شفافية اللوائح

شفافية اللوائح

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الثلاثاء 07 أكتوبر 2014 م على الساعة 18:10

بادرت الحكومة الجديدة في سابقة من نوعها في مجال تدبير الشأن العام بابتداع ما يمكن تسميته ب »شفافية اللوائح »، وذلك بنشر لوائح المستفيدين من بعض الامتيازات كرخص النقل والسكن الوظيفي لوزارة التعليم، والبقية قد تأتي ربما. الوزارات المعنية قدمت الإجراء على أنه يترجم عزم الحكومة على إضفاء الشفافية في تسيير الشأن العام وضمان حق المواطن في الوصول إلى المعلومة. الغريب أن الوزارات المعنية لم تنتبه إلى أن الإجراء في حد ذاته خرق صريح للقانون، وأن من أمر بنشر اللوائح يعرض نفسه للمساءلة القانونية. قرار نشر اللوائح يخرق بشكل واضح مقتضيات القانون 08-09 الخاص بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي. المادة الثالثة من الفرع الثاني الخاص ب « نوعية المعطيات والرضى المسبق للشخص المعني » من القانون 08-09 تنص على أنه: « يجب أن تكون المعطيات ذات الطابع الشخصي: معالجة بطريقة نزيهة ومشروعة؛ مجمعة لغايات محددة ومعلنة ومشروعة وألا تعالج لاحقا بطريقة تتنافى مع تلك الغايات… ». وإذا أصرت الجهات المعنية على قرارها بالنشر كان أولى بها أن تتقدم بطلب إذن من اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي التي يخولها القانون صلاحية قبول الطلب أو رده. مهما كانت الدوافع نبيلة فإنها لا يمكن أن تبرر خرق المقتضيات القانونية خصوصا من جهات مسؤولة يفترض فيه أن تقدم المثل في الامتثال للقانون. إذا كان الجانب القانوني لقرار نشر اللوائح غير مطمئن فإن الجانب العملي للقرار ليس أحسن حالا. نُشرت لوائح المستفيدين من رخص النقل، والمستفيدين من السكن الوظيفي لوزارة التعليم، ولوائح بعض الموظفين الذين قيل عن حق أو عن باطل أنهم « أشباح ». ثم ماذا بعد؟ إذا كانت الغاية هي الشفافية فالقرار شكلي ورمزي، لأنه محدود الأثر وقليل الفائدة. وزير التعليم راعه وجود حفنة من الموظفين من ذوي الوضعية الإدارية الملتبسة، فعمد لحل القضية إلى التشهير بهم. لكن الوزير نفسه لم يلتفت إلى ما ينتجه النظام التعليمي بجيوش من الموظفين والمدرسين. يدرك الجميع مآسي التعليم في المغرب، ومستوى الخريجين المتواضع، وحظوظ اندماجهم في مجال العمل والنجاح في الحياة الخاصة. التدبير الشفاف لقطاع التعليم هو أن يقدم الوزير مؤشرات تكشف بشكل واضح ما ينتجه النظام التعليمي وكم يكلف من أموال لخزينة الدولة. مثلا وضع خريطة تكشف مستوى التلاميذ التعليمي في كل أكاديمية ومؤسسة تربوية، ومقارنة مستوى الخريجين في المدرسة المغربية بالمعايير الدولية، وعدد الأطفال الملتحقين بالمدرسة في كل رقعة من المغرب، وعدد الذين يغادرون الصفوف الدراسية، وكشف تفصيلي لكلفة النظام التعليمي، وحجم الموارد البشرية، الخ. على أن يكون طبعا نشر لائحة المؤشرات دوريا بما يسمح للمواطن بتتبع مدى نجاح النظام التربوي أو تراجعه. تدبير النظام التعليمي بهذا الشكل الشفاف سيسمح بخلق تنافس إيجابي بين المؤسسات التعليمية، ويدفع العاملين بالقطاع إلى الحرص أكثر على أداء مهامهم، ويرفع من مستوى التعليم بما يؤهل الأجيال القادمة لغد أفضل. ما يقال عن وزارة التعليم يقال أيضاً في حق قطاعات أخرى التي لو حظيت حقاً بتدبير شفاف حقيقي – بعيد عن مجرد قرارات رمزية – لوفر المغرب إمكانيات هائلة تبدد في تدبير تقليدي غامض ومحدود الطموح. التدبير الشفاف للنظام القضائي مثلا يقتضي نشر لائحة مؤشرات تسمح بتقييم موضوعي لكل محكمة. ليس مفيدا أن يعرف كل مواطن ما « تنتجه » كل محكمة وكم تكلف؟ إن وضع قائمة مؤشرات لكل مؤسسة قضائية، كعدد القضايا، وعدد الأحكام، ومعدل المدة الزمنية للبث في القضايا، وعدد الشكايات، ومعدل كلفة الأحكام لميزانية الدولة، الخ، هي السبيل الأسلم إلى الشفافية التي ستدفع إلى مزيد من الجدية والمردودية في المحاكم، وتثير تنافس إيجابي بينها، وتصلح أحوال القضاء العليلة. أيضا، فالحكومة تجهد نفسها في البحث عن مخرج للأزمة المالية المتفاقمة، وتبحث يائسة عن أي نقطة ترفع بها قليلا معدل النمو، بينما يكفي جرعة من الشفافية في مجال التحفيظ العقاري كي تتحسن بشكل ملموس الأحوال الاقتصادية والاجتماعية للبلد. رغم التحسن الطفيف الذي جاء به التعديل الأخير لقانون التحفيظ فما زال تحفيظ العقارات عملية معقدة قد تطول سنين وسنين، ما يلحق بالبلد أضرارا اقتصادية واجتماعية يصعب تقدير حجمها الكارثي. ما المانع من ابتداع مصادر تحفيظ بسيطة وشفافة، وما المانع من أن تنشر المحافظة العقارية لائحة مؤشرات تسمح للحكومة وللمواطن بتقييم شفاف لقطاع التحفيظ العقاري محليا ووطنيا؟ دائماً في المجال الاقتصادي، وإثباتا لجدية خطاب تشجيع الاستثمارات، كان من الأجدى أن تنشر لائحة مؤشرات لكل مراكز الاستثمار الجهوي، لمعرفة مثلا عدد ملفات الاستثمار وطبيعتها وحجمها، ومعدل المدة الزمنية لمعالجة الملفات، وما أنجز من مشاريع، وأرقام أخرى تسمح بتبين مراكز الاستثمار النشيطة ومراكز الاستثمار الخاملة. الأمثلة أكثر من أن تحصى إذا كانت الغاية هي رفع عتمة الغموض والارتجال في زوايا الإدارة المغربية ودعم الشفافية خدمة لمستقبل البلد. وإذا كان الإصرار قائما على أن تأتي الشفافية في التدبير من نشر لوائح، فيما سبق من أمثلة أولى بالنشر مما نشر حتى اليوم.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة