هذا ما قاله الملك واغضب مرسي والأسد واردوغان وأثار زوبعة في المملكة الهاشمية | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

هذا ما قاله الملك واغضب مرسي والأسد واردوغان وأثار زوبعة في المملكة الهاشمية

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الخميس 21 مارس 2013 م على الساعة 9:13

بينما يدور الربيع العربي حوله، هل يستطيع الملك عبدالله الثاني، أكثر زعماء العرب في الشرق الوسط المؤيدين ﻷمريكا، أن «يلبرل» اﻷردن ويحدّث اقتصادها دون أن يفقد مملكته لصالح اﻹسلاميين اﻷصوليين؟ الحياة الناجحة لملك وسط الفوضى -جيفري غولدبرغ ما زال من الجيد في بعض المناسبات، أن تكون ملكاً ليس بالضرورة أن يكون جيداً أن تكون ملكاً لبلد شرق أوسطي يفتقر للنفط، وﻻ بالضرورة أن يكون رائعاً أن تكون ملكاً خلال اضطراب وعدم يقين الربيع العربي. وبالتأكيد ليس من الجيد ان تكون الملك عندما يبدأ الغموض الذي يلف عرشك بالتبخر. ولكن عندما يكون سرب من سمتيات البلاك هوك محجوزاً تحت تصرفك، وعندما تكون من نوع الملوك الذي يمكنه أن يتحرر من ضغط الملكية بقيادة تلك السمتيات في طول وعرض مملكتك المغطاة بالرمال، فإنه ما زال من الجيد ان تكون الملك. في أحد أيام الخريف الماضي، توجه عبدالله الثاني ابن الحسين، الملك الهاشمي الرابع للاردن، إلى مهبط طائرات قريب من مجمع المكتب الملكي في الحمّر في الطرف الغربي للعاصمة عمان. وخرج من مرسيدس مصفحة كان يقودها بنفسه بسرعة وكأنه مطارد، واندفع إلى إحدى سمتياته البلاك هوك. وتسلق الملك -الذي خدم كقائد في القوات الملكية الخاصة عندما كان أميراً شاباً- السمتية إلى مقعد الطيار، وتحدث للحظة مع طياره المساعد، وهو فرد موثوق من أفراد السرب الملكي، ثم أقلع، طائرا بنا باتجاه مدينة الكرك، الصعبة وغير السعيدة، والواقعة على بعد 80 ميلاً إلى جنوب عمان. سمتية بلاك هوك اخرى ملأى بالحراس أقلعت بعد لحظات. كان الملك يحلق بنفسه إلى الكرك، وهي واحدة من أفقر المدن في بلد فقير إلى حد مخيب للآمال، حيث كان الملك سيتناول الغداء مع قادة أكبر العشائر اﻷردنية التي تشكل العمود الفقري للنخبة العسكرية والسياسية في اﻷردن. أكثر من نصف اﻷردنيين هم من أصول فلسطينية، وتعود جذورهم إلى الضفة الغربية لنهر اﻷردن، ولكن قادة العشائر هم من الضفة الشرقية، وقد اعتمد الملوك الهاشميون على شرق اﻷردنيين ليدافعوا عن العرش منذ أن جاء الهاشميون من مكة أول مرة إلى ما كان وقتها يسمى عبر اﻷردن، وذلك قبل 100 عام تقريباً. وهذه العلاقة ذات نوعية باردة التعامل: في مقابل دعمهم القصر الملكي يتوقع قادة العشائر الشرقية من الهاشميين أن يحموا امتيازاتهم، وأن يحددوا نفوذ الفلسطينيين. وعندما ﻻ يكون الهاشميون منتبهين كفاية فإن المشاكل تظهر بشكل حتمي. وفي وقت أبكر في ذلك اليوم، وفي مكتبه الخاص في الحمر الذي يطل على الجوار الغني من عمان الغربية، أوضح الملك لي سبب الرحلة إلى الكرك: لقد كان يحاول أن يوضح ﻷولئك القادة العشائريين أهمية الديموقراطية التمثيلية، وذلك استباقاً للانتخابات في كانون الثاني. وقال إنه يريد أن يرى اﻷردنيين يبنون أحزاباً سياسية ﻻ تكون مجرد حماية أقارب، ولكن تطور أفكاراً من طيف أيديولوجي واسع، وهكذا تنشأ للأردن ثقافة سياسية ناضجة. وقال إنه يرغب في أن يرى الفلسطينيين ممثلين بنسبة أكبر في البرلمان، وأنه يريد أن يفعل كل ذلك، موضحاً، دون ان يسمح للإخوان المسلمين -وقد وصفهم بأنهم تكتل ماسوني يتحكم بأكبر منظمة سياسية في اﻷردن، جبهة العمل اﻹسلامي- باختطاف قضية اﻹصلاح الديموقراطي باسم اﻹسلام. وبكلمات أخرى فإن الملك يريد أن يجلب اﻹصلاح السياسي إلى اﻷردن وأن يتنازل عن بعض سلطاته للشعب، ولكن فقط للأشخاص الذين ينبغي أن يسلمهم ذلك. كان واضحاً بالنسبة لي أن الملك عبدالله كان يتطلع بشوق إلى التحليق بسمتيته، ولكن ليس بنفس الدرجة إلى اللقاء الذي كان ينتظره في الكرك. “اليوم سأجلس مع الديناصورات القديمة”. قال لي. الرجال الذين سيقابلهم، ومن بينهم رئيس وزراء سابق، كانوا من قادة حزب التيار الوطني الذي يحظى بدعم كثير من شرق اﻷردنيين من الجنوب، والذي من المؤكد تقريباً أن يسيطر على حصة أساسية من المقاعد في البرلمان المقبل. ما يعبر عنه الحزب، إضافة إلى الرعاية والوضع الراهن، لم يكن واضحاً، حتى بالنسبة للملك. بعيد انطلاق الربيع العربي قال لي الملك إنه التقى بعبد الهادي المجالي قائد الحزب، وقال لي إنه قال للمجالي: “قرأت برنامجكم اﻻقتصادي واﻻجتماعي، وقد أفزعني، ياللحماقة (the crap). هذا لا يحمل أي معنى، إذا كنت ستصل إلى 70% من المواطنين ممن هم اصغر مني فعليك أن تعمل على برنامجك». وقال لي الملك إن “برنامج الحزب ﻻ يحتوي أي شيء، فهو مليء بالشعارات، ﻻ يوجد برنامج. ﻻ شيء”. واستمر: ”أريد من هذا الشخص ان يطور برنامجاً يمكن أن يفهمه الناس على اﻷقل». حط الملك بطائرته في ملعب كرة قدم في ضواحي الكرك. قادة العشائر والكثير منهم خدم مع والد عبدالله الملك اﻷسبق حسين، كانوا مصطفين لتحية الملك فيما قطع موكبه المسافة القصيرة من المهبط إلى قاعة استقبال كبيرة. كان هناك مصافحات ومظاهر وﻻء للعرش، تلاها غداء من المنسف، وهو لحم الخرفان المطبوخ باللبن، ورغم ان المنسف يؤكل باليد اليمنى فيما اليد اليسرى خلف الظهر إﻻ ان بعض «الشوك» تم توزيعها في إشارة إلى التمدن. ومع ذلك فقد تم تناول الطعام وقوفاً حول طاولة طويلة ضيقة، حسب التقاليد البدوية. وبدأ بعدها عمل ما بعد الظهيرة. ما يقرب من 30 رجلاً (وامرأة واحدة هي ابنة احد زعماء القبائل) جلسوا على كنبات مصطفة عند الحيطان، وقدم الشاي. وقدم الملك حجة حول اﻹصلاح اﻻقتصادي وحول توسيع المشاركة السياسية، ثم فتح باب النقاش. زعيماً وراء اآخر -كثير منهم كانوا مسنين جداً، وكثير منهم كان فقط عليه ملامح التقدم في السن- قدموا مطالب صغيرة العيار وشكاوى صغيرة. أحد الرجال قدم فكرة ﻻهتمام الملك: “قديماً كان هناك حراس ليليون مسلحون بالعصي في البلدات. يجب ان تعيد الحكومة ذلك، حيث سيوفر ذلك أماناً أكثر، وسيخلق المزيد من فرص العمل للشباب”. كنت أجلس مقابل الملك بالضبط في الناحية اﻷخرى من الغرفة، حيث حصلت على انتباهه، حيث نظر إلي نظرة قصيرة بعيون مفتوحة. كان مهتماً بمبادرات التقنية العالية، وبتعليم البنات، وبتقليص الوظائف الزائدة في الحكومة. ولم تكن فكرته عن اﻹصلاح الحكومي الفعال تتضمن خططاً لتوظيف رجال يحملون العصي. وبينما كنا نغادر الكرك بعد برهة سألته عن فكرة الرجال مع العصي. قال بصوت يحمل اﻹعياء: “هناك الكثير من العمل لنقوم به”. ركبنا الهيليكوبتر وأقلعنا. كنت أجلس خلف الملك. سألني إن كنت أرغب في جولة. “هل سبق وأن رأيت جبل نبو من الجو؟”. حلق باتجاه الشمال الغربي نحو الجبل الذي أرى الله موسى أرض إسرائيل منه، بحسب ما يخبرنا اﻹنجيل. كان البحر الميت يتلألأ وراءه مباشرة. اقترحت جولة سريعة إلى القدس التي تبعد 30 ميلاً. قال أحد مساعديه بابتسامة مصطنعة :”أبناء العم يحبون أن يأخذوا تنبيهاً أبكر”. “أبناء العم” هم اﻹسرائيليون. لم يبد على الملك العجلة للعودة إلى عمان. عندما اقتربنا من جبل نيبو مررنا من فوق آثار قلعة مكاور اﻷثرية التي بناها الحشمونيون، ثم أعيد بناؤها وتكبيرها من قبل الملك هيرودس اﻷكبر في عام 30 قبل الميلاد. مكاور هي المكان الذي كان فيه ابن هيرودس (هيرود أنتيباس) قد سلم رأس يوحنا المعمدان إلى سالومي. “هيرودس ذاك، شخصية مميزة”. لم يكن واضحاً أي هيرودس يقصد، اﻷب ام اﻹبن، لكن ﻻ يهم. كل منا له خصوصياته. “ليس مثاﻻً للحكم بالنسبة لك؟” سألته. أجاب: “ﻻ، لدي نموذج حكم مختلف”. قصر الملك في الحمر ليس هيرودي الحجم، ولكنه مع ذلك كبير، وديكوراته باهظة، ومعزول بشكل جيد عن ضوضاء المدينة، تحته المجمع ملحق بمسجد الملك حسين بن طلال الذي يتسع لحوالي 5500 مصل. (أنشأ عبدالله المسجد لتكريم والده). الحمر محروس بأسلحة آلية منصوبة على سيارات جيب، وبأفراد من شرطة القوات المسلحة اﻷردنية وبوحدة الحماية الخاصة بالقائد اﻷعلى. داخل القصر يقف الحرس الشركسي بأسترخاناتهم السوداء وسيوفهم الفضية يحرسون خارج مكتبه. رجال باللباس البدوي يحملون مباخر يتحركون بهدوء من غرفة إلى غرفة. غرف اﻻنتظار الكثيرة مؤثثة بشكل أنيق، ومزينة بصورﻵثار لمدينة البتراء النبطية اﻷثرية، وبصور بورتريه لملوك اﻷردن السابقين. مجمع القصر هو تحت الإدارة الصارمة لرئيس التشريفات الملكية، والذي يعمل كادره باجتهاد للمحافظة على جو من الصمت والتوقير. ولكن الجو داخل مكتب الملك الخاص حيث قضيت ساعات في الحديث معه في اﻷشهر اﻷخيرة هو جو ﻻ رسمية غير مدروسة. نشأ عبدالله بطريقة ما معتاداً على زخارف العرش، ولكنه ما يزال ﻻ يحب المراسم ويفضل الحديث المرسل على المترسم. عندما قابلته أول مرة بعيد استلامه المكتب قبل 14 عاماً قال إن “مخاطبته بلقب جلالتك جعلته يشعر بالغثيان. ويبدو عليه انه ومع السنين تكيف مع هذه الناحية من الملوكية. يبدو عليه من نواح عديدة أنه متناقض. ملك عربي حدث وأنه يتحدر مباشرة من النبي محمد، يبشر بحكم ليبرالي علماني ديموقراطي. ولكن عبدالله اﻵن وبعد عقد ونصف من عهده هو بمنظوره إصلاحي سياسي واقتصادي. يقول انه يفهم ان العرش الهاشمي وربما اﻷردن نفسه لن ينجو من العقود المقبلة إن لم يحرك بلاده بخفة إلى الحداثة. إنها معجزة صغيرة بالطبع أنه ما زال في الحكم أصلاً. لقد نجا من اول موجة من ثورات الربيع العربي التي اطاحت حتى اﻻن بقادة تونس ومصر وليبيا واليمن والتي وبشكل محتم تقريبا ستطيح بالرئيس السوري كذلك. ولكنه تخشّن في هذه اﻷثناء. الجغرافيا لعنت اﻷردن. إلى الشمال من عبدالله هناك بيت القبور في سوريا، ودولة فاشلة في طور التكوين. إلى الشرق هناك محافظة اﻷنبار الدموية. السعودية المحكومة باﻷمراء المتقاعدين من بيت سعود، المنافسين القدامى للهاشميين، على جنوبه، إلى غربه هناك اﻹسرائيليون المشاكسون، وكذلك الفلسطينيون المولعون بالجدل. القاعدة تريد قتله. النظام اﻹيراني ﻻ يحبه كثيراً كذلك، خصوصاً منذ أن اعلن في العام 2004 عن رؤيته هلالا شيعيا متصاعدا تقوده إيران يحوم حول الشرق اﻷوسط. بلاده مفلسة، وتعتمد على الولايات المتحدة وصندوق النقد الدولي وعرب الخليج المتغطرسين لتغطية موازنتها. (صندوق النقد الدولي فرض مؤخراً رفع أسعار المحروقات الذي كثّف حالة اﻻستياء الموجهة إلى العرش). المظاهرات في مدن اﻷردن الرئيسة كانت معتدلة مقارنة بتلك التي أدت إلى تغيير النظام في القاهرة وتونس، ولكنها مع ذلك كانت صاخبة. المتظاهرون وصفوا الملك بــ”علي بابا”، وعائلته بأنها “اﻷربعين حرامي”. وقد استهدفوا خصوصاً زوجته المذهلة -والمتمدنة بشكل مذهل- الملكة رانيا التي تعتبر أيقونة للأزياء وتمكين المرأة في الغرب التي تتعرض للذم في وطنها. وقد طالب المتظاهرون في إحدى المرات باﻷمير حمزة، أحد إخوان الملك غير اﻷشقاء، كبديل للملك. في مطلع حكم الملك كان عبدالله ورانيا يتلقيان التبجيل. ولكن لم يعد ذلك مستمراً. عبدالله هو مملكة نصف مطلقة. البلاد لديها رئيس وزراء ومجلس نواب منتخب، ولكنه يستطيع إعفاء رئيس الوزراء وحل البرلمان إذا رأى ذلك مناسباً. تعيين وطرد رؤساء الوزارات استهلك الكثير من وقته مؤخراً، حيث بدل ستة خلال اﻷعوام الخمس اﻷخيرة. ويقول انه يريد أن يخرج نفسه من تلك العملية. “يرتفع ضغطي، وزوجتي تعرف ذلك، عندما نضطر لتغيير الحكومات. كلما مررنا في تلك الدائرة فإن ﻻ أحد سيكون سعيدا”. قال لي. ويكرر عبدالله أنه يريد أن ينقل السلطة إلى برلمان منتخب، وهكذا سألته عما إذا كان يريد دوراً بروتوكولياً: “أنت ﻻ تريد أن تكون الملكة إليزابيث؟”. أجاب: “حسناً، أين ستكون الممالك خلال 50 عاماً؟”. هو يفهم تماماً أن الملكية ليست صناعة نامية، لكن هل تفهم عائلته الممتدة ذلك؟ الهاشميون عائلة صغيرة، على اﻷقل بالمقارنة مع العائلة السعودية. ومع ذلك لديه 11 شقيقاً ونصف شقيق، إضافة إلى العديد من العمات واﻷعمام، كلهم ملكي. “ﻻ، بعض أفراد عائلتي لم يلتقطوا المسألة”. قال الملك. “إنهم ليسوا منخرطين يوماً بيوم، كلما أبعدت اكثر عن هذا الكرسي أصبحت اميراً أكثر فأكثر. ذلك يحصل في كل العائلات الحاكمة كما أعتقد. كلما كنت ابعد عن هذا الكرسي ازداد اقتناعك بالملكية المطلقة، هذه هي أفضل طريقة لوصف اﻷمور. وذلك بكل بساطة ﻻ ينفع”. عندما قابلت الملك عبدالله في عام 1999 بعيد وفاة والده كان جديداً على العرش وممتلئاً بالحماس اﻹصلاحي. الخصخصة والتحديث واللبرلة السياسية كلها كانت في أعلى الأجندة. أخبرني وقتها بثقة متولدة عن التجربة: “بلدنا يواجه الكثير من التحديات، ولكنني أعتقد أنها جميعها قابلة للتعامل معها”. كان قد بدأ فعلاً بالسير عكس البروتوكول، وقال انه يحتقر التذلل ويكره العزلة. مبكراً في عهده كان يتخفى كمواطن عادي ويختلط بالمواطنين كي يتعرف على رغباتهم وإحباطاتهم. وقد رافقته في إحدى تلك الغزوات إلى الزرقاء، مدينة الفلسطينيين الساخطين واﻹسلاميين الغاضبين على الدوام. زرنا المكتب المحلي لوزارة المالية، وكذلك مستشفى المدينة الحكومي، وكلاهما لم يكن يبدو أنه يقدم أي شيء يقترب من معايير الخدمة. راقب الملك البيروقراطيين الذين بدون دم يتجاهلون طلبات معقولة. ﻻحقاً تم اكتشاف وجوده، (وجود مراسل أمريكي يرتدي الخاكي جعل من الصعب على الملك أن يخفي هويته) وقد تجمع حشد من الناس بسرعة، كان مليئاً بالسيدات المسنات ممن كن يلقين البركات على الملك. قمنا باندفاعة مهتاجة باتجاه قاعدة مظليين قريبة. سألته عما يجب ان يكون شعور المسؤولين في الزرقاء في تلك اللحظة، فقال بنصف ابتسامة: “الرعب”، وقال انه سيكتب تقريراً. ورغم أنه كان مفجوعاً مما رآه إﻻ أنه بدا مدعما بالزيارة. في تلك الأيام المبكرة كان يتخيل أن الناس في اﻷردن كانوا جاهزين ليكونوا شركاءه في رفع البلد من وسائله البالية. والد عبدالله، الملك حسين، كان حاكماً داهية، وناجياً محنكاً وصانع سلام بطولياً، ولكنه لم يكن مديراً عصرياً، وترك ﻻبنه اقتصاداً متصلباً ونظاماً سياسياً مبنياً على الواسطة واستغلال المنافسات العشائرية. عبدالله اعتقد انه سيصلح كل ذلك. ولكن المستقبل كان يقبع في كمين. اﻻنتفاضة الفلسطينية، و11 سبتمبر، وغزو أفغانستان والعراق، كل ذلك كان أمامه. في غضون عدة سنوات ستكون الزرقاء معروفة بكونها مسقط رأس أبو مصعب الزرقاوي، اﻹرهابي البارز. سنوات التدخل اخذت ضريبتها. والملك أصبح أشيب بشكل واضح، وتجعدت جبهته. ﻻحظت في مناسبات ﻻحقة ثقلاً فوقه، وأخبرته بذلك. قال الملك: “اتعرف، عندما وصلت الذكرى العاشرة أتذكر جلوسي مع أفراد من عائلتي وأصدقائي المقربين وقولي لهم إنني ﻻ أريد أن أستمر”. قلت: “ﻻ تستطيع أن تستقيل ببساطة”. أجاب: “هذا ما قالوه”. الملك عبدالله ليس فقط متحدراً بشكل مباشر من النبي محمد، فهو ابن ملك هاشمي، وحفيد ملك هاشمي، وابن حفيد ملك هاشمي، وهو حفيد حفيد آخر أشراف مكة. التنازل ليس خياراً واقعياً. ومع ذلك كان -هناك- يعترف أن الفكرة خطرت بباله. “أنا فقط قلت أنني كنت محبطاً بسبب كل القوى التي كنت أتعامل معها في الداخل”. قال الملك، وأضاف:”ليس الخارج، إنه الداخل”. كان الملك تذمر سابقاً بخصوص قوى السياسة الداخلية، ولكن فقط بشكل موجز، وافترضت أنه كان يقصد جبهة العمل اﻹسلامي، فرع جماعة اﻹخوان في اﻷردن. ولكنه اﻵن حدد خصماً مختلفاً. قال: “مؤسسات وثقت بها لم تكن معي، لقد كانت المخابرات واﻵخرين والحرس القديم”. المخابرات مخصصة أصلاً لحماية العرش الهاشمي. مباني قيادتها المثيرة للشؤم تبدو وكأنه مزار للهاشميين. صور ضخمة للملك عبدالله ولعائلته ولملوك اﻷردن السابقين تحتل عدداً من قاعات اﻻجتماعات فيها. المخابرات العامة هي أكثر جهاز مخابرات محترم على المستوى العربي، وعملاؤها معروفون بقدرتهم على اختراق القاعدة والجماعات اﻹسلامية. (وقد عرف عنها كذلك استخدام التعذيب: مقرات القيادة كانت تعرف لفترة في الأوساط الدبلوماسية الغربية باسم “مصنع اﻷظافر”. يعتقد المسؤولون اﻷمريكيون والمنشقون السياسيون داخل المملكة أن مسؤولي المخابرات قد أقحموا انفسهم في السياسة اﻷردنية لمكاسب شخصية مالية ولدفع أجندة شرق اﻷردنيين الذين يرغبون في تهميش اﻹسلاميين والفلسطينيين. ويعتقد الملك أن كل مرة يحاول فيها تنفيذ إصلاح ذي قيمة -إعادة رسم الدوائر اﻻنتخابية للسماح للفلسطينيين بوجود أكبر في مجلس النواب على سبيل المثال- تقوم المخابرات مع الرجعيين في النخبة بهدم محاولاته. قال: “لم أدرك مدى اختراق المحافظين لمؤسسات مثل المخابرات. لقد اتضح في السنوات اللاحقة كيف أنه تم تضمينهم في مؤسسات معينة، خطوتان إلى اﻷمام، خطوة إلى الخلف”. “المخابرات صانعة المشاكل كانت شيئاً ورثته عن والدي”، أخبرني الملك. في الثمانينيات اندلعت أحداث شغب في مدينة معان الجنوبية، وقال ان والده كان يشك في أنه إما السعوديون أو المخابرات كانوا يحرضونهم. “المخابرات كانت دائماً إشكالية”. وقال الملك أن أحد اسباب صعوباته التي تقرحت طويلاً مع المخابرات هي سذاجته. “كنت ساذجاً كفاية للاعتقاد بأن المخابرات ستقول: “نعم سيدي” حيث إنني قادم من الجيش الذي يقول “نعم سيدي”. اليوم، يقول الملك، أنه يحقق تقدماً في إصلاح الدائرة. اثنان من قادة المخابرات أودعا السجن بسبب الفساد. الثالث مات بالعار. الرئيس الحالي للدائرة يحاول ان ينزع تسييسها كما يقول مسؤولون أردنيون، مستعيناً بنصائح إدارية من السي آي أي. اﻷردن كان دائماً محاصراً بالفساد. في اﻷيام الخوالي كان الملك حسين واضحاً نوعاً ما حول ذلك، معطياً سيارات مرسيدس معفاة من الجمارك للموالين والمقربين. ويقول المنتقدون إن الحال لم يتحسن كثيراً منذئذ. حاول الملك عبدالله في سنواته اﻷولى أن يحقق المزيد من الشفافية للموازنة الحكومية، لكن سمعته حول معيشته النظيفة تضررت كثيراً بفعل مزاعم حول استفادة افراد من العائلة أثناء بيع أراض حكومية، ومن اتهامات بأن عدة أفراد من العائلة ومن أصدقاء العائلة استفادوا من صلاتهم بالقصر. وليد الكردي زوج اﻷميرة بسمة شقيقة الملك اﻷسبق حسين هرب مؤخراً إلى لندن لتجنب مواجهة تهم حول اختلاسه ملايين من صناعة الفوسفات في البلاد. وقد تعرض الملك نفسه لشائعات بأنه مقامر متهور. وعبدالله دفاعي إزاء اﻻتهامات بأن عائلته تحصل على امتيازات خاصة. في محادثاتنا انتقد أقارب له كانت سلوكياتهم يراها كعائق للحكم الهاشمي. “انظر إلى بعض اشقائي. يعتقدون أنهم أمراء. ولكن أبناء عمومتي أكثر إمرة من أشقائي. وأنسباؤهم مثلهم. يا إلهي. علي دائماً أن أمنع أفراداً من عائلتي من تسليط الضوء على سيارات حراستهم. أقوم باعتقال أفراد من عائلتي وآخذ سياراتهم منهم وأقطع حصصهم من الوقود وأجعلهم يتوقفون عند إشارات المرور. أحاول ان أكون ذلك النموذج”. “حساسيات العائلة تصبح لا معنى لها”، استمر الملك “إذا أمسكت ابني لكونه فاسداً خذه إلى المحكمة. قلت ذلك بوضوح تام من اليوم اﻷول. ما أحاول قوله أن كل اﻵخرين مستهلكون في العائلة المالكة. هل لذلك أي معنى؟ هذه هي حقيقة الربيع العربي التي صدمتني”. ﻻ يريد عبدالله أن يكون أعضاء عائلة فاسدين أو خدم أو أي احد آخر قادراً على إغراقه، بالطريقة التي أغرق بها الفساد المؤسف والضخم مبارك والعائلات الحاكمة. عندما مررت بالتعليق القاسي للملك حول أحد أفراد العائلة، وهو لم يسمه، ردد تعليقاً من وحي «أليس» في بلاد العجائب: “جلالته، جلالته، وإذا كان جلالته يعتقد أن ذلك قضية مهمة فإن جلالته على حق”. زوجة جلالته، رانيا اﻷنيقة والصريحة، تم إخفاؤها عن الصحافة العالمية منذ ظهور الربيع العربي. منذ أن نظم الديوان الملكي حفل عيد ميلاد مفصل لها في وادي رم في 2010 في الصحراء الجنوبية، فإن المرأة التي وصفتها أوبرا ونفري ذات مرة بأنها “أيقونة أزياء عالمية” أصبح ينظر لها بازدراء من قبل العديد من اﻷردنيين. (عندما كان يتم التقاط صور لها طيلة تلك الفترة كان يتم ذلك في المدارس والمستشفيات). يقول الملك إن النميمة الشريرة هي جزء من أرض العاصمة. خذ اﻹشاعة حول عادته في القمار. “انظر، مسألة القمار جاءت من عمان الغربية”، مشيراً إلى الجوار الذي هو موطن نخبة البلاد السياسية واﻻقتصادية. “حتى أنني ﻻ ألعب الورق. والسبب أنني ﻻ أقامر هو انني ﻻ أستطيع أن أعدّ. عندما أرى السبعة فإنها تبدو مثل الثمانية. يأتيني شخص امريكي ويقول: هناك قلق بخصوص القمار. ولكن مع حكومتكم و»السي آي أي» والجميع، أين يستطيع ملك أن يذهب ويقامر؟” واستمر: “جاءت غرب عمان بقصص حول ان ابني أصم، وأن ابنتي عمياء، وكل ذلك. قاموا بذلك مع والدي أيضاً. كان هناك قصة أن والدي وانا كنا في الخارج مع مضيفة ثم قتلناها ودفناها”. في محادثة أجريتها مع الملكة، وهي مقابلة حددت بعناية من قبل موظفي الديوان الملكي، حيث فسرت المزاج الحالي في اﻷردن كالتالي: “في اﻷوقات الجيدة يكون الناس أكثر كرماً مع إعطائك فائدة الشك. في الأوقات الصعبة تعرف أن الناس سيلقون بالشك حتى عندما تقول الحقيقة. الناس ليسوا كرماء. إنهم ﻻ يعطونك ميزة الشك”. يقول الملك إن قلة خبرته في الحكم وفي إدارته التصورات تفسر لماذا لم يكن أكثر نجاحاً في الدفع بتحديث اﻹصلاحات السياسية. في عيون منتقديه من الليبراليين اﻷردنيين، بمن فيهم العديد ممن عملوا معه في البداية في سنوات عهده المليئة بالأمل، فإنه قد سمح لنفسه بأن يهزم. بعض التغييرات التي يحاول أن يجريها اليوم -بناء أحزاب سياسية- وإعادة نشر قانون اﻻنتخاب لجعل البرلمان أكثر تمثيلاً- كانت على اﻷجندة قبل أعوام. في عام 2005 عندما انصب الضغط على الملك لفتح المجتمع وفقا لوعوده العلنية، قام بتعيين مروان المعشر، أحد مساعديه اﻹصلاحيين، لصياغة برنامج إصلاح شامل. كانت اﻷجندة الوطنية، كما أصبحت تعرف، خطة طموحة لتغيير منهجي في قطاعات مختلفة من الحياة الوطنية. أحد بنود اﻷجندة كان زيادة عدد المقاعد البرلمانية المخصصة للمرشحين التابعين ﻷحزاب وطنية. قبل ذلك كانت الغالبية الساحقة من البرلمانيين يتم انتخابهم على أساس المحافظة، وهو نظام يشجع التصويت على أساس المحاياة والولاء العشائري. كانت اﻷجندة الوطنية ستغير كل ذلك. ولكن قبل أن تتمكن من ذلك نهض المحافظون وذهبوا إلى الملك. وحسب عدة أشخاص ممن ألفوا اﻻجتماعات المصيرية فإن أحد ابرز الأعيان قال لعبدالله: هذه قفزة إلى المجهول. ولم يتم تطبيق الأجندة الوطنية. ولكن مع يقظة الربيع العربي الذي أطاح بالأوتوقراطيات حول المنطقة تمكن عبدالله أخيراً من هندسة نظام انتخابي جديد يتمثل بشكل متواضع رؤية الأجندة الوطنية. 27 من أصل 150 مقعداً في مجلس النواب الذي تم توسيعه، سيتم ملؤها باﻻنتخاب الوطني. أخبرتني الملكة رانيا أن زوجها استطاع أخيراً أن يحقق اﻹصلاح اﻻنتخابي ﻷن ضغط الربيع العربي ركّز انتباه نخب اﻷردن. “بطريقة ما أظن أن الهيجان السياسي في العامين الماضيين كان تحدياً من نوع مختلف. لقد جلب مناخاً من النقد المفتوح”. قالت الملكة. “اللطيف في ذلك أنه سمح له -أي الملك- بأن يتبادل الصراحة، وأن يخرج حقاً ويقول ما يؤمن به. أعتقد أنه بسبب ذلك وفي عدة مناسبات قال إنه يرى الربيع العربي كفرصة. لقد أعطاه الربيع العربي الفرصة حقاً ليخرج بكل صراحة وأن يعبر عنها بطريقة منفتحة جداً، وقد أعطانا جميعاً الفرصة أن نرى فيه من هو حقاً”. ولكن الربيع العربي قد يعني أيضاً أن الوقت ينفذ من الملك. قال لي مروان المعشر: “ترف الوقت اللامتناهي لم يعد موجوداً، ﻷن اﻷشياء انتقلت إلى الشارع. لقد ارتفع مستوى اﻹحباط إلى الحد الذي لم يعد فيه اﻹيقاع اﻷصلي البطيء كافياً. أؤمن بالإصلاح التدريجي، ولكن أيضاً يجب تنفيذه ضمن برنامج زمني واضح. ليس إن الملك ﻻ يريد ذلك ولكنني أعتقد انه يجب ان يقود عملية تسرع اﻹيقاع الحالي. وبغير ذلك فإننا سنحتاج إلى 30 عاماً للوصول إلى برلمان قادر على ممارسة صلاحيات حقيقية”. إيقاع اﻹصلاح جعل أصدقاء الملك عبدالله، وخصوصاً في أمريكا، يخشون أنه بطيء جداً بحيث لن يتماشى مع الموجة الثورية التي أطلقها الربيع العربي. وقد عبرت وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون، أحياناً بطريقة التساؤل، عن رأي مفاده أن الملك عبدالله يسير بإيقاع متمهل أكثر من اللازم، وأن اﻷردنيين أكثر قدرة على بناء أحزاب مبنية على اﻷفكار مما يقدره الملك. (يحاجج الملك بطريقة غير مقنعة أن إجراء اﻻنتخابات بدون إعداد كاف سيؤدي إلى نتائج عكسية). وزير الخارجية الجديد جون كيري أكثر دعماً. مباشرة بعد أن استلم زمام اﻷمور في الخارجية قال كيري إنه يذكر زيارة الملك له في بوسطن في العام 1999، حيث أوصل عبدالله إلى جامعات واعمال في المنطقة. “كان يتطلع إلى اﻷمام ومركزاً على اﻻقتصاد فيما كان كثير من قادة الشرق اﻷوسط يتطلعون في اتجاه مختلف”. وقال كيري أيضاً: “عبدالله يمثل أبناء المنطقة ممن يمتلكون الشرف والذكاء”. استقرار اﻷردن، واستمرار الصحة الجيدة للملك، كلاهما بالطبع له أهمية كبرى للولايات المتحدة. عبدالله شريك رئيس (ومقاول فرعي) في القتال ضد اﻹرهاب اﻹسلامي، وهو الحاكم لبلد من البلدان النادرة المستقرة بهذا القدر او ذاك والموالية للغرب في منطقة مقلقة. أخبرني السيناتور جون ماكين، وهو أحد أقرب حلفاء الملك في الكونغرس: “هذا الملك ووالده قاما بأعمال عظيمة لنا. ساعدتنا بلدان أخرى، ولكن ليس بالطريقة التي ساعدنا بها اﻷردن”. (عندما سألت مكين عما إذا كان يعتقد أن عبدالله كان في خطر اﻹطاحة به كما حصل لقادة آخرين في المنطقة قال: ﻻ. ولكنه أضاف: على الناحية اﻷخرى لم أكن أعتقد ان كثيراً من أولئك القادة كانوا في مشاكل). بالنسبة للإسرائيليين ولعرب الخليج أيضاً فإنه ﻻ غنى عنه. عرب الخليج يرونه في الريادة (ما يجري عليه سيجري عليهم في وقت ﻻحق). لم تسقط أي مملكة في الربيع العربي حتى اﻵن. إذا استطاع عبدالله أن يتدبر طريقه، فإن هناك املاً للأنظمة في الخليج الفارسي. وزير خارجية دولة خليجية قال: “نحتاج ان نقول ﻹدارة أوباما وللغرب أنه إذا لم تدعموا عبدالله فإنكم تحفرون تحت المعتدلين في كل المنطقة وستولدون منطقة من المتشددين”. إسرائيل هي أهم حلفاء اﻷردن، في بعض المجالات. عبدالله جوهري بالنسبة للإسرائيليين، كضامن للهدوء على الجبهة اﻹسرائيلية الشرقية وكمدافع عن معاهدة السلام التي صاغها الملك حسين مع إسحق رابين في 1994. اﻷردن وإسرائيل يعملان معاً أيضاً على منع الفوضى في سوريا من اﻻنتقال إلى بلديهما. ﻻ يرغب الملك في الحديث عن عمليات مشتركة أردنية-إسرائيلية، ولكن مصادر متعددة في عمان وتل أبيب أخبرتني أن طائرات إسرائيلية دون طيار تراقب الحدود اﻷردنية السورية لحساب اﻷردن، وان مسؤولين عسكريين ومخابراتيين من البلدين يتواصلون باستمرار للتخطيط لفوضى ما بعد اﻷسد. وحتى مع تصورات عبدالله للتنازل عن المزيد من سلطاته إﻻ أنه يرسم خطاً أحمر واحداً: “ﻻ أريد أن تأتي حكومة وتقول: نحن نرفض معاهدة السلام مع إسرائيل”. ولقد حذر عندما يتحدث عن رئيس الوزراء اﻹسرائيلي بنيامين نتنياهو والذي يتواصل معه بشكل منتظم. إنه فقط يقول إن علاقته مع بنيامين نتنياهو “قوية جدا. ونقاشاتنا تحسنت فعلاً”. ومع أنه يقر بالدور الذي يلعبه نتنياهو في الحفاظ على استقرار اﻷردن، إﻻ أنه ليس متفائلاً إزاء مستقبل إسرائيل. ويعرف عن عبدالله أنه يتبنى “دولتين لشعبين”، إسرائيل اﻵمنة في حدود ما قبل 1967 وفلسطين التي يجب إنشاؤها في غزة والضفة الغربية. ولكن عندما سألته في كانون الثاني عن الوقت المتبقي لتطبيق هذه الفكرة فاجأتني إجابته. قال: “ربما أصبح الوقت متأخراً جداً لفكرة حل الدولتين. ﻻ أعرف. جزء مني يخشى أن ذلك قد تجاوزنا فعلاً”. إذا كنا متأخرين، ما الذي يعنيه ذلك؟ أجاب بكلمة واحدة: “إسراطين”. ذلك التعبير الجديد الذي أشاعه الراحل معمر القذافي لوصف رؤيته حول دولة مشتركة عربية-يهودية. يقول عبدالله: إذا لم توافق إسرائيل على دولة فلسطينية بسرعة سيكون خيارها هو إما اﻷبارتهيد أو الديموقراطية. والسؤال العملي هو هل تستطيع أن تفرض سيطرة دائمة على الفلسطينيين المحرومين إلى ما ﻻ نهاية، أو سوف تتحول في النهاية إلى “جنوب أفريقيا” التي ﻻ تستطيع أن تستمر كدولة منبوذة؟ قلت: هناك بعض اﻹسرائيليين الذين يقدرون إسرائيل كدولة يهودية أكثر مما يقدرونها كدولة ديموقراطية. أجاب :”الطريقة الوحيدة التي ستحصل بها على جزء يهودي هي أن يكون لديك حل الدولتين، وهذا هو الجزء اليهودي”. سألته عما إذا كان يعتقد ان الرئيس أوباما يريد أن يعمل على سلام الشرق الأوسط، فقال: “هذا هو سؤال المليون دوﻻر” وأضاف أن جون كيري يعمل بوضوح. وقال عبدالله: “لدينا رئيس منتخب لدورة ثانية”، في إشارة إلى أنه فقط الرئيس المنتخب للمرة الثانية لديه قدرة للمناورة والخبرة للإشراف على عملية السلام. “هذه هي اللحظة اﻷخيرة. هل يمكن تحقيق السلام في 4 سنوات؟ هل نحن متأخرون جداً؟ بعد 4 سنوات سيكون كل شيء انتهى”. بينما يستمر عدم اليقين على طول الحدود الغربية للأردن، تسود الفوضى وإراقة الدماء عند حدوده الشمالية في سوريا. عندما كنا نناقش الوضع هناك سألت عبدالله هذا السؤال: إذا نزل 250 ألف أردني إلى الشوارع وطالبوا بإسقاطه، هل سيأمر أمنه بإطلاق النار؟ ام سوف يتنحى؟ قال: “شخصيتي هي أنني لن أطلق النار. ﻻ أعتقد أننا -الهاشميين- نطلق النار. إذا كنت كملك خلقت حالة ينهض فيها نصف الناس ويطالبونك بالرحيل فإنك بلا شك فعلت شيئاً خاطئاً”. لم أسأله بالطبع ماذا سيحصل إذا انتفض نصف البلد (تعداد سكان اﻷردن 6.5 مليون)، ولكنني أخذت تلك النقطة. ليس من الصعب التكهن بأنه يوماً ما قد تحصل مظاهرة بــ250000 في اﻷردن. المظاهرات انطلقت مع بعض اﻻنتظام منذ انطلاق الربيع العربي. الكثير من المظاهرات تنظمها اﻹخوان المسلمون التي يسيطر عليها الفلسطينيون، ولكن الكثير منها تابع للحراك، وهو خليط غير متبلور من جماعات اﻻحتجاج المكونة بشكل أساسي من شرق أردنيين ساخطين. يصر الملك على أنه تعامل مع تلك المظاهرات بسياسة ناعمة. ويقول إن الملكة رانيا اقترحت أن يتخذ مقاربة متسامحة مع المتظاهرين. “طلبت أن تؤخذ اﻷسلحة بعيداً، وكنت أنسق مع كل القادة حول كيفية التعامل مع المظاهرات اﻷولى، وقالت رانيا: أتعرف ماذا يجب عمله؟ مرروا الماء والعصير لكل المتظاهرين، اجعلوا الشرطة تمرر لهم الماء. وكانت تلك فكرة جيدة، حيث استدعيتهم وقلت لهم إن فكرة رانيا أن نقوم بهذا. وقد نفذتها الشرطة. وكانت تلك نكهة المظاهرات”. بالطبع فإن الاحتكاكات بين المتظاهرين والمدافعين عن النظام لم تكن دائماً حميدة بالطريقة التي يراها القصر: قوات اﻷمن مع مجموعات غامضة موالية كانت تشتبك مع المتظاهرين بالضرب والغاز المسيل للدموع من وقت إلى آخر. مع ذلك فإن عمان بالتأكيد ليست دمشق. ﻻحظ الملك أن الرئيس السوري بشار اﻷسد قام مع الموالين له وبشكل واضح باتخاذ القرار بفتح النار على المتظاهرين والمتمردين. قتل أكثر من 70 ألف سوري في اﻻنتفاضة ضد حكم الأسد، وقد ارتكبت القوات التي يقودها جرائم ﻻ يمكن إنكارها ضد أبناء بلدهم. الخطر على المنطقة كلها داهم. ويعمل اﻷردن بصمت مع إسرائيل وأمريكا لمراقبة أحوال أسلحة اﻷسد الكيميائية. اﻷردن تم فعلا اجتياحه بالمهاجرين السوريين. (400 ألف تقريباً حتى نهاية شباط). “عندما يدخل سوري إلينا ﻻ يعود هناك مجال إعادته، والقول إن حدودنا مغلقة” قال لي الملك. حتى اﻵن حافظ الملك على كلمته، تاركاً الحدود الشمالية مفتوحة للسوريين الهاربين. وكذلك فقد دعا الملك عائلة اﻷسد إلى اﻷردن، واعداً إياهم بالحماية. قال لي: “عرضت عدة مرات إخراج زوجته، وقالوا لي شكراً ولكن لم ﻻ تهتم ببلدك أكثر مما تهتم بشأننا؟”. لم يكن ذلك منذ وقت طويل عندما شوهد اﻷسد مع الملك عبدالله وملك المغرب محمد السادس كفرد من ثلاثي من قادة العرب، شاب كاريزماتي تقدمي مزعوم. في أكتوبر 2000، بعد وقت قصير من اندلاع اﻻنتفاضة الفلسطينية الثانية في الضفة وغزة حضرت اجتماعاً للقادة العرب الذين تجمعوا في القاهرة ﻻنتقاد إسرائيل بشكل طقوسي وللوقوف بشكل علني (ولو بعجز) مع إخوتهم الفلسطينيين. اللقاء كان تسفيهياً. (قاطع القذافي الجلسة، وهكذا فإن جزءاً كبيراً من التسلية الحمقاء كان غائباً). ولكن وجود 3 قادة عرب جدد آثار اﻻنتباه: عبدالله ورث العرش الهاشمي في العام السابق بعد موت والده الملك حسين، ومحمد تم تتويجه مؤخراً ملكاً على المغرب بعد موت والده الملك حسن، واﻷسد ورث الرئاسة قبل عدة شهور من والده حافظ اﻷسد، بشكل يشبه كثيراً الطريقة التي ورث بها الملوك عروشهم. عندما سألت الملك عبدالله عما إذا كان يستطيع أن يحل لي لغز بشار اﻷسد أجاب بنادرة حول المؤتمر في القاهرة. في ذلك الوقت كان اﻷسد قد أصبح بالفعل خلافياً، فقد صوت البرلمان السوري بعد موت حافظ اﻷسد على تخفيض سن مرشحي الرئاسة من 40 إلى 34، وهي عمر بشار في ذلك الوقت. حتى بمعايير المشرق حول الحكم كان ذلك التصرف أخرق. في سوريا بدأت اﻷحاديث حول اﻻستياء من الميول اﻻستبدادية لعائلة الأسد بالظهور. يقول عبدالله إنه اخذ على نفسه أن يحاول تدريب الرئيس السوري الجديد على اﻷساليب العالمية في إدارة الدولة. حتى قبل قمة الجامعة العربية يقول عبدالله إنه اقترح برنامجاً لمساعدة اﻷسد على زيادة سمعته. يقول الملك: “ذهبت لزيارته وقلت له: هناك افتتاح اﻷمم المتحدة في أيلول، أرجو أن تأتي، أستطيع أن أرتب غداءات وعشاءات. وكان المنتدى اﻻقتصادي العالمي يقوم بشيء ما، فقلت له: ستكون محط اهتمام الجميع، حيث يريد الجميع اﻻلتقاء بك والتعرف عليك، حيث إنك جديد، وتستطيع ان تجري بعض المقابلات. قال إنه ﻻ حاجة، حيث سيقوم رجال اﻷعمال السوريون بالذهاب نيابة عنه وسيقومون بجلب العقود واﻻستثمارات، وقلت له: ﻻ، عندما تظهر في اﻷمم المتحدة سيأتي الجميع ﻷنك نكهة هذا الشهر، ولكنه قال إنه لن يذهب”. وهكذا سألت: “هل كان بشار قروياً نوعاً ما؟”. ابتسم الملك وأخبرني عن محادثة أجراها في القمة العربية. “كنا في عشاء أنا وهو وملك المغرب في مقر الملك في القاهرة، وفي أثناء العشاء استدار بشار إلينا وقال: هل يمكن يا شباب أن تفسروا لي ما هو الجت ﻻغ”؟ قوس الملك حاجبيه تجاهي: “لم يسمع أبدا بالجت ﻻغ”. بالطبع فإن القروية وحدها ﻻ يمكن ان تفسر تصرفات اﻷسد. ففي النهاية فإنه ليس في الحقيقة ذلك القروي، فهو طبيب تدرب في لندن. “إنه شخص ذكي، وهو متزوج من شخص عاش في الغرب. ولكنه قارن نشأة اﻷسد بنشأته هو شخصياً. “الوالدان شخصان مختلفان كثيراً. والطريقة التي حكم بها والده سوريا والطريقة التي حكم بها والدي هذا البلد، والعلاقة بين الشعب والحاكم، كلها ببساطة كانت مختلفة كثيراً “. الملك حسين، والد عبدالله، لم يكن دائماً يحكم بيد خفيفة. فقد استخدم القوة الساحقة لوقف التمرد الفلسطيني في العام 1970 الذي أصبح يعرف بأيلول اﻷسود. ولكنه كان عموماً يعرف بطيبة قلبه، وباستعداده للمسامحة، وخصوصاً بمقاييس الملكيات في الشرق اﻷوسط. ﻻ يمكن أن يتهم أي شخص أي أسدي بعمل خير. مقارنة طرق تعامل عائلة اﻷسد والهاشميين وصراعهما مع تحديين للقادة العرب-اﻹخوان المسلمين من ناحية ووجود إسرائيل من ناحية ثانية- يشير إلى الهوة في اﻻختلاف بين العائلتين. استخدم الهاشميون احياناً دائرة المخابرات العامة ﻹنشاء تصدعات في صفوف الإخوان، وقد اشتروا بعض قادة الجماعة، وقد أظهروا للأردنيين، بنجاح متفاوت، أن اﻹخوان مهتمون أكثر بفرض حكم الشريعة اﻷصولي من اهتمامهم بجعل البلاد أكثر ديموقراطية. عائلة اﻷسد في المقابل أخذت تقليدياً منحى أكثر مباشرة، بقتل أعداد كبيرة من اﻹخوان المسلمين عندما شعروا أن ذلك ضروري. في الحادثة اﻷكثر شهرة في العام 1982 قامت قوات حافظ اﻷسد بقتل 10-20 ألف شخص في محاولة ناجحة لقمع انتفاضة إخوانية في مدينة حماة. ما ﻻ داع لقوله إن الهاشميين ﻻ يخفون عدم حبهم للإخوان. يشدد عبدالله على ذلك الكره لعديد من الزوار الغربيين الذين يلتقيهم. يأتي ذلك جزئياً ﻷنه يعتقد أن حلفاءه الغربيين ساذجون إزاء نوايا اﻹخوان. “عندما تذهب إلى وزارة الخارجية اﻷمريكية وتتحدث حول ذلك فإنهم كلهم متشابهون: هذا فقط حديث الليبراليين، هذا ملك يقول إن اﻹخوان المسلمين متجذرون وشريرون”. قال لي إن بعض محاوريه الغربيين يناقشون أن الطريقة الوحيدة التي يمكن بها ان تحصل على الديموقراطية هي عبر اﻹخوان المسلمين. عملي هو أن أوضح أن جماعة اﻹخوان تديرها ذئاب في ثياب حملان، وأنها تريد ان تفرض رؤيتها الرجعية على المجتمع، وسياستها المناهضة للغرب في الشرق اﻷوسط. ويقول لي بعدها: “هذا هو نضالنا الكبير. منع اﻹخوان المسلمين من التآمر للوصول إلى السلطة في المنطقة بكاملها. قابلت أعضاء في جماعة اﻹخوان المسلمين ممن يقولون إن عبدالله هو كافر بطريقة ما. جزئياً ﻷن زوجته ﻻ تغطي شعرها، وتتحدث في العلن. لكن الملك يشمئز من فكرة أنه غير مؤمن. سألته مرة كيف هو شعوره بصفته متحدراً بشكل مباشر من النبي محمد. قال لي: “إن ذلك يعطيك شعوراً بالسكينة. من الواضح أن هناك شعوراً كبيراً بالمسؤولية. ويجعلك متأكداً جداً من نفسك. أنا شخصياً مرتاح جداً داخلياً. ورثت ذلك عن والدي. وقد ورثه عن والده. أصلي 5 مرات يومياً. ولكنني لست مضطراً للقول للجميع أنني أصلي 5 مرات يومياً. ثم أشار بشكل ساخر إلى الزبيبة، البقعة السوداء على جبهة بعض الرجال المسلمين المتعصبين التي تتولد مع الزمن بفعل ضغط الرأس بقوة على اﻷرض أثناء الصلاة. “هل ترى العلامة السوداء على الجبهة، لتظهر أنك تصلي 5 مرات باليوم؟ لماذا يقوم بذلك؟ ذلك ﻻ معنى له كلياً. أشعر وكأنني احمل علامة سحرية فقط ﻹزعاج الناس، إذا وضعت علامة على رأسي”. عاد إلى الجدية من جديد. قال: “رؤيتي للمسيحيين واليهود، بسبب تعاليم والدي وتعاليم عائلتي، هي أنهم جميعاً جزء من عائلة كبيرة. هل لذلك معنى؟ ليس لدي ذلك التطرف”. ورغم ان معظم ممالك الخليج تبقى حليفة له-ﻷنهم هم أيضاً يخشون اﻹخوان المسلمين-إﻻ أن فهم الملك المتسامح والمعتدل للإسلام جعله في عزلة عن الحكام الناهضين للعالم العربي. تونس يحكمها اﻵن إسلاميون. وفي مصر تم استبدال حسني مبارك، الحليف للأردن لوقت طويل، بمحمد مرسي القيادي اﻹخواني. يحاجج الملك أن تحالفاً جديداً راديكالياً بدأ ينبثق. وهو تحالف يكمل وينافس الهلال الشيعي الذي تقوده إيران. “أرى هلالاً إخوانياً يتطور في مصر وتركيا. الربيع العربي أبرز هلالاً جديداً في إطار التطور”. وعبدالله حذر إزاء طيب أردوغان، رئيس الوزراء التركي، الذي يحاول حزبه (العدالة والتنمية) بحسب الملك عبدالله ترويج نسخة أقل حدة من «اﻹسلاموية». (ويقول عبدالله ان أردوغان قال مرة ان الديموقراطية بالنسبة له هي ركوب حافلة، ما إن يصل إلى وجهته حتى ينزل منها). ويرى ان أردوغان هو نسخة من مرسي، أكثر تقييداً وأكثر ذكاء، ويعتقد الملك أن مرسي يعيق هدف اﻹخوان المسلمين في مصر بسعيه للوصول للسلطة المطلقة قبل نضوج الوقت. “بدلاً من النموذج التركي وعبر 6 أو 7 سنوات مثل أردوغان يريد مرسي أن يفعلها بيوم وليلة”. إذا كان الملك حذراً إزاء أردوغان فإنه وبشكل قاطع غير متأثر بمرسي الذي قابله مؤخراً في الرياض، العاصمة السعودية. كان الرجلان يناقشان دور حماس، الفرع الفلسطيني للإخوان المسلمين، قال لي الملك “لم يكن هناك أي عمق. كنت أحاول ان أشرح له كيف يتعامل مع حماس، وكيف يحرك عملية السلام، وكان يقول: اﻹسرائيليون لن يتحركوا. قلت له: اسمع، سواء تحرك اﻹسرائيليون أم لم يتحركوا المسألة هي كيف نجعل حماس وفتح يجلسان معا”. قال عبدالله انه كرر أهمية ترتيب الفوضى في الجانب الفلسطيني. “ليس للرجل عمق”. كرر عبدالله. مقيداً باﻷخلاقية، وبالنزعة إلى الترتيب، والواقعية السياسية، ﻻ يستطيع الملك أن يقوم ببساطة بسجن قادة اﻹخوان المسلمين. ولكنه قام بجهد يستحق التقدير بتهميشهم. كل من الهاشميين وجبهة العمل اﻹسلامي التابعة للإخوان المسلمين أدركا مبكراً أن الربيع العربي سيفرض تحدياً حاداً أمام استمرار حكم الهاشميين. في ربيع 2011 وبينما كانت الثورات العربية تتكشف، التقيت بقادة من جبهة العمل اﻹسلامي في مقرهم في عمان. كانوا حادين -ولو بشكل موارب أحياناً- في ملاحظاتهم حول مستقبل الملكية. زكي بني ارشيد، رئيس مجلس شورى جبهة العمل اﻹسلامي، أخبرني أن الثورتين “التونسية والمصرية حاكتا الثورة الفرنسية في خصائصها المعدية. الثورة الفرنسية سببت نهاية أنظمة في جميع أنحاء أوروبا، وثورات العالم العربي ستترك نفس اﻷثر في منطقتنا”. سألته عما إذا كان يعني انه يطالب باﻹطاحة بالهاشميين فأجاب: “يجب أن يفهم النظام أننا نحتاج المزيد من الديموقراطية والمزيد من الحكم التمثيلي. نريد بلداً أفضل”. قال ذلك بينما كان يجلس تحت صورة للملك عبدالله. أما حمزة منصور اﻷمين العام لحزب جبهة العمل اﻹسلامي فقال إن اﻹصلاح إن لم يأت سريعاً فإن احتماﻻت العنف المجتمعي ستتصاعد. من ناحية الملك فإنه متأكد أن الإخوان يريدون رؤيته يرحل. أخبرته دائرة المخابرات العامة أن القيادة العليا للإخوان في القاهرة وبشكل فعال تثير عدم اﻻستقرار في اﻷردن. وحسب مصادر مختلفة فإن المخابرات العامة تدعي أنها اعترضت اتصالات من قادة اﻹخوان في مصر إلى تابعيهم في اﻷردن لتشجيعهم على مقاطعة اﻻنتخابات واﻹخلال باستقرار البلاد. قال لي عبدالله “خلف اﻷبواب المغلقة فإن اﻹخوان المسلمين يريدون اﻹطاحة بالحكومة” أشرت الى أن اﻹخوان لديهم صورته على الحائط في مكاتبهم. أجاب “إنهم ﻻ يؤمنون بدستور اﻷردن” وقال “إنهم لن يقسموا على الدستور، إنهم لن يقسموا إﻻ على دستور جماعة اﻹخوان. وﻻؤهم هو للمرشد، القائد اﻷعلى للإخوان الذي يتواجد في القاهرة. قال عبدالله انه عندما يفوز اﻹخوان بانتخابات البرلمان ويسمون على أن يتبعوا نصوص الدستور اﻷردني فإنهم يحصلون على فتوى تقول إنك تستطيع أن تضع يدك على القرآن ولكن ما تقسم به على القرآن ليس ملزماً عندما تقسم على الوﻻء لوثيقة علمانية. أشار أنه في الوقت الذي ﻻ يسمح ﻷحد ان يقبل يده (نحن ﻻ نعتقد ان أي شخص ينبغي أن يقبل يدي، نحن جميعاً بشر) ”عندما ترى حمزة منصور ترى أنه بعد الخطبة يأتون جميعاً لتقبيل يده”. بعد شهرين من اندلاع الربيع العربي استقبل الملك قادة فرع اﻷردن من جماعة اﻹخوان في مكتبه. قال لي: “كانوا أول من أراهم في الربيع العربي. كانوا الصوت الأعلى. لذا أحضرتهم، وقالوا: وﻻؤنا هو للهاشميين، وقد وقفنا معكم في اﻷربعينيات والخمسينيات والسبعينيات. وقلت لهم إن تلك هي أكبر كمية حماقات أسمعها. لقد صعقوا”. وروى أنه قال لهم “والدي قال لي أنكم كنتم تراقبون أين تجري اﻷمور، وعندما وجدتم أنها مالت لصالح والدي ذهبتم معه. هذا كلام فارغ كلياً، وإذا كنا سنجلس هنا ونتبادل الكلام الفارغ فلنشرب إذاً كأس شاي ثم نودع بعضنا، إذا أردتم حديثاً جاداً-نحب نحن العرب أن نتملق بعضنا اآخر في نصف الساعة الأول من المحادثة- إذا أردتم حديثاً جاداً فهنا نبدأ”. قال الملك إنه حدد لقادة اﻹخوان بعض مناطق اﻻهتمام المشترك، ثم قال لهم: “أعتقد أنكم جزء من النظام اﻷردني، واعتقد انكم ينبغي ان تكونوا جزءاً من العملية”. وقال إنه قال لهم “أعتقد اننا جميعاً نغادر هذا اﻻجتماع ونحن نشعر بالرضا/ ولكن سأكون صريحاً معكم أنه يوجد 10 في المئة عدم ثقة مني و10 في المئة عدم ثقة منكم، انا متأكد. لكن لدينا توافق هنا. وقد ذهب قادة اﻹخوان اولئك إلى القاهرة لسؤال المرشد وباقي قادة الإخوان حول ما إذا كان يجب أن يشاركوا في لجنة الحوار الوطني التي أنشأها الملك حديثاً التي كان القصد منها أن تؤطر حواراً وطنياً واسعاً حول اﻹصلاح السياسي. قال الملك إنه قال لحمزة منصور وﻻثنين آخرين من قادة اﻹخوان انه يريد جواباً خلال أيام. “كانوا في القاهرة لرؤية المرشد، ورأوا ميدان التحرير واﻹخوان المسلمين. سألنا منصور: ما هي اﻷسماء الثلاثة التي ستضعونها في لجنة الحوار الوطني؟ ولم يتم تقديم أسماء. “أعتقد انهم كانوا يعتقدون ان الثورة ستندلع في اﻷردن، وهكذا لم يكونوا بحاجة إلى أن يكونوا طرفاً في لجنة الحوار. لقد ظنوا انهم سيفوزون. لقد قرروا انهم قد فازوا”. قاطعت جبهة العمل اﻹسلامي عملية اﻹصلاح السياسي خلال العامين الماضيين، ولكن المقاطعة لم تثمر. في انتخابات كانون الثاني البرلمانية مشاركة الناخبين كانت مرتفعة نسبياً، واﻹسلاميون الذين لم يكونوا يتبعون اﻹخوان فازوا بعدة مقاعد. محللون سياسيون في عمان يتفقون بشكل عام على أن حركة اﻹخوان اصبحت -اﻵن على اﻷقل- أكثر هامشية مما كانت ستكون عليه في أحوال أخرى. أحد أولئك المحللين قال: “لقد اطلقوا النار على أرجلهم. باقي اردن يتحرك إلى اﻷمام”. من الناحية العاطفية ومن ناحية الطباع فإن الملك عبدالله هو أكثر الحكام العرب ميلاً للغرب. هو وزوجته وأولاده-ولدان وابنتان-يستمتعون بمشاهدة برنامج “العائلة الحديثة” معا. في إحدى المرات وعندما كان اميراً ظهر في دور ثانوي في ستار تريك: فوياجر. في تجارب عديدة يكون في أسعد حالاته عندما يتحدث عن سنواته في ماساشوستس في أكاديمية ديرفيلد، حيث المدرسة الداخلية الراقية التي درس فيها لعدة أعوام في السبعينيات. غرائز عبدالله الجوهرية قد تكون أو قد ﻻ تكون متساوية، ولكنه يبدو انه تعلم شيئاً ما عن الديموقراطية والمساواة السياسية في ديرفيلد، حيث ﻻ يوجد إذعان للملكية. ورغم أنه كان يعرف داخل المدرسة انه امير إﻻ أنه كان في نادي المصارعة، حيث كان الجميع يناديه (AB). وكان يجلس على طاوﻻت قاعات الطعام مثل أي طالب آخر. أحد أكثر اﻹنجازات التي يفخر بها عبدالله هي إنشاءء أكاديمية الملك (king’s acadymy)، والتي أنشئت على طراز ديرفيلد، وهي مدرسة إعدادية خارج عمان. وتضم المدرسة 33 بناية، ومعبدا صغيرا غير طائفي، ومروجا ضخمة (هي أكثر اﻷماكن خضرة في اﻷردن) وطاقم تدريس مستوردا بشكل أساسي من الغرب. بينما كان يحلق من الكرك إلى عمان في طائرته، مررنا بالقرب من المدرسة. قال: “إنها مدرسة رائعة، مبنية على أساس الجدارة. بينما يحاول الملك مقاومة رغبته في قضاء وقت اكثر من اللازم في الولايات المتحدة، ذهب في عدة رحلات غير معلنة في فصول الصيف بعيدا عن حرسه مع مجموعة من الاصدقاء في ركوب الدراجات على الطرق السريعة. في الصيف الماضي سار الملك مع اصدقائه بمحاذاة خط انابيب النفط العابر لألاسكا المنحني ابتداء ببرودو باي. لا أحد على مواقف الشاحنات على الطريق السريع تعرف عليه، الأمر الذي من المؤكد انه جعله سعيدا. عندما زاره ديفيد بتريوس الذي كان حينها مدير «ال سي اي ايه» في الخريف الماضي، ذكر الملك عبدالله رحلته الى ألاسكا على سبيل الحصول على بعض التسلية على حساب جهاز الامن القومي الامريكي ” قلت لا أعرف من هو المسؤول عن مؤسسة الأمن الداخلي لكن لدي بعض المخاوف. لقد كان هنالك مجموعة من العرب (قالها بلكنة الامريكيين الجنوبيين المحافظين) يتراكضون حول انابيب نفطكم ولم يوقفهم احد. لم يسألنا احد اي سؤال. من الذي يحمي حدودكم؟” من الممكن ان يكون الملك عبدلله مأخوذا بالنظام الامريكي الى درجة انه يبالغ في تقدير فضائله. في خطابه عن الاصلاح السياسي يتخذ الملك الولايات المتحدة كالنموذج الأكمل. الشلل والخواء في واشنطن لا يبدو انه قد اثر عليه. في كانون الثاني تكلمت معه بعد ان قابل مجموعة من النشطاء الشباب الاردنيين في القصر. لقد شرح الرسالة التي اوصلها لهم:” قلت لهم انكم لا تملكون مفاهيم اليسار واليمين والوسط. في المفهموم الامريكي انا يساري او ديمقراطي عندما نتحدث عن الصحة والتعليم والضرائب. انا جمهوري عندما يتعلق بالدفاع. هذا هو الامر بالنسبة لي انا عبد الله. كيف يتفق هذا مع العقلية الاردنية؟ اريد شبابا يفكرون بهذه الطريقة. لا اريدكم ان تتفقوا معي. اذا اتفقتم معي فهذا عظيم. في ثقافتنا اذا لم تتفق معي سنبدأ باطلاق النار على بعضنا البعض او على الاقل سنبدأ برمي الاحذية على بعضنا البعض”، بالطبع تعتبر مهمة الملك عبدالله المعلنة نبيلة اذا ما حوكمت على ضوء حقائق المنطقة الصعبة بدلا من مقارنتها بالمثاليات. يتهكم البعض انه يتخفى كإصلاحي محاولا الحفاظ على مملكته بإعطاء شعبه وهم التغيير. الراديكاليون يعتبرونه محافظا: والمحافظون راديكاليا. الحقيقة انه الاثنين معا هو ايضا أمر آخر: دونكيشوت. حكم الأجدر والديمقراطية التعددية هي ليست أفكار بلده حاضرة ان تقبلها. من الممكن ان يعزا ذلك إلى ان ثقافة الاردن غير مرنة كما يحبها ان تكون او يمكن لأن نبل نواياه لا تماثلها كفاءة قدراته. الملك عبدالله يبدو راغبا بشكل حقيقي ان يصبح شعبه أغنى، أسعد، ومتمكنا سياسيا اكثر منه الآن. ولكنه ايضا يعلم ان استمرار حكم الهاشميين يعتمد على رضى الاردنيين. في زيارة الى عمان مؤخرا لاحظت أمرا جديدا: صور ابنه ذو الـــ18 عاما، ولي العهد الامير حسين، قد انتشرت بالغرف العامة في القصر كما هو الحال في انحاء المملكة. بصفته الابن الأكبر لعبدالله، من المتوقع ان يرث الحسين عرش ابيه. اثناء مجمل حديثنا بدا ظاهرا ان الملك عبدلله قد كان مشغولا بضمان انتقال سلس لحكم ابنه. عمر الملك عبدالله 51 عاما لكنه ليس جاهلا كما اخبرني اثنان من المقربين منه ان اباه قد توفي عن عمر الـ63. ابتعث الملك عبدلله الحسين الى واشنطن ليتأكد انه يفكر بالسياسة على الطريقة الامريكية. بعد عدة سنوات من الدراسة على الطراز الامريكي في أكاديمية الملوك. الامير حسين الآن طالب سنة اولى في جامعة جورج تاون. قال لي الملك انه نادم على تسمية الحسين وليا للعهد في وقت مبكر في حياته. “عندما جعلته وليا للعهد لا اظن انه كان سعيدا جدا” قال الملك. «كان عمره 15 سنة ولا أطنه كان سعيدا بي كثيرا”. لكن بتسميته وليا للعهد في وقت مبكر آمل الملك عبدالله ان يتجنب الاضطراب والتوجس في المملكة الذي صاحب آخر أيام والده. الملك عبدلله نفسه كان قد جعل وليا للعهد دون اي مقدمات، قبل اسبوعين فقط من وفاة والده بالسرطان. حتى ذلك الحين كان أخو الحسين غير المحظوظ، الحسن، وليا للعهد. وعبد الله عاش الى حد كبير حياة مغمورة في الجيش. “بالنظر الى الوراء الى حياتي، لقد كنت فوريست غمب.” قال الملك. “لقد رافقت والدي في كل الأزمات لكن لم تسلط دائرة الضوء علي. كنت اشاهد واتعلم دون اي ضغوط.” معرفة حجم الضغط الذي فرض على ولده عن تسميته وليا للعهد “انتج اضطرابا كبيرا” لدى الملك عبدالله. الملكة ايضا تقول انها لم تكون سعيدة بالتحديد عن ترقية الحسين. “كان صراعا بالنسبة لي” قالت. “لأن الأم تريد لأبنائها ان يعيشوا حياة اعتيادية لأقصى حد. حياة دون شهرة بعيدة عن الصراعات. ونحن متأكدون ان هذا بالتأكيد هو ليس ما قدمناه له” “لم أشأ ان افعل هذا لطفل صغير” قال الملك. “لقد نضج كثيرا في العامين الاخيرين. بات يفهم المسؤولية. لن يعش الحياة التي عشتها… كمراهق او كضابط شاب، لا أحد كان يراقبني. لم يهتم أحد بمكانتي. كان عندي القدرة ان اتطور وان اكون الصداقات وان أرى العالم دون ان يأخذ الناس صورا لي يمينا ويسارا. اللقب سيلاحقه. انا لم اصنع له خيرا” افضل ما يمكن تقديمه لإبنه الان، يقول الملك، هو التخفيف من تركيز قوة العرش. “الملكيات ستتغير، عندما يصبح ابني ملكا النظام سيكون قد استقر وسيكون ملكية دستورية على الطراز الغربي” لكنه يضيف “حتى مع كل التغيير الذي اقوم به هنا سيستمر وجود الملكية”. عبدلله يرغب في رؤية ابنه رمزا للوحدة الوطنية ومصدر للإلهام الاخلاقي. ويأمل لولده “ألا يحتاج ليعمل بعناء بقية حياتهم احب لو يعمل بجد لكن دون كل هذه الضغوط”. ما لا يريده عبدالله هو ان يستلم ابنه العرش في وضع “يشبه وضع بشار اليوم”. بل ان يصبح الحسين ملكا على أردن حيث “الناس سعداء ويحبون الملكية كما رأيت التوق نحو الملكة اليزابيث في انجلترا” .

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة