ثورة أم عبث؟

ثورة أم عبث؟

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الثلاثاء 07 أكتوبر 2014 م على الساعة 18:05

هي ثورة بلا شك. احتفلنا بعيدها الثاني الأسبوعين الماضيين. وبالمقارنة بما حدث في ليبيا وما يحدث في سوريا، تكاليفها أقل بالرغم من أن المسؤولين عن قتل المتظاهرين الألف مازالوا مطلقي السراح. انضم إليها الجيش كما حدث في تونس مما جعل الجيش والشعب في مواجهة الرئيس وحزبه ونظامه وشلته وجماعته. وقد أدرك الرئيس المخلوع ذلك ببداهته، فأسرع بالاستقالة. لم يكف تعيين نائبا للرئيس، توفي بعد ذلك بأشهر، وقد كان مطلبا شعبيا سابقا على الثورة. ولم يكف تغيير رئيس الوزراء.  فالقضية ليست في ذيل الحية، بل في رأسها، وكان لابد من التنازل عن العرش. تنازل إلى القوات المسلحة وهو منها حتى يطمئن إلى استمرار السلطة. وكانت العادة في الثورات التنازل عن العرش للشعب، وترك الشعب اختيار من يريد بإرادته الحرة، وترك مصيره في يد الشعب يقرر ما يريد. وقد أدرك الرئيس المخلوع ذلك، فأسرع بالاستقالة ومغادرة العاصمة منفردا على شرم الشيخ، بعيدا عن صخب السياسة على أن تلحق به أسرته بعد ذلك. فإنقاذ النفس قبل إنقاذ الغير. وكان من الطبيعي، بعد أن تنجح الثورتان في تونس ومصر، أن يبدأ التعثر فى الداخل. في مصر، بدأ بالاستفتاء على الإعلان الدستوري الذي شق البلاد نصفين: ثلثين «نعم» وثلث «لا»، دون حوار موضوعي بين التيارين لتقليل الهوة بينهما، بل اكتفيا بإحساس فريق بالانتصار وآخر بالمرارة والهزيمة. ثم دخلت البلاد في جدل حام حول الدستور أولاً، أم الانتخابات البرلمانية أولاً. ولكل فريق حججه وأنصاره. وكانت الانتخابات البرلمانية أولاً، ونجح فيها تيار بعينه أيضا بنسبة الثلثين فوثق بنفسه أكثر بعد نجاحه في الاستفتاء، ثم تم انتخاب اللجنة التأسيسية لوضع الدستور، وكانت الأغلبية أيضا للتيار نفسه وهو ما يتعارض مع الدستور التوافقي الذي يمثّل جميع القوى السياسية في البلاد.  فالدستور الذي يبقى عقودا من الزمان غير الحكومة التي قد تستمر شهورا قبل أن تتغير. فالحكومة تعبير عن سياسة. أما الدستور، فإنه تعبير عن روح الأمة. وبدأت معارك الدستور: وبدأ شق البلاد نصفين. ونسي كلاهما الوطن وإن تعددت رؤاه. وبدأت الرئاسة تهتز منذ البداية: أنها كانت بديلا محتملا إذا ما رفضت الرئاسة الأولى، أنها لا تمثل كاريزما سياسية تستطيع أن تستولي على قلوب الناس كما تعودوا في الخمسينيات والستينيات. تصدر قرارات رئاسية ثم تتراجع عنها أمام اعتراض القضاء. تصدر أحكام طوارئ في محافظات القناة الثلاث ثم تتراجع عنها بأسلوب سلس أمام اعتراضات الشعب ونشاطه الليلي الطبيعي. ثم عمت المظاهرات جميع المحافظات ووصلت إلى أسوار القصور، رمز الرئاسة وعنوان الهيبة، حتى الاتحادية التي لا يعرف الكثير مكانها مثل قصري عابدين والقبة قُذفت بقنابل المولوتوف داخل الأسوار واحترقت الأشجار بالداخل. كل فريق يريد أن يزيح الفريق الآخر عن السلطة وأن يحل محله. وهي معركة بين خصمين لا دخل للشعب بها. والشعب يريد الخبز أول الشعارات الأربعة: الخبز والحرية والعدالة والكرامة الإنسانية. يشعر الناس الآن بالإحباط والضياع واليأس ويتساءلون: أين الثورة؟ أين أهدافها؟ وما هدف المظاهرات التي تريق الدماء أحيانا، وكلها دماء مصرية تحتاج إلى الخبز سواء من الشرطة أو من المتظاهرين؟ هل المظاهرات غاية في ذاتها، من أجل المظاهرات، عادة مليونية كل يوم جمعة لإظهار مدى قوة المعارضة وقرب سقوط النظام. إن تركها النظام ضاعت هيبته، وإن اصطدم بها لم يفترق عن رجال الأمن السابقين وشرطة النظام السابق. لم تحدث ثورة، بل استبدال نظام أمني بنظام أمني آخر.  ورجال الشرطة هم رجال الشرطة، ورجال الأمن هم رجال الأمن لم يتغير رجال وزارة الداخلية ولا جهاز أمن الدولة. سقط الرئيس ولم تسقط أجهزته الأمنية التي حرص النظام الجديد على الإبقاء عليها، وعدم محاكمتها حتى يستعملها حين اللزوم، وإلا فقد تنقلب عليه. وماذا في الدولة إلا الشرطة والجيش أي الدولة الأمنية التي لم تتغير. ويعم اليأس الناس. ويعودون بالذاكرة سنتين إلى الوراء، هل قاموا بثورة لها أهداف في الخبز والحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، أم قام الشباب بثورة كي يقتطف ثمرتها الشيوخ من وفد وناصريين وإسلاميين واشتراكيين ليتصارعوا فيها على السلطة، وفى هذا الجو الصاخب يعود الفلول للانتقام من الثورة وإنهاكها وإضعافها. ويضعوا أيديهم سراً أو علانية، عن وعي أو لاوعي، في أيدي الإسلاميين لإسقاط النظام الثوري الجديد الذي أحضر الإسلاميين بانتخابات حرة ونزيهة.  أراد أعداء الثورة في الماضي والحاضر التخلص منها بإيقاعها في عبث يسأم منه الناس، ويحنون إلى النظام السابق أو يستسلمون للنظام الجديد أو يثورون عليه، ثورة على الثورة. فالجميع غاضب، النظام القديم والنظام الجديد بشقيه المتخاصمين. لم تعد الثورة تدري إلى أين هى ذاهبة إن بقي منها شيء يتحرك. ولو أتى التيار الثوري بفرقه الثلاث «ناصريين وليبراليين واشتراكيين»، هل كان يستطيع أن يفعل أكثر مما يتم فعله الآن من الإسلاميين؟ أليس الذين في الحكم اليوم، فريقاً من الثوار، بصرف النظر عن متى اشتركوا في الثورة، في البداية أم في الوسط أم في النهاية؟ قد تأتي ثورة الجياع للخلاص من هذا العبث باسم الثورة، ثورة الجياع بعد ثورة الشباب، ثورة النجوع بعد ثورة المدن، الثورة المستمرة وليس الثورة المغدورة

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة