بالفيديو..خطبة العيد للمفكرة السورية التي أثارت جدلا في العالم | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة


بالفيديو..خطبة العيد للمفكرة السورية التي أثارت جدلا في العالم

  • عـــــبــــد الإلـــــه   شـــــبــــــل
  • كتب يوم الأحد 12 أكتوبر 2014 م على الساعة 22:00


هي خطبة العيد التي ألقتها الكاتبة والمفكرة السورية الكندية عفراء جلبي في أول أيام عيد الأضحى، أي يوم السبت الفائت في « مركز النور الثقافي » الإسلامي في تورونتو، كبرى المدن الكندية.
أمام عدة مئات من المؤمنين، من رجال ونساء.

وفيما رحب القليلون بالخطوة، رفضها الكثيرون، فكما تعلمون، ترؤس المرأة الصلاة في الأديان الابراهيمية الثلاثة، اليهودية والمسيحية والإسلام، هو مثار جدل.

ولم ترق فكرة الخطبة في حد ذاتها الكثيرين، ممن اعتبروها خروجاً على مبادئ الإسلام وأحكامه. كما طالت الانتقادات المفكر الإسلامي جودت سعيد، خال السيدة جلبي والذي تتلمذت دينياً على يديه، هي المتأثرة أيضاً بالفكر الإنساني لوالدها الدكتور خالص جلبي.

وسبق لعفراء جلبي أن أمّت الرجال والنساء في الصلاة، دون أن يحدث الأمر ضجة إعلامية، خلافاً لما حصل عند قيام الأستاذة الجامعية الأميركية أمينة ودود بإمامة الرجال والنساء في صلاة الجمعة أكثر من مرة.

« فبراير.كوم » تنشر النص الكامل للخطبة المثيرة للجدل، وفيها الكثير من العبر والرسائل التي بعثت بها المفكرة والمعارضة السورية، إلى بشار الأسد وإلى كل المسلمين في العالم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعود بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا
لقد كان رسول الله (ص) يفتتح خطبه كلها بهذا الدعاء، يحمد الله ويثني عليه ثم يركز على النقذ الذاتي ورؤية أخطائنا. تخيلوا الرسول (ص) يقف أمام الناس مركزا على شرور أنفسنا. نحن نعيش في عالم نرى فيه شرور الآخرين ولا نرى شرور أنفسنا. نركز دائما على إسقاط أخطائنا خارج أنفسنا. لقد جاء الأنبياء كلهم ليعكسوا هذا التوجه البشري العام. فبدل أن يقولوا أنتم الأشرار ونحن الأطهار، ركزوا على أخطاء الذات، ولهذا قال يونس في بطن الحوت: « لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. » لقد قال هذا لأننا نعيش في كون لطيف نخطئ فيه تجاه انفسنا ونظلمها. وكما قال آينشتاين، فإن السؤال الأعظم الذي يواجه البشرية هو فيما إذا كنا نعيش في كون لطيف، أم في كون معادي لنا. 
إذا كنا نعيش في كون لطيف، فمن ماذا نخاف؟ 
القرآن يذهب لأبعد من هذا، ويقول لنا إن هذا الكون ليس لطيفا فحسب تجاهنا، وإنما هو مسخر لنا جميعا بما فيه من عطاء وافر ورحمة واسعة للمؤمنين وللكافرين كليهما. « كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا. » ولهذا عندما نعبد الله، فإننا نتوجه له ليس من حاجة وإنما يدفعنا الحب نحوه، لأن رحمته واسعة. « وسعت رحمته كل شيء. »

في هذا اليوم الذي يجتمع المسلمون فيه في مكة، نجتمع نحن في المساجد للاحتفاء بلحظة فيها رمزية كبيرة. إنها اللحظة التي وقف فيها إبراهيم عليه السلام، بعد أن رأى الرؤيا ليضحي بابنه. هذه اللحظة التي وقف فيها حاملا السكين ليضحي بابنه. ونفهم جيدا كيف يسلم ابنه لارادة ابيه، لأننا نعيش في ثقافات التضحية، فنحن مبرمجون في ثقافاتنا لنضحي، ونقدم أنفسنا كقرابين لآبائنا، ويضحي الأبناء بأنفسهم لآبائهم وأجدادهم. ولكن في تلك اللحظة، فإن ما حدث هو أن الله قال لابراهيم: توقف! لا أريدك أن تضحي بابنك لي. 
هناك مغزى عميق لو وقفنا لنتأمل. هذه اللحظة تتكرر في حياتنا جميعا، في ثقافاتنا كلها، وحضاراتنا. بماذا نضحي؟ ولأي شيء؟ نحتاج أن نسأل انفسنا هذا السؤال.

في عالمنا اليوم، المسلمون هم الذي يَقتلون ويُقتلون. وهناك زوايا أخرى في العالم حيث يسيطر العنف، في بعض من أفريقيا وآسيا. إلا أن العنف كأداة لحل المشكلات والخلافات ينحسر تدريجيا عن عالمنا. ولكن ما زلنا نحن غارقين في وحله. شعوبنا في المنطقة متورطة به. اسلاميون، علمانيون، متطرفون. المتطرفون يجزّون الرؤس بطرق قميئة لجر الانتباه. ولكن القيادات العلمانية وجدت اساليب رخيصة لقتل أكبر—بالكيماوي وقصفٍ بالبراميل. هذا الصباح وصلني خبر من صديق يعيش أقرباؤه قريبا من حلب في مدينتهم في سراقب. خلال ثلاثة أيام رُمي عليهم عشرون برميلا متفجرا. طريقة رخيصة لقتل الناس، حيث الأسد يسوي المدن السورية بالأرض. كلا النموذجين اجراميان. إجرام علماني، واجرام ديني. ولذا فإننا في عالمنا المسلم حيثما اتجهنا فكريا (دينيا أو علمانيا) فإننا نجيد القتل.

ورغم كل هذا، نقف اليوم لنحتفي بذكرى إنهاء القربان البشري. والسبب الذي يجعلني أركز على هذا هو لأننا نشأنا في مجتمعات ذكورية تحتفي بالقتل والأضاحي البشرية وترفعها إلى الأعالي، ولكن القرآن لا يحث على التضحية، وإنما يحثنا على أن نسلم وجهنا لله وننسجم مع سنن الله في الكون. إن معنى كلمة اسلام، والتي تترجم مرات كثيرة بالانكليزية على أنها استسلام هي في الواقع على وزن « إفعال » والتي تعني إفعال السلام. أي أنه عندما نكون مسلمين فإننا حرفيا أدوات ووصلات لتفعيل السلام. ولهذا سمي ديننا بالإسلام، لأن السلام هي صفة هذا الكون. هذا الكون اللطيف المُسخر. 
ولهذا نحن المسلمون اليوم في كل أصقاع الأرض نحتفل كل سنة بنهاية التضحية بالإنسان. بنهاية القربان البشري. بنهاية كيل العذاب على بعضنا البعض. لأننا نعيش في كون نحن الخليفة فيه. 
عندما أعلن الله بأنه سيضع خليفة له، ممثلا عن الله في الأرض، انصدمت الملائكة وخافت. إننا في عصرنا نفهم رعبهم نحونا. كان لهم اتهامين لاعتراضهم على خلق هذا النوع الجديد، على ترقيته ليكون ممثلا وخليفةٍ لله على الأرض. قالوا اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء. الفساد وسفك الدماء. ما الذي يأتي بعد الفساد؟ الدماء.

ولهذا أريد منا أن نفكر بمفهوم التضحية. لا توجد كلمة تضحية في القرآن. المشكلة التي يركز عليها القرآن هي الإسراف والفساد. لو أن ابراهيم قتل ابنه لتخيله بأنه يرضي إلها بعيدا عنا هناك في السماء كما يفعل كثيرًُ من الناس ماذا كان سيستفيد؟ لو قتل ابنه لكان اسرف وفرط في حياة إنسانية. ولهذا يركز القرآن على مفهوم الإسراف. الإسراف من الأشياء التي ذكر في القرآن، أن الله لا يحبها. نقرأ في القرآن: « إن الله لا يحب المسرفين. » وهي مذكورة مرتين، ويصف القرآن فرعون بأنه كان من المسرفين. أركز على هذا الأمر لأننا نعيش الإسراف والتفريط والتبذير في كثير من جوانب حياتنا حتى في مفاهيمنا للتقرب من الله ونظرتنا للأمور الروحية.

إننا نسرف ونفرط. نؤمن بالتضحية ونؤمن بالدمار لنرضي إلها غاضبا، كما يتهيأ لنا في خيالنا. ولكن هذا خيالنا وظننا نحن. « ذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين. » وهذا ما حدث في لحظة إبراهيم عندما قيل له بأن يخرج من هذا المخيال العتيق، الذي مكث في قلب البشرية والذي كان البشر يرون فيه بأن الله يريد الدمار والشقاء، وطلب منه أنه يسلم وجهه لله –للسلام الرحيم.
أريد أن أركز على هذا لأننا نعيش على هذا الكوكب بطرق فيها تبذير واسراف وتفريط. تقارير جديدة عن البيئة ودراسات جديدة تظهر أن خمسين بالمائة من أنواع الفقريات انقرضت خلال الاربعين سنة المنصرمة. الكائنات الكبيرة التي كانت تعيش على الأطراف المرجانية في البحار والمحيطات قد انقرضت، حيتان وأسماك أخرى كبيرة. كل فصائل الحيوانات الكبيرة في غابات الأمازون انقرضت. هذا فضلا عن أننا نجز غابات الأمازون والتي تعتبر أحد رئتي العالم على هذا الكوكب. نعم، لقد ظهر الفساد في البر والبحر كما يقول لنا القرآن. إننا لا ندمر بعضنا فقط ولكننا ندمر بيئتنا الحاضنة لنا أيضا. ونوهم أنفسنا بأنه بإمكانا أن نفعل ما نريده. نتوهم هذا لأننا كائنات متحركة وأننا غير مرتبطين بالأشجار والأوكسجين ونور الشمس. ولا نريد أن نرى كيف أنه لا يمكن أن نرتفع بضعة كيلومترات في السماء لنصير غير قادرين على الحياة. نعم هنا الرحم التي نعيش فيه ونحصل على الغذاء والحماية. إنها رئتنا وجسدنا وحياتنا. 
ولهذا لحظة ابراهيم وهو يمسك السكين لحظة فيها رمزية كبيرة، وهي مهمة في الأديان الثلاثة، وفي ديننا صارت هذه اللحظة عيدنا الأكبر وطوافنا حول الكعبة وحجنا السنوي. لحظة الإمساك بالسكين وإمساك الله يد ابراهيم ليتوقف عن استعمال السكين. هذه اللحظة إنما هي لنتفكر في كل الأشياء التي نقف فيها مستعدين لندمر ونفرط ونبذر.

نحن نسرف كثيرا ونبذر في أوقاتنا وطاقاتنا وأموالنا. نبذر اموالنا على اسلحة دمار ضخمة. إننا نعيش في عالم يمكنك فيه الآن بأن تقصف بصاروخ خلال ثوان أي بقعة من العالم بينما نساء كثيرات فقيرات في أصقاع العالم في قرى كثيرة يمشين الساعات الطوال ليجلبن الماء النقي لعائلاتهن. نصرف المليارات من الدولارات، ليس لنطعم الفقراء أو نحمي البيئة ونحافظ عليها أولنعلم الصغار، ولكن لنطغى. لنسيطر، لندمر. ولهذا ركز على القرآن في أول سوره على تحدي الإنسان الأكبر. « إن الإنسان ليطغى. » نحب ان نطغى ونسيطر. وبهذا نبتعد عن سنن الطبيعة والكون ونكفر بها. ولهذا فإن كلمة مسلم حسب فهمي لها، تعني ان تكون مسلما لسنن الكون. ولهذا نجد أن القرآن يستعمل كلمة الإسلام كفعل وليس كإسم فقط لأنها تعني إعادة التوجه والاتساق مع سنن الله في الكون، مع نور الله، بدل الانسياق وراء خيالاتنا وظنوننا. « بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن. »

عندما يجوع الأسد، يصطاد حيوانا ويأكله هو وعائلته، ويشبع، ثم تأتي الطيور والكائنات الأخرى على الجيفة. وفي تلك اللحظات فإن الحيوانات الأخرى من غزلان وظبيان وغيرها تشعر بالأمان أمام الأسد الشبعان. بل في الواقع تبدأ بالتمشي والتجول أمامه بكل تؤده (تك تك تك). لأنها تعرف أن الأسد لم يعد جائعا، وبأنه يمكنهم ان يحوموا ويرعوا أمامه بسلام وامان–فحاجاته قد حصل عليها. 
ولكن تخيلوا معي أن الأسد فجأة حصل على عقل إنسان. إنه حينها سيحاول أن يراكم تلالا من الجيفة وجثث الحيوانات ليثبت بأنه الأقوى في الغابة التي يحكمها رغم أنه ليس بحاجة له. 
وأنا كسورية أستعمل قصدا هنا مثال الأسد. ولكن يوجد أسد داخل كل منا، لأننا لا نكتفي بالتوقف عند حاجاتنا من اطعام اولادنا والعناية بهم كما يفعل اسد الطبيعة، بل نتمادى ونسرف. كلنا عندنا أذهان تطالب بأكثر مما نحتاجه في حياتنا، ثم نسقط هذه الحاجات الوهمية حول الله، ونصير نؤمن بالتضحية والتبذير والإسراف. إننا لا نحتاج لنضحي بأنفسنا ومصادرنا الطبيعية وشبابنا ودمائنا لارضاء الله الذي نتوهمه في خيالنا. ما نفعله هو أننا نرضى الأنا في انفسنا. ولهذا يقلب القرآن المنظومة في مفاهيمنا. ونرى هذا في جواب الله للملائكة لما اعترضت واتهمت الإنسان بالفساد وسفك الدماء، فقال لهم: « إني اعلم ما لا تعلمون. » لم يقل سيفعلون أو لن يفعلوا، وإنما قال للملائكة إني أعلم ما لا تعلمون. اي تعني الامكانية. أي أن الإنسان امكانية ابداعية، موجود على تخوم الإبداع. لأنه يمكن أن نكون مدمرين، وبنائين في نفس الآن. ندمر عندما نقع في أوهامنا، ولكن نفس هذه الأداة الابداعية التي تدمر الكثير، قادرة أيضا أن تفعل الكثير. لأنها قادرة أن تعيش في خيال واسع كبير خارج حدودنا البقائية الضيقة، فنستعمل هذا التوسع للتفكر بالآخرين ومعاناتهم. نفكر بمجالات اوسع وبرحمة أكبر. عندما يحول الإنسان نفسه عن مسار السيطرة والتوسع والطغيان والتحكم والتلاعب بالآخرين إلى قناة جديدة من الخدمة، فإنه سيصير قادرا أن يوسع مساحات الرحمة. وعندها سنصير قادرين أن نحمل هم الفقراء والمستضعفين ونفكر بخير سكان الأرض، ونفكر بطرق جديدة لحل هذه المشكلات ونستعمل خيالنا لاختراع بدائل طاقة نظيفة ونفكر بكيفية حماية بيئتنا. وسنستطيع أن نجد أدوات وطرق جديدة لحل مشكلاتنا وخلافاتنا حتى نتشارك في القرارات والسلطة. ونكتشف كيف نكون أفضل مع بعضا البعض. 
إننا نعيش على كوكب جميل. انظروا حولكم. انظروا إلى الوان الطبيعة، وتقلب الفصول. إنه كون ساحر خلاب. حتى ندف الثلج التي نراها تنزل عندنا في كندا، كل ندفه منها ماسة فريدة لن تتكرر. ماسة تهبط علينا برقة. كل لحظة لا تتكرر. كل لحظة ثمنية. هذا الخلق المتواصل، هذا الجمال المتواصل والذي يحيطنا دائما في تحرك دائم. 
ولكننا عميان. 
نرغب أن ندمر أن نقتل أن نجمع ونسيطر. 
ولكن الله راهن على هذا المخلوق الجديد. لأنه مخلوق فيه امكانات. مخلوق جعله الله قادرا على أن يختار هذا الطريق أو ذاك. لقد وهبنا الله حرية الاختيار، حتى اختيار أن ننتهك ما حولنا و ندمره. ورغم أن تدميرنا وانتهاكنا له حد في النهاية إلا أن الله اعطانا مساحة واسعة من الحرية، وهذه الحرية لها الأولوية، ولهذا يدع الله البشر ينتهكون سننه. فالله وسعت رحمته كل شيء. يسمح بالتطاول والتمادي للبشر داخل مساحات رحمته. ولكن الله رغم أنه اعطى الرحمة المطلقة واتاح الحرية للإنسان إلا أن القرآن يعلمنا بأن حب الله يأتي في سياقات معينة. إن الله يحب المحسنين. إن الله يحب المقسطين. إن الله يحب المتطهرين. ولكن يخبرنا أيضا أن الله لا يحب المعتدين، لا يحب الظالمين، لا يحب المسرفين، وتذكروا « لا يحب المسرفين » ذُكرها القرآن مرتين.

وهذا يعني أن الله يسمح لنا بانتهاك السنن لأن حريتنا ضمنها لنا حتى عندما ندمر ونعصي. ثم لاحقا نقابل عواقب ما نصنع. لقد ضُمنت حرية الاختيار عندنا امام الملائكة. وحُملنا الأمانة الكبيرة ووضعت داخلنا. ولذلك فإننا عندما نسلم وجهنا لله فهو نتيجة اختيار وليس قهرا لنا. ولذلك عندما يقتل البشر الأنبياء وينتهكون الأطفال ويدمرون البيئة، فإن الله يترك هذا الاختيار لنا. لأنه لو كانت العواقب آنية، لو أن من آذى طفلا صُعق في لحظتها، لما كان للناس حرية الاختيار، ولانصاعوا قهرا. هذه الأمانة. هذه القدرة على الاختيار هي أزمتنا الوجودية. وهذا الاختيار يمكننا بأن نسمو لنصل لمرحلة تسجد لنا فيها الملائكة، أو لنصل للدرك الأسفل ونكون فيه أسفل سافلين، ونصبح فيه عبيدا للشيطان. فكما قال الفيلسوف ابن عربي، ألا ترى أن الشيطان رفض أن يسجد لك حتى مرة واحدة بينما أنت تسجد له مرات في اليوم الواحد. الشر لا ينحني لنا. وهذا يعني أن الشر مصمم أن لا يخدمنا ولا يسجد لنا بل يجعلنا نسجد له ويدمرنا ويتلاعب بنا، بينما الملائكة سجدت للإنسان. إن قوى الخير والملائكة مصممة أن تسجد لنا بطرق لطيفة. قوى الكون مسخرة لنا. 
وهذه العبرة من قصة ابراهيم حين أوقفه الله عن ذبح ابنه. وأثبت له بأنه ليس محتاجا ليضحي بابنه. بل قال الله له ابنيا لي بيتا سوية. وهذه عبرتنا من القصة نحن المسلمين وكبشر وتحدينا أن نرى بعضنا أننا كلنا ننتمي للبشرية سوية، وهذه رمزية الحج. في القرآن الدعوة ليست فقط للمسلمين، وإنما يدعو الناس كلهم. إنها دعوة للإنسانية. « يا أيها الناس. » يدعونا لنتلاقي ونتعارف ونكتشف بأننا اخوة وأخوات، وبأنه عندنا طرق مختلفة في شعائرنا ومناسكنا، ولكن لا داعي لتدمير بعضنا. وأن هذا الكوكب جميل فيه من العطاء والوفرة ما يكفينا جميعا. فنحن في النهاية كائنات صغيرة، نحتاج للقليل من الطعام، ونلاحظ كيف أنه عندما نأكل أكثر مما نحتاج نبدأ بتدمير صحتنا. هكذا تصميمنا. اقتصادي للغاية. تماما كما كل شيء.
نرى هذا في تفاصيل حياتنا ومجتمعاتنا. فكما أظهرت الدراسات النفسية الحديثة فإن مستوى الإنسان في السعادة لا يتغير كثيرا بعد أن يضمن حاجاته الأساسية التي تضمن له الأمن والراحة. نحن مثل ذلك الأسد في الغابة، عندما نضمن الشبع والأمان ونؤمن التعليم لأولادنا لا نحتاج أكثر. وإن احتجنا لنوسع رغباتنا، فإننا نقدر أن نحولها للتفكر والتعاضد مع الآخرين ولندخلهم ونضمهم في تفكيرنا وابداعنا الأوسع. ولذلك كنت ممتنة بأن الإمام قرأ في الركعة الثانية سورة الماعون. لأن هذه السورة تتحدث عن أزمة الدين، عن الذين يمنعون الماعون. هذه السورة ليست عن الكافرين. السورة هي عن المتدينيين الذين يصلون ويتعبدون، ولكن في صلاتهم ساهون وملتهون بأمور اخرى، والذين هم لا يطعمون الفقراء ولا يقفون مع المستضعفين في الأرض. هذه هي أزمة الدين. نحن نظن أنه علينا أن نرضي إلها بعيدا، بينما الله يقول إذا اردتم أن تخدموني اخدموني بخدمة بعضكم، وإذا اردتم ان تعبدوني توقفوا عن أذية بعضكم، وارفعوا السكين عن اولادكم. 
والسلام عليكم.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة