الأوضاع في مالي ومستقبل المغرب | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

الأوضاع في مالي ومستقبل المغرب

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الثلاثاء 07 أكتوبر 2014 م على الساعة 18:05

في عصر تكنولوجيا الاتصال قفزت الأحداث في مالي إلى الواجهة في اهتمامات وسائل الإعلام العالمية. خلال السنة الماضية و في بداية العام الجديد عرفت مالي سيلا من الأحداث المتلاحقة. انقلاب عسكري أجهض الديمقراطية الوليدة، انفصال الشمال وإعلان دولة « أزواد »، سيطرة تدريجية لجماعات متطرفة، تدخل عسكري فرنسي عاجل لوقف تقدم الجماعات المسلحة، قيام مسلحين قادمين من مالي بالسيطرة على مركب الغاز في الجزائر، زيارة الرئيس الفرنسي…رغم توالي الأحداث التي جعلت هذا البلد الإفريقي يتصدر الأخبار في المنطقة والعالم، تبقى مالي شأنا بعيدا عن هموم الرأي العام في المغرب ولا تحظى رسميا إلا باهتمام محتشم. هذا الموقف الخجول لا يناسب أبدا حجم الارتباط الوثيق بين المغرب ومالي الذي يمليه التاريخ والجغرافيا والسياسة والمصالح المشتركة. مالي تحتضن مدينة تمبكتو التي تعتبر من أعرق مدن إفريقيا والعالم. تمبكتو ملتقى فريد من نوعه للثقافات والحضارات جمعت ما بين الإفريقي والإسلامي والأمازيغي، كما أن سكانها خليط بين العرب والطوارق الأمازيغ والقبائل الإفريقية. هذه المدينة العريقة كانت عاصمة للعلم والتجارة خلال قرون طويلة. في القرن السادس عشر كانت تمبكتو المدينة الجامعية الأولى في العالم وبلغ عدد الطلبة خمسا وعشرين ألفا. كما اشتهرت المدينة بموقعها الاقتصادي كملتقى للقوافل التجارية بين شمال إفريقيا وغربها وجنوبها. المغرب احتفظ خلال قرون بعلاقات وثيقة مع تمبكتو، وهي علاقات إنسانية وتجارية وسياسية، حتى أن تمبكتو خضعت لحكم المغرب في عهد الدولة السعدية. في الزمن الذي كان التنقل فيه مغامرة شديدة المشقة وإمكانيات التواصل بين الناس محدودة جدا، كان المغرب – الرسمي والشعبي – يربط علاقات سياسية واقتصادية قوية مع مالي، بينما في عصر السرعة والتكنولوجيا التي قربت المسافات ويسرت التواصل تتواضع طموحاتنا إزاء مالي وإفريقيا عموما إلى المستوى الذي نكاد نرضى فيه بموقف المتفرج على الأحداث. إذا كان الحرص على رعاية الإرث التاريخي الذي يجمعنا بمالي والمنطقة لا يكفي لمراجعة المواقف، فالمصالح الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية للمغرب تفرض التحرك بسرعة واتخاذ مبادرات جدية. مالي تعيش منذ عشرين عاما في ظل نظام « ديمقراطي » كان يُقدم كنموذج في إفريقيا، لكن الأمور آلت في الأخير إلى انقلاب عسكري وتفكك الدولة. الديمقراطية في مالي شكلية بوجود أحزاب وتعددية وانتخابات ومؤسسات، لكنها فارغة المضمون في غياب نخبة قادرة على أداء دورها في تدبير المصلحة العامة بكفاءة واقتدار وتوجيه البلد نحو الاستقرار والتنمية. الأوضاع في مالي استفحلت وأدت في نهاية « المسار الديمقراطي » إلى عواقب وخيمة. أولها الانقلاب العسكري، ثم تلاه انفصال الشمال وهجوم الجماعات المسلحة التي تنشط في المنطقة، حتى بات مستقبل مالي كدولة في مهب الريح. إعلان دولة أزواد من قبل الطوارق في شمال مالي خطوة بالغة الخطورة لمالي وللمنطقة كلها. إذا سُمح بهذه الخطوة، فسيفتح ذلك الباب لقضية شبيهة بالقضية الكردية التي تقض مضاجع كل الدول التي يتواجد بها الأكراد (تركيا، العراق، إيران، سوريا). غير أن قضية الطوارق أخطر لأنها تحمل في طياتها مشاكل أخرى. دولة أزواد ستخلق من لا شيء قضية جديدة هي قضية الطوارق الموزعين بين دول المنطقة، لكن بما أن الطوارق أمازيغ فهذا سيوحي لبعض التيارات الأمازيغية في المنطقة بأفكار سيئة. هذه القضايا المتشابكة قد تمس مصالح المغرب خصوصا وأن الدولة الجديدة في شمال مالي قد تأجج النزعات الانفصالية في الصحراء. انهيار دولة مالي سيستفيد منه تجار المخدرات والجماعات المسلحة في الصحراء الكبرى، كما سيفاقم مشاكل التطرف والهجرة غير الشرعية. حادثة الهجوم واحتجاز الرهائن الأخيرة على مركب الغاز في عين أمناس في قلب الصحراء الجزائرية نموذج مصغر للأخطار التي تحدق بالمنطقة. مالي تحتاج إلى الدعم للحفاظ أولا على وحدة أراضيها ومنع كل محاولات التقسيم. كما يجب أن يعود الجيش المالي إلى ثكناته وألا يتدخل في الحكم لا من قريب ولا من بعيد، فالنظام الديمقراطي رغم علاته أفضل من المغامرات الانقلابية. لكن الدرس الأهم بعد استعادة شرعية الدولة هو ضرورة فرض خطة تنمية حقيقية بمشاركة إقليمية ودولية. دعم التعليم والصحة والاستثمار وكافة القطاعات الحيوية هو الضمانة الحقيقية لاستقرار مالي والمنطقة. في هذا المجال بالذات يمكن للمغرب أن يقدم مساهمة جدية. ما المانع في أن تبادر الحكومة إلى اتخاذ إجراءات عملية لتشجيع شركات مغربية في الاستثمار في مالي وفي بلدان افريقية مماثلة؟ الأبناك وشركات الاتصال والشركات العقارية وغيرها يمكن أن تسهم في مشاريع تعود بالفائدة على مالي وعلى الاقتصاد المغربي. يقال أنه في عهد السعديين كان يوجد بمراكش 1800 عامل مغربي يعملون في صياغة الذهب المستورد من تمبكتو! الوضع في مالي مناسبة أخرى كي تعيد دول المنطقة حساباتها، سواء على المستوى الداخلي حول أهمية إقرار ديمقراطية قوية و تحقيق التنمية كشرط رئيسي للاستقرار والتقدم، أو على المستوى الخارجي بتجاوز الخلافات المزمنة وتعزيز العلاقات في ما بينها بتعاون واسع ومتعدد الأشكال يكفل لها مواجهة التحديات المشتركة.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة