النظام الحمائي والتعويض البصري في «ثقافة الصحراء»

النظام الحمائي والتعويض البصري في «ثقافة الصحراء»

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الثلاثاء 07 أكتوبر 2014 م على الساعة 18:04

  يحمل مفهوم الصحراء مدلولات النقص والاستزادة. نقص ذو اكتفاء ذاتي معنوي ومكاني. تُحرك الاستزادة عواملُ الحاجة والرغبة، الجوع إلى الارتباط بالأشياء، محاكاة للفضاء المترامي ذي الامتداد الانسيابي غير المجزإ. مثلاً، الصحراء تشكيلياً، فضاء يفتقر إلى الشواهد والخطوط والأجسام على الأقل ظاهرياً مقارنة بالمدينة، لكن في الواقع المستمِد قوته من الرموز والطقوس، لا تضاهي الصحراء المدينة تشكيلياً فحسب، بل تتفوّق عليها، بسبب احتضانها الرموز. لا تتطابق المفاهيم مكانياً ورمزياً في أي مكان آخر، مثلما هي في الصحراء. حتى المقابر لا تعبّر تماماً عن الموت والفقدان، إلاّ في مجتمع التعابير والرموز.   يستشهد الباحث والناقد المغربي إبراهيم الحيسن، في كتابه: «ثقافة الصحراء: الحياة وطقوس العبور عند مجتمع البيضان»، بمقولة الباحثة صوفي كاراتيني: «علم الزمان في الصحراء هو وليد ملاحظة الكواكب؛ كوكب النهار الشمس، وكواكب الليل القمر والنجوم، وهذه الاعتقادات تعود إلى المقولات والاعتقادات القديمة عند العرب في مجال علم الفلك». وهكذا، يتجلّى المكان كما الطقوس، تبعاً لهذا التقسيم الليلي والنهاري، معطىً ثقافياً واجتماعياً، من طقوس الولادة والموت والشعائر الدينية. كلّ هذا، يستمد قيمته بوصفه تكويناً ثقافياً ونفسياً، من الصعب معاكسته والسير ضده. أي ثقافة الوصية التي يجب أن تُنفذ. تُجبر الحاجة اليومية، متمثلة بعوامل الامتلاء والتفريغ، أن يمارس المجتمع الصحراوي الأشكال والرموز تعويضاً للمفقود البصري. تطلق أسماء أعضاء الجسد؛ البطن والنهد والفخذ والورك على طلعات التلال، وقمم الكثبان الرملية، مقاربة لحاجة الشكل الصريح السائد في المدينة. طريقة تمييز القبور، لها معنى رمزي بدلالة شكلية. يُعلَم قبر المرأة بثلاث حَجرات، عند الرأس والبطن والقدم وقبر الرجل باثنتين. يبدو أن البطن لها دلالة في عالم الصحراء، احتواء الخصب والمركزية – النَسب والسلطة.   يتتبع الكاتب الحياة في الصحراء مفسّراً طقوسها باتجاه الخاصية الثقافية. فالترحال، لا يعني التنقّل الجغرافي، بل المعرفي بين مفاهيم الرغبة والحاجة والتعويض. تلك، التي اشتغل عليها دولوز وبلانشو في ترحيل المفاهيم والكلام من حالة إلى أخرى تُشبه النزوح والهجرة في الصحراء.   الصحراء، مكاناً ومفهوماً، ملتصقة بالثقافة، حاضرة بقوّة في المراسيم والرموز، إذ يُعتبر المجتمع الصحراوي، طقوسياً بامتياز. والطقوس هي رغبة عبور، لجهة التمثيل أو المعنى: مراسيم الدفن عبور إلى حياة أخرى، وطقس اللعب تجمهر شكلي ذو غاية اجتماعية. كما يرافق العبور التمثيلي الشكلاني، عبور ثقافي من ناحية المعاني والرموز. كلّ وجود حيّ، لا يظهر ولا يتطوّر إلاّ بالطقوس والرموز. هي ما يميّز المجتمعات، أكانت صحراوية أم جبلية ومدينية، فالطقوس والتجمعات والاستعراضات من صفات الوجود، حتى في مجتمع الحيوان.   القبيلة في المجتمع الصحراوي «تضامن ميكانيكي ينشأ من رغبة الفرد بالتواصل والعشرة مع أرحامه». السلطة في المجتمع الصحراوي مركبة وتراتبية «سلطة القبيلة… قبيلة السلطة». هي تبادل أدوار وحاجات بين الفرد والقبيلة «ما تحقّقه القبيلة للفرد ليس أمراً بسيطاً، حيث إنه الحياة نفسها، ففي مثل تلك الحالات التي تقتضي طبيعة الحياة فيها النظام القبلي، لا يتسنى للإنسان العيش خارج القبيلة، وعليه فهو مضطر للارتباط بمن له بهم صلة ونسب، وهو بالتالي مضطر من أجل حفظ حياته وماله، أن يحافظ على نظام القبيلة وقيمها». في نظام حمائي يقوم على النسب، غير نظام المؤسسات في الدولة. إذ تحلّ القرابة مكان المؤسسة وبالتالي عوض القوانين ذاتها.   يعتمد المؤلف خبرته كفنان وناقد تشكيلي في تصنيف أقسام كتابه، التي تهتم بالأشكال: الفكر الميثولوجي بالصحراء، الرقى والتعاويذ، الموت وشعائر الدفن، ملحق الصور والأيقونات وهلمّ جرا، كما يسترشد برأي ابن خلدون في توصيف المجتمع البيضاني/الحساني: «بنو حسان، مجموعات قبلية من عرب المعقل، عاشت فترة مدّ وجزرٍ إبان العصور الوسطى المضطربة في الشمال الأفريقي، وبسطت نفوذها على كامل الجنوب المغربي والجزائري، وتمدّدت إلى صحراء موريتانيا

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة