دروس من أجل التاريخ في الذكرى المائة لمعاهدة الحماية 2/ 2 | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

دروس من أجل التاريخ في الذكرى المائة لمعاهدة الحماية 2/ 2

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الثلاثاء 07 أكتوبر 2014 م على الساعة 18:04

أحمد الخطابي

ما أثارني بشكل شخصي في كتابة هذه الورقة هو القفز على تاريخ توقيع معاهدة الحماية (30مارس) وكأنه حدث عابر لا يحمل أي قيمة تاريخية مقارنة مثلا بحدث آخر مرافق كالمطالبة بالاستقلال أو حتى حدث الاستقلال. لكن يبدو لي أن استحضار هذا الحدث أهم بكثير من الناحية التاريخية من حدث الاستقلال ذاته، وليس كما يمكن أن يفهم البعض تقليل من أهمية حدث الاستقلال، بل إن حدث الاستقلال ما كان أن يكون لو لم يكن حدث الحماية.   لهذا نقول إن التاريخ شيء ومعرفة التاريخ شيء آخر، التاريخ كما قلنا أحداث ومعرفة التاريخ هي فهم الدلالة الإنسانية لتلك الأحداث بكشف منطقها. هذا يسمح لنا بالقول إن معاهدة الحماية كحدث شيء، وفهم الدلالة التاريخية للمعاهدة شيء آخر، وحينما نقول فهم الدلالة فنحن نقصد التداعيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للحدث حتى نزيل اللبس للقارئ ونبتعد قليلا عن التجريد. وهذا هو المقصود بكشف منطق التاريخ في حالة معاهدة الحماية.   لا يمكننا أن نفهم لماذا اندلعت المقاومة المسلحة في كل المناطق المغربية إلا بعد التوقيع على المعاهدة، ليس فقط فيما كان يسمى « بلاد السيبة » (القبائل المعارضة للسلطة المركزية)، وإنما كانت المقاومة قد اندلعت حتى في المدن الكبرى، وإن بشكل محتشم. هذا يعطينا تفسيرا أوليا عن المقاومة كظاهرة تاريخية ارتبطت سببيا بالمعاهدة، هذه تستدعي تلك، وإلا لماذا نجد شخصيات تاريخية كـ »موحا أوحمو الزياني » و »عبد الكريم الخطابي » حتى لا نذكر أكثر. فالمقاومة لم تكن فقط ضد الاستعمار، وهذا ما يتم تجاهله، بل أيضا ضد الشروط السياسية المنتجة للمعاهدة والمتجلية في النظام السياسي الذي سمح بتوقيعها. معاهدة الحماية وبداية كتابة التاريخ المغربي المعاصر     يتضح هذا جليا من خلال المادة الثالثة من بنود المعاهدة إذ تقول ما يلي:  « تتعهد حكومة الجمهورية الفرنسية بمساندة صاحب الجلالة الشريفة ضد كل خطر يمس شخصه الشريف أو عرشه أو ما يعرض أمن بلاده للخطر. المساندة تشمل أيضا ولي عهده وسلالته. »   لعل ما كان يهم السلطان عبد الحفيط حينها هو الحفاظ على مصالحه الشخصية، والمتجلية في حمايته، وأعتقد من هنا جاءت التسمية (معاهدة الحماية)، بحيث لا أعتقد أن المعاهدة كان الهدف منها حماية ما يمكن أن يعرض أمن البلاد للخطر، إن لم يكن الخطر ذاته هو الاستعمار، وقد شددت المعاهدة على هذا الجانب الذاتي المصلحي المرتبط بشخص الملك المتجلي في الربط بين مصلحة الحكومة الفرنسية ومصلحة السلطان الشخصية، هذا ما تؤكد عليه المادة الثانية من المعاهدة:  يعترف صاحب الجلالة السلطان من الآن (المقصود تاريخ توقيع المعاهدة) للحكومة الفرنسية بعد مشاورتها للسلطات المخزنية الحق بانتشار قواتها العسكرية على التراب المغربي كما تعتبرها مهمة للحفاظ على أمن وسلامة المبادلات التجارية وتدبير الشؤون الأمنية على البر وفي المياه المغربية.   لا نريد أن نحمل هذه المادة أكثر مما تفصح عنه، فهي تعتبر أن مهمة الجيوش الفرنسية وحكومتها تتحدد في حماية المبادلات التجارية التي تعتبر أهم مداخيل خزينة الدولة المغربية في تلك الفترة، إن على صعيد المبادلات الداخلية (وظفت المعاهدة صيغة « على البر ») أو على صعيد المبادلات الخارجية (في المياه المغربية). وبالرغم من أن معظم المغاربة كانوا أميين في تلك الفترة، لم يعرفوا عن قرب بنود المعاهدة، إلا أن تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تجلت سريعا دون الحاجة للاضطلاع على البنود كاملة أو حتى فهمها. كما أن الرد عليها كان سريعا أيضا من خلال تنظيم صفوف جيوش المقاومة في كل المناطق والتواصل فيما بينها بعيدا كل البعد عن القصر وعن دار المخزن، وهنا لا بد أن نطرح سؤالا تاريخيا: أين كان القصر بين سنتي 1912 و1945 تاريخ انتهاء الحرب العالمية حيث ستتصاعد حدة وشراسة المقاومة المسلحة؟ ألا يخبرنا التاريخ الرسمي أن القصر لم يتحرك إلا بعد تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال لأنه وجد نفسه وحيدا وأصبح العرش مهددا؟ لا يتم تخليد تاريخ معاهدة الحماية حتى لا يتذكر المغاربة كم من المآسي وحجم المعاناة وآلاف السنوات من السجون والمعتقلات وعدد الشهداء…، كان ضحية هذه المعاهدة المشؤومة.    لكن في الوقت ذاته لا يجب أن ننظر إلى معاهدة الحماية فقط هذه النظرة، ولكن يجب أن تعطينا درسا في التاريخ الوطني مفاده أن أية معاهدة يجب أن يدخل فيها مغرب ما بعد الاستقلال السياسي يجب أن نتمعن في نتائجها المستقبلية حتى لا نرهن مجموع الشعب المغربي، وحتى لا نكرر معاناة هذا الشعب، وإذا خالفنا القوانين الموضوعية لحركية التاريخ، فإننا سننتج المأساة على حد قول هيجل. فالتاريخ ينتج ذاته تراجيديا إذا لم يتم الوعي بحركيته الموضوعية، وهذا ما ينطبق في جزء منه على ما يعرفه التاريخ المغربي المعاصر، فكم من المعاهدات لا تعبر مطلقا عن مصلحة الشعب المغربي ولا يتم الرجوع إليهم في المصادقة عليها، إننا بهذا نعيد إنتاج مأساة هذا الشعب وتأبيدها.   يجب أن نعتبر ذكرى توقيع معاهدة الحماية ذكرى لحماية الشعب من المأساة، ويتم محاسبة الذين ينتجون هذه المأساة، وليس مكافأتهم كما حصل مثلا مع عباس الفاسي الذي شرد الآلاف. كيف يتم في كل مرة تجاهل إرادة الشعب وفرض إرادة الفرد؟ ألهذا الحد نريد أن نحول الأفراد إلى مرضى الزهايمر؟   كثيرة هي المعاهدات التي يتم التوقيع عليها وترهن الشعب لعقود دون أن نكلف أنفسنا طرح سؤال المستقبل باستحضار الماضي، فالانتكاسات التي يعرفها التاريخ المغربي المعاصر ليست إلا امتدادا وتجليا للماضي لأننا لم نكلف أنفسنا دراسة هذا الماضي، نحن نعي كامل الوعي الدوافع السياسية والايديولوجية للنظام المغربي بتهريبه للأسئلة المقلقة والمحرجة التي ترتبط بالمصير والحقوق، واستبدالها بطقوس البلادة.   إن التاريخ المغربي المعاصر هو تاريخ نضالات الشعب المغربي ضد المعاهدات المعلنة والسرية بشكل يومي، المتجلية في الاستيقاظ المبكر للفلاح والعامل نحو العذاب قبل الآخرين على حد قول شاعرنا السوري محمد الماغوط. إن هذا الشعب كباقي الشعوب لديه ذاكرة قوية، رغم جهله بقوانين التاريخ، وهي مزيج من المعاناة والأمل وبينهما خط رفيع من النضال المتجلي في لحظاته التي لا ينساها بدءا من 23مارس1965 وصولا إلى 20فبراير 2011 مرورا بمحطات يونيو81 وديسمبر 90… وغيرها الكثير الذي يتغنى بها الشعب المغربي بفخر كبير، ويعلم هذا التاريخ غير الرسمي لأبنائه كما يعلم لغتة الأم.                                                                                    ∗باحث في العلوم الاجتماع

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة