشاغبات، وعن الختل والدس والكيد… ونعرف أن السماسرة في المغرب والجزائر وتونس يقبلون مبدأ إيجار قواعد القنيطرة، ومرسى الكبير في وهران، وبنزرت لعدة سنوات أو أكثر من عشر سنوات». واعتبر الخطابي أن بقاء القواعد العسكرية الأجنبية في الأقطار المغاربية خيانة، و»طعنة في صميم قضية المغرب وأن القصد من هذا هو استدامة نفوذ فرنسا في الأقطار الثلاثة». وتؤكد تصريحات الخطابي، أثناء فترة إقامته في مصر، وجود اتفاق كان قد جمعه بالراحل محمد الخامس يقضي بعودة «أمير الريف» إلى المغرب. «لقد كانت المواعدة من الطرفين، فعندما حدثنا جلالته رحمه الله عن الرجوع، لم نخف عنه اشتياقنا لرؤية بلادنا… لكننا أشرنا إلى قضية الجيوش الأجنبية الرابضة بتراب المغرب، فأجابنا رحمه الله بأن هذه السنة، وكانت سنة 1960، هي سنة الجلاء، وتواعدنا على الجلاء، وعلى أن رجوعي سيكون بإذن الله. وحدث أن توفي المرحوم محمد الخامس وبقيت الأمور كما كانت عليه من قبل». مواقف تنضاف إلى ما شهدته منطقة الريف بعيد الاستقلال من مواجهات دامية، شنّ خلالها الجيش، بقيادة الملك الراحل الحسن الثاني، وهو حينها وليا للعهد في سنة 1959، حربا حقيقية ضد أبناء المنطقة بعد اندلاع مواجهات عنيفة. الكتاب الذي أصدره المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، وضع اندلاع ما يعرف بـ»ثورة الريف» التي شهدها شمال المغرب نهاية الخمسينيات، في سياق التحركات المضادة لحزب الاستقلال ومساعيه للهيمنة على المغرب. واكتفى الكتاب بفقرة تقول إن «المغرب عرف مجموعة من القلاقل التي انطلقت بإيعاز من القوى المناهضة لحزب الاستقلال عبر أرجاء البلاد، وخصوصا بالأطلس المتوسط ومنطقة الريف، حيث تم إخماد الحركة التمردية بقسوة بالغة في مطلع سنة 1959». وقد اندلعت ثورة الريف سنة 1958، وما كادت تلك الأزمة تخفّ نسبيا في نونبر 1958، حتى عاد التمرّد إلى الاشتعال بشدة أكبر في يناير 1959. إذ خرج بني ورياغل (القبيلة التي ساندت بن عبد الكريم الخطابي)، ورئيسها أمزيان إلى السيبة. وعلى الرغم من أن ولي العهد، قائد القوات المسلحة الملكية، المتمركز في تطوان، والكولونيل محمد أوفقير، هما اللذان تولّيا قمع هذه الانتفاضة، فإن أهل الريف كانوا يرون أن هذا القمع يستهدفهم من حكومة الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية. دخل مولاي الحسن ورئيس الحكومة حينها، عبد الله إبراهيم، معا مدينة الحسيمة «المحرّرة» في 16 يناير 1959، بعد ستة أيام من العمليات الضارية، التي قيل إنها أوقعت آلاف القتلى (ما بين 6000 و8000)، لكن ذلك كله لم يمنع أحرضان والخطيب من العودة إلى المغرب، والحصول لتنظيمهما السياسي على الاعتراف باسم الحركة الشعبية. فبقي الغموض سيد الكتابات المؤرخة لتلك الحرب الدامية، دون أن يُعرف من أشعل فتيلها، ولا من أخمدها، وما إن كانت ضد جيش ولي العهد أو ضد حزب علال الفاسي.   ضد الحزبية وضد الدستور وبغض النظر عن هذه الأحداث، كانت لمحمد بن عبد الكريم الخطابي مواقف نقدية شديدة المعارضة، خاصة بعد اعتلاء الحسن الثاني العرش، خلفا لوالده محمد الخامس. فقد كان «أسد الريف» يعتبر أن «المغرب قد أخل بواجبه كأمة لها تاريخ مجيد، وقصّر في حق نفسه. كان يجب أن تكون به حكومة تعرف كيف تبتعد عن السفاسف، فما الفائدة من البعثات الرائحة والبعثات الزائرة؟ وماذا وراء الحفلات التي تنفق فيها الأموال الطائلة والأمة في حاجة إلى تلك  الأموال..؟». كما كان الخطابي يعتبر الحزبية أمرا غير مرغوب فيه، «إذ أنه ليس من مصلحة المغرب الاختلاف والشقاق والنزاع. وقد كان على هذه الأحزاب السياسية أن تقوم بأعمال بناءة في خدمة الأمة، فمعلوم أن تعدد الأحزاب من الميزات التي تساعد على إظهار المصلحة العامة، الأمر الذي هو مفقود عندنا في المغرب. وأننا نرى أن الخلاف لا زال مستحكما في بلادنا، وأن هذا الخلاف ليس إلا من أجل المناصب والكراسي، لا على أساس إمكانيات طرد العدو أو إصلاح الفساد». وعندما بادر الملك الراحل الحسن الثاني إلى وضع أول دستور لمملكته، كانت للخطابي مواقف معارضة جريئة، حيث كتب في أواخر 1962 أن الدستور ليس إلا «عقد» –كونتراتو- بين الحاكم والمحكوم، ولابد من موافقة كلا الطرفين على هذا العقد، وإلا بطل من أساسه. ذلك أن هذا العقد جاء نتيجة لتحكم الحاكم وسيطرته واستبداده، فوضعوه لكي يجعل حدا للحاكم. وما فائدته إن وضع من طرف واحد، وما جدواه إن وضع على وفق إرادة الحاكم». وذهب الخطابي إلى أن «التنصيص –في هذا الدستور المزعوم- على (ولاية العهد) ما هو إلا تلاعب واستخفاف بدين الإسلام والمسلمين. إذ كلنا يعلم أن مسألة الإمامة، كانت دائما موضع خلاف بين علماء الإسلام منذ بعيد، وما ذلك إلا لعدم وجودها في القانون السماوي». مواقف وأخرى لم تكن تعني أن الرجل لم  يتحرّر من رواسب معركة العشرينيات التي خاضها ضد الاستعمار الغربي وأدت إلى دحر جيوشه واعتقاله ثم نفيه؛ بل إن كتابات وتصريحات الراحل تكشف عن شخصية عارفة بإكراهات الواقع وحريصة على التوافق وتوحيد الصفوف والحفاظ على الاستقرار والوحدة الترابية. فقد «كان الوالد يفكر بعقلية الجندي، وبوجدان المؤمن بقضيته، لأن تجربة الحرب التي خاضها عسكريا ضد دولتين أوربيتين في عام 1921 إلى 1926، دون الالتجاء إلى طلب أي مساعدة، برهنت له على أن بإمكان أي شعب أن يحقق حريته، ويحرر وطنه بإمكانياته»، يقول ابن الزعيم الريفي، سعيد الخطابي، في حوار صحافي أجراه سنة 1965، مضيفا أن «الوالد الخطابي كان قد سبق بأفكاره الجيل الذي عاصره، وهذا عكس ما يقال بأنه يعيش بفكر 1926، وستبرز لكم الأيام، أن كل مدرسة سياسية يحتضنها الاستعمار ولا تخرج من صلب الإرادة الشعبية، هي مدرسة انتهازية تخدم الاستعمار ومصالحه…».   عقدة التهميش اليوم، تحلّ الذكرى الخمسون لرحيل الرجل الذي يرمز اسمه لمنطقة بكاملها، وسؤال كتابي، فوق مكتب رئيس الحكومة عبد الإله ابن كيران، يستنكر إزالة صورة الخطابي، وأسئلة أخرى معلّقة حول مدى نجاح خطة المصالحة التي انتهجها «العهد الجديد» تجاه المنطقة وأبنائها. فالناشط المثير لعواصف النقاشات كلما خرج إلى العلن، إلياس العماري، يواصل بناء الأذرع التنظيمية لآلة سياسية تطوف حول حزب الجرار، وكانت إحدى محطاته، تأسيس منتدى الكفاءات الريفية الشابة. وفي كلمة ألقاها الرجل قبل شهور قليلة بمناسبة مؤتمر التأسيس، حرص العماري على تحسيس شبان منطقة الريف الحاضرين، بكونهم محظوظين لولوجهم كبريات المدارس والمعاهد العليا في العاصمة الرباط، مقارنة مع الصعوبات التي كانت تواجه أبناء المنطقة في السابق، وقال إن على هؤلاء الشباب ألا يعتبروا ذلك نجاحا، «لأنكم يلا ما احتليتوش النصف في المعاهد العليا والمعاهد التي تخرج الكفاءات، غادي تكونوا فاشلين

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة