حكومة نسائية أم تأنيث المخزن؟

حكومة نسائية أم تأنيث المخزن؟

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الثلاثاء 07 أكتوبر 2014 م على الساعة 18:05

بعد أن تلقوا الخبر كالصاعقة من وسائل الإعلام، تهافتت بعض الجمعيات النسائية على انتقاد بنكيران لأنه لم يحترم الدستور، وقالت أن ذلك أول مؤشر خطير لعدم احترام مبدأ المساواة المنصوص عليه في الفصل التاسع عشر من دستور الفاتح من يوليوز :  »امرأة وحيدة بين لائحة الأسماء المشكلة للحكومة الجديدة.. يا له من تراجع خطير؟؟ الإسلاميون لا يحترمون قدرات النساء.. ».   كان حينها النقاش حامي الوطيس، وبدأت التصريحات النسائية النارية تملئ كل الجرائد .. وأجاب السيد الرئيس ببرودة دم :  » إن بسيمة الحقاوي  »عضو » بحزب العدالة والتنمية.. والخطأ يكمن في أحزاب الأغلبية التي لم تقدم اسما نسائيا ضمن لائحة الوزراء »، ثم خرج منها بنكيران كما يخرج  »فيل ضخم من ثقب إبرة ».   لا أعتقد أن هذا النقاش، الذي كنتُ قد تتبعته عن كثب، كان صحيحا بالمرة، لأني كنت دائما أطرح أسئلة جوهرية تقلقني: هل النساء تبحثن عن تأنيث الديكتاتورية والقمع وتأنيث الفساد والاستبداد؟ هل يكفي أن تكون حكومتنا نسائية كي يكون المجتمع عادلا اتجاه القضية النسائية في المغرب؟ هل يكفي أن تصبح لنا وزيرة للداخلية أو رئيسة للحكومة كي نقول أن المغرب بخير وأن وضعية النساء ببلدنا ستصبح أفضل؟ …   عندما نقوم بمحاولة فهم أهداف انتقادات بعض الناشطات في مجال المساواة بالمغرب للممارسة الفعلية للفصل التاسع عشر على مستوى التمثيلية النسائية بالحكومة والبرلمان ولا تناقشن بعده المجتمعي، فإننا نجد أغلبهن، بوعي أو غير وعي، تقدمن طرحا مغلوطا لمبدأ المساواة في القرار والسلطة، إنهن لا تناقشن مضمون البرامج الحكومية بقدر ما يتم الاهتمام بالشكل، أي أن تكون لنا حكومة تحترم التواجد النسائي في دائرة القرار-أيا كانت طبيعة هذا القرار- بالمعنى الذي يكون فيه المخزن أنثويا، والقمع أنثويا… هذه المقاربات البعيدة عن النقاش الحقيقي للقضية النسائية بالمغرب لا توجه سهامها لطبيعة النظام الذي يحتفظ بمضمون رجعي محافظ وغير ديمقراطي حتى لو كان الشكل نسائيا. فيصبح الهم الوحيد لهذه الناشطات هو التمثيلية النسائية داخل منظومة مستبدة وفاسدة، وأن تصبح لنا مسئولات داخل دواليب السلطة يمارسن التهميش والتفقير والقمع كما يمارسها أي رجل في مركز القرار.. هذه المقاربة العقيمة لن تقدم أي جديد للقضية النسائية بالمغرب بل ستعيد إنتاج نفس الوضع الكارثي بأظافر أنثوية، أولا لأننا نعتقد أنها لا تختلف عن ما كنا ننتقده داخل بعض التيارات الأمازيغية التي تطالب بأن يكون الدستور مكتوبا بالأمازيغية مهما كانت مضامينه أو شكل صياغته، وثانيا لأن المقاربات التي يشتغل بها النظام السياسي في هذا البلد لا تعير اهتماما لجنس المسؤول السياسي رجلا كان أو امرأة، بل أن يكون/تكون قابلا/ة لتنفيذ المشروع السياسي للنظام الحاكم.   أتساءل مع من كان ينتقد حكومة بنكيران لأنها تحوي امرأة وحيدة داخلها.. ماذا لو أصبحت كل حكومتنا نسائية؟ هل هذا كفيل بأن ينهي إشكالية العنف الذي يمارس على النساء في الحجرات الضيقة وعلى الرصيف، وفوق السرير؟ هل هذا كاف بأن تُحترم المرأة من طرف رجل يتلقى منذ صغره أوسمة جزاء على العنف الذي يمارسه في الخفاء والعلن، هل سيصبح لنا قضاء مستقل بمجرد أن تكون لنا وزيرة عدل؟ هل سيتوقف العنف الممارس على المتظاهرات في الشارع لمجرد أن تصبح لنا وزيرة للداخلية؟ وهل ستوظف كل النساء المعطلات بمجرد أن تصبح لنا وزيرة للتشغيل؟ الجواب أوسع من أن يكون بين تفاصيل هذه المقاربة النسائية الضيقة…   إن المدخل الأساسي لحل إشكالات القضايا النسائية بالمغرب، بعيد جدا عن ما يمكن أن نصفه  »بالتمثيلية النسائية داخل الحكومة »، لأننا يمكن أن نصبح أمام حكومة نسوية صرفة على مستوى الشكل، لكنها لا ترقى إلى مستوى الإجابة الفعلية على قضايا التهميش والفقر والعنف الذي يمارس على النساء بالمغرب، بل ستعيد تكرار الوهم الذكوري بصيغة أنثوية، وتعيد إنتاج نفس الثقافة الباطريركية بقفازات نسائية.. لأن الخلل يكمن في طبيعة النظام ككل.   الفهم الحقيقي لمطالب النساء ينطلق أولا من تفكيك الثقافة الذكورية المتوغلة في جميع أجهزة التنشئة الاجتماعية – المدرسة، وسائل الإعلام، الشارع، الأسرة…-، والمؤسسات الساهرة على الإنتاج الأيدلوجي المتحكم فيها من طرف الدولة، ومساءلة الدولة ذاتها، عبر المرافعة من أجل إعادة بناء وتأهيل هذه المؤسسات لإنتاج قيم مجتمعية قائمة على احترام المرأة على أساس أدوارها الاجتماعية التي تتقاسمها والرجل، وليس على أساس أدوارها الطبيعية –الولادة والرضاعة-، وذلك يصبح عملا جوهريا متلازما مع المطالبة بالعدالة الاجتماعية ونظام ديمقراطي تسود فيه مبادئ الكرامة واحترام حقوق النساء وليس بتأنيث الحكومة وتأنيث المخزن. وهذا لن يتأتى إلا بالنضال من أجل دستور ونظام ديمقراطيين يضمنان الكرامة الوطنية والعدالة الاجتماعية.   فهل يكفي أن تكون لنا حكومة نسائية تضم نساء من أحزاب ضعيفة على مستوى الخطاب الثقافي، ولا تهتم إلا برفع أصدتها البنكية، بل لا تعير اهتماما لنساء القرى البعيدة إلا من خلال الحملات الانتخابية؟ أم ذلك سيزيد الهوة بين نساء الحكم ونساء الشعب، أليس ذلك مشهد أخر من الاستغلال الذي تمارسه النساء على النساء؟ هل يكفي أن تكون لنا حكومة نسائية تنتمي أغلبهن لأحزاب أنعشت في براثين الفساد والاستبداد وتشعبن بثقافة لا يمكن إلا أن تضاعف هم النساء المغربيات، هل بمجرد أن تحكمنا امرأة في وضع نضام مثل هذا، سنتخلص من التهميش والفقر والأمية.   أعتقد أن حل الإشكالات المهمة المتعلقة بالقضايا النسائية بالمغرب، يحتاج إلى إعادة بناء الخطاب النسائي أولا، ثم تدقيق مفهوم المساواة ثانيا، وهذا الأمر يمر عبر تغيير العقليات حتى داخل بعض الجمعيات النسائية ذاتها وتغيير المناهج وتمكين النساء عبر نظام تعليمي لا يكرس الدونية، وكذا بالولوج إلى العمل، وتأهيل الرجل/الذكر لفهم المعاني الحقيقية لمسألة المساواة، وتعزيز انخراطه في الدفاع عن الحقوق النسائية.   إن الصراع من أجل المساواة الفعلية للنساء لا يمكن أن يحسم إلا من خلال فتح ثلاث جبهات للصراع، تبدأ أولا بالنضال ضد الثقافة الذكورية وليس ضد الذكر، ثم النضال من أجل نظام ديمقراطي حقيقي، وثالثا النضال ضد هيمنة النساء على النساء أنفسهن.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة