في زمن الأزمات

في زمن الأزمات

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الثلاثاء 07 أكتوبر 2014 م على الساعة 18:10

ثلاث أشهر فقط بعد بداية تنفيذ القانون المالي لسنة 2013 قررت الحكومة تعليق تنفيذ 15 مليار درهم من الاعتمادات المرصودة للاستثمار في الميزانية العامة. رغم أن الخبر ورد في شهر أبريل وهو لغرابته أشبه ما يكون بكذبة أبريل، إلا أن الخبر صحيح ومؤكد. القرار الذي اضطرت الحكومة إلى اتخاذه ليس بتلك الدرجة من الغرابة لو نظرنا إلى المؤشرات المتوالية التي سبقته. من رفع أسعار البنزين في الصيف الماضي، إلى تراجع احتياطي العملة الصعبة لدى بنك المغرب، إلى تدهور النشاط العقاري بنسبة تتراوح ما بين 20 و 25%… في الوقت الذي تضاعف العجز الاقتصادي بشتى أنواعه، من عجز ميزان الأداءات (ارتفاع الواردات مقابل تراجع الصادرات)، إلى استمرار عجز الميزانية العامة (تضخم النفقات وتراجع إيرادات خزينة الدولة)، إلى استفحال عجز صندوق المقاصة. المؤشرات المقلقة تتزايد وهي تشير إلى أن الاقتصاد المغربي يجتاز أزمة حقيقية، رغم أن الموسم الفلاحي يبقى الأمل الوحيد لأنه قد يسعف في إنقاذ بعض ما يمكن إنقاده. القول بأنه « قد يسعف » دون جزم في الأمر أقرب إلى الصواب، لأنه أولا سابق لأوانه معرفة الحصيلة الحقيقية للإنتاج الفلاحي هذا العام، وثانيا لأن المغرب – الذي لا يحقق الاكتفاء الذاتي – لا يمكن اعتباره بلدا فلاحيا إلا « مجازا »، لذلك فمن الصعب أن يغطي مردود القطاع الفلاحي ما ضاع في الصناعة والعقار والسياحة والقطاعات الأخرى. ما يزيد أزمة الاقتصاد المغربي قتامة أن شركاؤه الرئيسيون يغوصون بدورهم في أزمة اقتصادية سيئة. فرنسا تعاني من تراجع اقتصادي مقلق حتى أن وعود الرئيس فرانسوا هولاند خلال الحملة الانتخابية ذهبت أدراج الرياح، وذهبت معها شعبيته التي تدنت إلى مستوى لا سابق له. الوعود السخية حول خفض عجز الميزانية العامة، وتطوير الإنتاج، ومحاربة البطالة تكذبها اليوم أرقام معاكسة تماما. اسبانيا، وهي الشريك الرئيسي الآخر للمغرب يعيش أوضاعا بالغة الصعوبة، حتى أن آخر الأرقام تشير إلى بلوغ البطالة نسبة قياسية هي 27%، وتصل هذه النسبة إلى 55% لدى الشباب. ما دفع الكثير من هؤلاء الشباب إلى « الفرار » من اسبانيا والهجرة إلى أي وجهة بحثا عن فرص عمل، منهم من ذهب إلى ألمانيا أو بلدان أوروبية أخرى، ومنهم من توجه إلى أمريكا اللاتينية، ومنهم من انتقل إلى المغرب. ما تعانيه فرنسا واسبانيا بعض مما يعانيه الاتحاد الأوروبي الذي تزيد متاعبه يوما بعد يوم. من كان يصدق بأن بلدا عضو في الاتحاد الأوروبي كقبرص عاش لزمن في بحبوحة تحت رعاية اقتصاديات كبرى سيتعرض يوما لخطر الإفلاس وتلجأ حكومته إلى « السطو » على الودائع البنكية دون سابق إنذار؟ لكنها « الأزمة » التي تصنع اليوم ما كان مستحيلا بالأمس. المغرب يواجه أزمة اقتصادية جدية قد تتحول إلى أزمة أكثر من اقتصادية وأكثر من جدية. الأزمة أمر سيئ، لكن الأسوأ هو التقاعس في مواجهتها. ما يبعث على القلق أن النخبة السياسية المغربية تبدو غير واعية بحساسية الوضع، فهي منشغلة بالصراعات الهامشية والمشاكسات وتبادل الاتهامات. الحكومة من جهتها تشتغل ببطء وأداؤها باهت وضعيف. لا نحتاج إلى إعادة اختراع العجلة، إنما نحتاج لبعض الجدية كي نستلهم بذكاء ما قام به الآخرون. المغرب ليس له من بديل سوى تحقيق النمو بمعدلات قياسية كما تفعل الصين منذ سنوات، حتى أنها في عز الأزمة الاقتصادية العالمية تحقق الصين نسبة نمو تعادل 8 %. أليس معجزة أن يحافظ بلد يسكنه مليار وثلاث مليون مائة نسمة على استقراره بينما تتشظى دول أصغر منه بكثير؟ سر نجاح الصين يكمن في نموذجها الاقتصادي الذي ركز على الاستثمار والتصنيع و إقامة الأوراش الكبرى، ما جعلها تحقق نموا اقتصاديا مطردا. النمو الاقتصادي يؤدي إلى إنتاج الثروة وتراكمها، ليمكن بعد ذلك قسمتها. لذا فالتحدي الحقيقي في المجال الاقتصادي الذي يواجهه المغرب هو وضع خطة لإنتاج الثروة. دور الحكومة ليس أن تكون حكومة نوايا حسنة بل دورها هو تعبئة الطاقات الحية في البلد لوضع برامج تنموية شاملة تغير وجه المغرب وتبعد عنه شبح الأزمة ومخاطرها. كما أن دور المعارضة – التي تطرح نفسها كبديل للحكومة – ليس هو الصراخ والشغب، بل انتاج أفكار ووضع خطط بديلة وجدية. شركاؤنا الأوروبيين يعيشون أزمة اقتصادية، ليُطرح السؤال المشروع حول أسبابها. التفسير الرائج يحصر الأسباب في أمور اقتصادية وسياسية،غير أن الأرجح أن المكونات الثقافية والأخلاقية للإنسان هي التي تصلح أو تفسد الاقتصاد والسياسة وكل شيء. لذلك فالأوروبيين مستعدون لمراجعة المعطيات السياسية والاقتصادية لكنهم يتهربون من مراجعة منظومة الثقافة والقيم، وربما يكون ذلك سبب عجزهم عن تدارك الوضع. هذا التأويل يسري أيضا على المغرب الذي تخفي أزمته الاقتصادية أزمات من نوع آخر.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة